الثورة نت:
2026-07-23@23:09:59 GMT

الخروج الأمريكي المذل من اليمن.. تجربة ملهمة

تاريخ النشر: 14th, February 2026 GMT

الخروج الأمريكي المذل من اليمن.. تجربة ملهمة

 

على نحو خجول يحيي اليمنيون ذكرى الحادي عشر من فبراير من كلّ عام وعلى مدى قرابة عشر سنوات تقريباً بتجمّع لعشرات أو مئات اليمنيين أمام مقر السفارة الأمريكية (سابقاً) في العاصمة صنعاء، ونحن هنا لا نقلّل من هذا الجهد المبارك، لكنّ الملاحظ أنّ الإحياء بالطريقة المعتادة العادية يبدو وكأنه لإسقاط الواجب ولمجرّد التذكير بما حصل، مع أنّ الحدث المرتبط بذلك التاريخ يمثّل نقطة تحوّل ومحطة فارقة ليس لصنعاء وحدها بل في تاريخ اليمن الحديث والمعاصر، ذلك أنّ الذكرى ارتبطت بواحد من أكبر الانتكاسات للاستخبارات الأمريكية في المنطقة وربما في العالم وأنهت ترتيبات أمريكية لسنوات وعقود.


في الـ 11 من فبراير وتحديداً في العام 2015م أجبرت السفارة الأمريكية على إغلاق أبوابها، وأجبر السفير الأمريكي حينها «ماثيو تولر» وعشرات ضباط المارينز والسي آي إيه على «الهروب المذلّ من العاصمة صنعاء في وضح النهار تحت ضغط مدّ الثورة اليمنية في الـ 21 من سبتمبر، من دون رصاص ومن دون أن تسيل قطرة دم، بل وحتى من دون «مفاوضات أو تنازلات أو مساومات في السيادة والكرامة والحرية»، وهذا ما أكّده السيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي في بيان بالمناسبة يوم الأربعاء الماضي، في دلالة على أهمية ذلك الحدث الذي وصفه السيد عبدالملك بـ «الانتصار التاريخي».
ويكتسب هذا الحدث التاريخي والمفصلي أهمية، من السياق الذي جاء فيه أولاً، وفاعلية الوعي في إحداث زلزال سياسي واستخباراتي من هذا النوع، ضدّ دولة عظمى تتربّع على عرش النظام الدولي، كما أنّ الحدث يكاد يكون الأول من نوعه أقلّه على مستوى الدول العربية قاطبة والإسلامية إذا ما استثنينا الجمهورية الإسلامية الإيرانية وأفغانستان.
من ناحية السياق، فقد جاء الحدث في أوج قوة الولايات المتحدة الأمريكية، وبعد جهود بذلتها على مدى عقدين من الزمن وأكثر على المستوى اليمني، سياسياً وعسكرياً واستخباراتياً واقتصادياً… إلخ، إلى حدّ أنّ السفير والسفارة كانت تتدخّل في كلّ التفاصيل وكلّ مفاصل الدولة، فكان السفير الأمريكي بمثابة المندوب السامي في البلاد، بل كان يوصف بـ «رئيس الرؤساء والمرؤوسين والمسؤولين» و»شيخ المشايخ».
وقبل هذه المحطة المفصلية، تدخّل الأمريكيون في تدمير القدرات العسكرية اليمنية، وتحديداً «صواريخ الدفاع الجوي»، وبنت واشنطن ربما أكبر محطاتها الاستخباراتية على مستوى المنطقة، واستجلبت من العدة والعتاد العسكري ما لا يمكن تصوّره إلى مقرّ سفارتها في أحد أحياء سعوان بالعاصمة صنعاء، وكانت طائرات الشحن العسكري تحطّ متى تشاء وتحمل ما تشاء وتمرّ ومن عليها من دون تفتيش في مطار صنعاء الدولي، بل ومن دون أن تجرؤ السلطات المتعاقبة على السؤال والمساءلة!
في تلك المرحلة، تصاعدت وتيرة الاغتيالات والانفلات الأمني، توالت حوادث تساقط الطائرات الروسية التي بحوزة الجيش اليمني، تمّت إعادة هيكلة المؤسسة العسكرية في مرحلة ما بعد ثورة الـ11 من فبراير 2011م، تمّ تفكيك صواريخ اليمن الاستراتيجية روسية الصنع وتفريغها من الوقود، بل إنّ بعض السفراء الأمريكيين في اليمن أبرزهم «إدموند هول» نزل إلى بعض الأسواق الشعبية لسحب السلاح من «سوق الطلح» في محافظة صعدة وتقريباً سوق «جَحَانة» في خولان الطيال بمحافظة صنعاء، وكان يدخل برفقة ضباط وخبراء إلى مخازن وزارة الدفاع لمنعها من امتلاك نوعيات معيّنة من السلاح التكتيكي والاستراتيجي، وهناك وثائق نشرت في هذا الصدد للاطلاع على مزيد من التفاصيل والشهادات.
قبل ذلك وبعده وأثناءه عملت السفارة الأمريكية على تفريخ شبكات التجسس وغرسها في كلّ مفاصل الدولة من البنك المركزي إلى القطاعين الزراعي والتنموي، إلى القطاع التعليمي، بل تدخّلت على مستوى إعادة صياغة المناهج، والتحكّم في الخطاب الإعلامي والثقافي إلى حدّ أنّ بعض «خطب الجمعة» كانت تصاغ من السفارة الأمريكية قبل أن يلقيها الخطباء والمرشدون على منابر المساجد. ضمن هذا السياق علمت من بعض الزملاء في إذاعة صنعاء أنّ نائب البعثة الأمريكية في صنعاء في العام 2003م ذهب شخصياً وبموكب من السيارات إلى إذاعة صنعاء – من دون التنسيق مع وزارة الإعلام والسلطات في حينها – وخاطب القائمين على الإذاعة مباشرة وقام بتوجيههم بعدم استخدام «مصطلح الاحتلال الأمريكي» أو «الغزو الأمريكي» إبّان الغزو والاحتلال الأمريكي للعراق، وإلزامهم بخطاب إعلامي يتناسب مع المصلحة الأمريكية، إلى هذا الحدّ من الاستلاب وصلت اليمن.
على المستوى السياسي، كانت السفارة الأمريكية والسفراء الأمريكيون هم الحاكم الفعلي واللاعب الرئيس في كلّ تفاصيل المشهد، إلى حدّ التدخّل في التعيينات وإصدار القرارات وفرض الوصاية على كلّ مفاصل الدولة – إن صحّ أن يقال عنها دولة – بل تكشف المعلومات أنه كانت هناك أبواب خاصة يعبر من خلالها السفير الأمريكي إلى أبرز مؤسسات السلطة التنفيذية.
وبناء على ما سبق، لم يكن «جلاء المارينز الأمريكي» حدثاً عابراً وعادياً، بل كان «انتصاراً تاريخياً» كما وصفه السيد عبد الملك في بيان الأربعاء، لأنّ ذلك الخروج المذلّ وما سبقه من تخلّص من الوثائق السرية والاستخباراتية، وتحطيم الأسلحة والأجهزة على أيدي الأمريكيين أنفسهم مثّل، والحديث هنا للسيد القائد، «نهاية لسيطرتهم المباشرة على مركز البلاد السياسي والإداري التي استغلوها لفرض سياساتهم وتنفيذ مؤامراتهم ضدّ الشعب اليمني من وسط عاصمته وبإخضاع كبار المسؤولين في السلطة، فكان السفير الأمريكي في صنعاء صاحب الكلمة والقرار الأول على كلّ مسؤولي البلاد».
إنّ الخروج المذلّ للمارينز الأمريكي والسفير من العاصمة صنعاء، ما كان ليحصل لولا ثورة الشعب ونهضته ورفضه للوصاية الخارجية، ما يعني أنّ ذلك الخروج المذلّ ثمرة من أبرز ثمار ثورة الحادي والعشرين من سبتمبر 2014م السلمية الحضارية، وكان وعي الثوّار حينها هو الكفيل بإفشال كلّ المحاولات الأمريكية لإفشال الثورة وإحباط مسارها، فلما وصل الأمريكي إلى حالة الإحباط واليأس لم يكن أمامه من خيار سوى الرحيل المذلّ، بعد تسجيل أكبر نكسة استخباراتية في تاريخ المخابرات الأمريكية، فما بني خلال سنوات انهار وتمّ التخلّص منه في لحظات لم تكن عابرة، بل عبرة عبر الزمن لكلّ من يريد التحرّر والنهوض على مستوى منطقتنا والعالم.
لحظة تاريخية كانت نقطة الوصل بين الخروج المذلّ وحقبة المواجهة المباشرة وغير المباشرة، ولم يكن العدوان الأمريكي السعودي الذي بدأ على اليمن في الـ 26 من مارس 2015م (أي بعد شهر وبضعة أيام من الهروب المذلّ)، واستمر لقرابة 10 سنوات ولا يزال بمعزل عن الرغبة الأمريكية الانتقامية من اليمنيين لإحباط مسارهم وثورتهم التحرّرية، ولم تكن السعودية في ذلك العدوان سوى أداة لتنفيذ وتمويل العدوان بعد أن نجح الأمريكي في إيهامها بـ «مخاطر وهمية ومصطنعة على أمنها القومي»، وحين فشلت الرياض في تحقيق ذلك الهدف اضطرت أمريكا للتدخّل العسكري المباشر على اليمن في جولتين توّجتا بالفشل، وانتهتا بانسحاب مذلّ لحاملات الطائرات الأمريكية بنسخة جديدة.
صحيح أنّ مسار التحرّر يحتاج إلى تضحية وكلفة، لكنّ كلفته أقلّ بكثير من كلفة الذلّ والارتهان والوصاية، وهذا ما يؤمن به اليمنيون ومن تجربتهم يقدّمون دروساً عملية ملهمة لشعوب أمتنا، تمنحهم الأمل في واقع مليء بالحروب والأزمات ومحاولات والتيئيس الأمريكية والإسرائيلية وحتى من بعض الأنظمة العربية بأنّ: التحرّر ممكن!.

المصدر

المصدر: الثورة نت

إقرأ أيضاً:

مدير مطار صنعاء: شركات طيران راغبة بالرحلات لكن الإجراءات السعودية تعرقل

وأكد أن الخسائر المباشرة وغير المباشرة نتيجة القصف والحصار ما تزال قائمة حتى اليوم.

وأوضح الشايف، أن الحظر الجوي على مطار صنعاء كان يُجدّد سنوياً، وأن العديد من شركات الطيران أبدت رغبتها في تنظيم رحلات، غير أن الإجراءات السعودية حالت دون ذلك، مشيراً إلى أن الرياض أفشلت مراراً الاتفاقات المتعلقة بتسيير الرحلات رغم تقارير فنية دولية – بينها إشادة الفريق المصري – بجاهزية المطار.

من جانبه، أكد المتحدث باسم وزارة الصحة الدكتور أنيس الأصبحي أن الحصار المفروض على مطار صنعاء تسبب في منع المرضى من السفر للعلاج ومنع دخول الإمدادات الطبية، ما أدى إلى ارتفاع معدل الوفيات نتيجة نقص الأدوية المنقذة للحياة.

وأوضح أن حياة أكثر من 8 آلاف مريض غسيل كلوي و120 ألف مريض سرطان باتت مهددة بشكل مباشر، فيما انسحبت أكثر من 83 شركة كانت توفر 1329 صنفاً دوائياً بسبب الإجراءات التعسفية السعودية.

وتأتي هذه التصريحات في سياق خلفية أشار إليها رئيس الوفد الوطني المفاوض محمد عبدالسلام، الذي أكد أن السعودية افتتحت عدوانها على اليمن بقصف مطار صنعاء الدولي في مارس 2015، وأن ما قام به الكيان الصهيوني لاحقاً من استهداف للمطار جاء على النهج ذاته باستهداف البنى المدنية وتحويل الجرائم إلى ما يشبه "إنجازاً".

 

مقالات مشابهة

  • مدير مطار صنعاء: شركات طيران راغبة بالرحلات لكن الإجراءات السعودية تعرقل
  • ارتفاع كلفة التأمين على السفن في جنوب البحر الأحمر
  • خارج حسابات ميلان.. بن ناصر على أعتاب تجربة مختلفة!
  • مصطفى بكري: تجربة عبد الناصر جمعت بين الإنجازات والتحديات ولا يمكن اختزالها في الأخطاء
  • جدة تستثمر الزخم الرياضي لـ”The Comeback” وتقدم لزوارها تجربة تجمع بين الرياضة والترفيه
  • عبدالسلام: النظام السعودي يتحمل مسؤولية الحصار على اليمن
  • بعد تجربة مخيبة.. تشيلسي يعير غارناتشو إلى أستون فيلا
  • العاصمة صنعاء الان
  • اطلاق صافرات الانذار في العاصمة صنعاء
  • صنعاء: حركة قضائية بنقل 60 قاضيا .. اسماء