البشرية في منتصف ليلها (إلا 85 ثانية)!
تاريخ النشر: 14th, February 2026 GMT
ينسب لعالم الذرة الأمريكي الشهير روبرت أوبنهايمر أنه قال عام 1945 إن إنتاج القنابل الذرية ليس صعبا، وإنها ستنتشر على نطاق العالم كله “إذا أراد الناس ذلك” (ولا شك أن ما قصده بالناس هو الساسة والحكام، أي أصحاب القرار السيادي، وليس العلماء والباحثين أو سائر عباد الله). ولهذا كان الرئيس جون كندي يتوقع أوائل الستينيات أن عدد الدول المزودة بالأسلحة النووية ربما لن يقل، بحلول عام 1975، عن عشرين دولة.
وكان يمكن لأوكرانيا أن تظل على القائمة فتبقى هي القوة النووية الثالثة عالميا، ولكن الرئيس كلنتون تمكن من إقناعها عام 1994، في إطار التفاوض حول ما يعرف بمذكرة بودابست، بالسماح بنقل الترسانة النووية الضخمة (ما لا يقل عن خمسة آلاف من الرؤوس النووية!) التي ورثتها من العهد السوفييتي إلى الأراضي الروسية مقابل تعهدات قدمتها لها كل من الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا والصين وروسيا بضمان أمنها. وقد أعرب كلنتون يوم 4 أبريل 2023 عن الندم على حمل أوكرانيا على التخلي عن رؤوسها النووية، التي كانت تمثل ثلث الترسانة السوفييتية، وقال إن الأوكرانيين كانوا متخوفين (قبل أن يقنعهم) من عواقب التخلي عن الأسلحة النووية لأنهم كانوا على يقين أنها هي درع حمايتهم الوحيدة من الأطماع الروسية.
ولا مراء أن هذا صحيح، إذ ما كان بوتين ليقدم على غزو أوكرانيا لو أنها بقيت دولة نووية. فالسلاح النووي هو سلاح الردع الأقوى، وامتلاكه، ولو بكميات قليلة، هو تحصين نهائي للأراضي الوطنية ضد أي هجوم خارجي. وتبقى كوريا الشمالية، على شذوذ سياساتها وعلى غرابة أطوار قادتها، أسطع مثال في هذا المجال.
على أن السبب الأهم لعدم تزايد عدد الدول النووية طيلة هذه العقود هو ما يعرف بالمظلة النووية الأمريكية، أي تعهد واشنطن بالدفاع عن حلفائها إذا تعرض أي منهم لهجوم نووي. إذ بفضل هذه الاستراتيجية امتنع الحلفاء، طيلة ثمانين سنة، عن مجرد التفكير في بناء قدرات نووية. ولكن ذلك العهد المديد قد انقضى، لسببين: الأول هو انغلاق المظلة الأمريكية منذ عودة ترامب للحكم وتنكره لكل التعهدات الأمريكية القديمة. أما السبب الآخر، وهو الأخطر، فهو رفضه تجديد معاهدة ستارت للحد من انتشار الأسلحة الاستراتيجية رغم أن بوتين عرض تمديد الالتزام بها، ما يعني أن سياسة التحكم في التسلح النووي التي توافقت عليها الولايات المتحدة وروسيا منذ عام 1972 قد انتقضت ليحل بذلك عهد جديد من سباق التسلح الذي يخشى أن يتزايد عدد المتسابقين فيه تزايدا بالغا هو بالضبط نقيض “عدم الانتشار” الذي تعهده النظام الدولي طويلا. ومن أحدث النذر أن بولندا بدأت تعلن رغبتها في امتلاك السلاح النووي. بل إن السويد (من يصدق؟!) أخذت تنادي بضرورة أن تعمل كل الدول الإسكندنافية على بناء ترسانتها النووية!
على أساس هذه التطورات الخطيرة، أنذرت “نشرة علماء الذرة” السنوية التي دأبت منذ عقود على تقدير مدى اقتراب البشرية من الهلاك أن عقارب “ساعة يوم الحساب” قد بلغت الآن منتصف الليل إلا 85 ثانية (!) علما أن منتصف الليل هو وقت الدمار، وأن التوقيت على هذه الساعة المجازية كان يشير العام الماضي إلى منتصف الليل إلا 89 ثانية. أما عام 1947 (لما كان فريق النشرة يضم أمثال أينشتاين وأوبنهايمر) فقد كان التوقيت يبعد عن منتصف الليل بسبع دقائق كاملة. وقد ظلت عقارب الساعة تزيد اقترابا من منتصف الليل كلما تزايدت توترات الحرب الباردة. ولكنها تراجعت في الستينيات لما أبدت الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي رغبة في التعاون. أما أبعد ما كان التوقيت عن ساعة الحساب (منتصف الليل إلا 17 دقيقة!) فعند توقيعهما اتفاقية كبرى للحد من التسلح قبيل تفكك الاتحاد السوفييتي عام 1991.
على أن أسباب الاقتراب من منتصف الليل لا تنحصر في السباق النووي، بل إنها تشمل تقصير الحكومات في معالجة كارثة التغير المناخي، وبروز تكنولوجيات خطِرة مثل الذكاء الاصطناعي، وانتشار وباء حكم الاستبداد شرقا وغربا.
القدس العربي
المصدر
المصدر: عربي21
كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي مقالات قضايا وآراء كاريكاتير بورتريه النووية الولايات المتحدة البشرية الولايات المتحدة روسيا النووي البشرية مقالات مقالات مقالات سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة صحافة سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة الولایات المتحدة منتصف اللیل
إقرأ أيضاً:
ما هو موقع "بيكاكس ماونتن" الإيراني المرتبط بالبرنامج النووي؟
هدد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بمهاجمة موقع مرتبط بالبرنامج النووي الإيراني، يعرف باسم "بيكاكس ماونتن"، وهو منشأة محصنة على عمق كبير تحت الأرض، بالقرب من أحد المواقع النووية الإيرانية الرئيسية.
ويعكس التهديد تصاعد التوتر في ظل تبادل طهران وواشنطن للضربات في المنطقة، ما يعرقل الجهود الرامية إلى إنهاء الصراع.
What is Pickaxe Mountain, the Iranian nuclear-linked site threatened by Trump? - https://t.co/po86dHbHa3
— Reuters Iran (@ReutersIran) July 15, 2026 أين يقع؟يقع بيكاكس ماونتن على بعد 220 كيلومتراً جنوبي طهران، وعلى بعد كيلومترين من مجمع نطنز النووي.
تعرض موقع نطنز، حيث تقع اثنتان من محطات تخصيب اليورانيوم الإيرانية، للقصف خلال الحرب التي بدأتها الولايات المتحدة وإسرائيل في 28 فبراير (شباط) الماضي، وخلال الحرب التي استمرت 12 يوماً العام الماضي.
وقال معهد العلوم والأمن الدولي، وهو مركز أبحاث مقره الولايات المتحدة يركز على حظر انتشار الأسلحة النووية، إنه لم يتم استهداف المنشأة التي لا تزال قيد الإنشاء في بيكاكس ماونتن في أي من هاتين الحربين.
وترتفع قمة الجبل إلى نحو 1600 متر فوق مستوى سطح البحر. وكانت هناك محطتان للتخصيب قيد التشغيل في نطنز، واحدة فوق الأرض والأخرى تحت الأرض.
وذكرت الوكالة الدولية للطاقة الذرية، التابعة للأمم المتحدة، أن المحطة الموجودة فوق الأرض دمرت. أما المحطة الأخرى الموجودة تحت الأرض، فمن المرجح أنها تعرضت على الأقل لأضرار بالغة.
وقال متحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية في 22 يوليو (تموز) الحالي، إنه لا يوجد أي نشاط نووي في بيكاكس ماونتن.
President Trump says the US will be hitting the Pickaxe Mountain area, a heavily fortified site linked to Iran's nuclear program, 'pretty soon and very heavily' https://t.co/A8DHUX0kqX pic.twitter.com/Y6bE56FZ4O
— Reuters (@Reuters) July 21, 2026 ما هو بيكاكس ماونتن؟يرتبط الموقع بالبرنامج النووي الإيراني الذي يتسبب منذ فترة طويلة في توتر العلاقات بين الغرب وإيران، التي تنفي سعيها لامتلاك قنبلة ذرية.
وقال معهد العلوم والأمن الدولي إن بناء المنشأة في بيكاكس ماونتن بدأ عام 2020، في أعقاب ما قالت السلطات الإيرانية في ذلك الوقت إنه انفجار ناجم عن عمل تخريبي في منشأة نطنز. وذكرت إيران حينها أن عملية التخريب في نطنز تسببت في أضرار جسيمة قد تبطئ تطوير أجهزة الطرد المركزي المتقدمة لتخصيب اليورانيوم.
وفي سبتمبر (أيلول) من ذلك العام، قال رئيس منظمة الطاقة الذرية الإيرانية آنذاك علي أكبر صالحي، إن "إيران بدأت في بناء مرفق أكثر حداثة وأكبر حجماً وأكثر شمولاً من جميع النواحي في قلب الجبل بالقرب من نطنز، لتصنيع أجهزة الطرد المركزي المتقدمة".
بدوره، أشار مدير عام الوكالة الدولية للطاقة الذرية التابعة للأمم المتحدة، رافائيل غروسي، في مقابلة مع شبكة "بي.بي.إس" التلفزيونية في مارس (آذار) الماضي، إلى أن إيران كانت قد أعلنت سابقاً نيتها القيام بأنشطة نووية في بيكاكس ماونتن. وأضاف أن "ذلك يندرج ضمن ما وصفه بأنه توجه إيراني ممنهج لنقل أكثر المنشآت أهمية إلى مواقع تحت الأرض".
ما الذي بنته إيران هناك؟يقول معهد العلوم والأمن الدولي، الذي قام بتحليل صور الأقمار الصناعية للموقع، إنه يضم 4 مداخل يفترض أنها تؤدي إلى منشأة واحدة يُقدر عمقها بما لا يقل عن 100 متر تحت الجبل.
وذكر المعهد في تقرير صدر في 14 يوليو (تموز) الحالي، أن التدابير الدفاعية تتكون أساساً من محيط أمني واسع النطاق وتحصينات شديدة للمداخل. وأشار التقرير إلى أن مدخلي النفق الشرقيين تم ردمهما جزئياً منذ حرب العام الماضي، وبعد اندلاع الحرب الحالية لعرقلة وصول المركبات البرية، لكن لم يتم إغلاقهما بالكامل.
من جهته، قال الباحث في معهد أبحاث السياسة الخارجية سام لير، الذي راجع أيضاً صوراً حديثة للموقع التقطتها الأقمار الصناعية لرويترز إن "تعزيز المداخل من شأنه أن يصعب استهدافها بذخائر خارقة مثل القنابل الخارقة للتحصينات".
ما الغرض الذي يمكن استخدام الموقع لأجله؟قال ترامب في تصريحاته يوم 13 يوليو (تموز) الحالي، إن واشنطن تراقب بيكاكس ماونتن عن كثب ولم ترصد أي نشاط فيه.
وذكر معهد العلوم والأمن الدولي في تقريره أن "تقييمه يشير إلى أن المنشأة لم تبدأ العمل بعد، لكن أعمال البناء مستمرة، وأن من غير الواضح متى يمكن أن تبدأ العمل استناداً إلى صور الأقمار الصناعية وحدها".
وأضاف أنه "إذا بدأت إيران في إعادة بناء قدرتها على تصنيع أجهزة الطرد المركزي، فقد تخطط لتشييد منشأة تجميع أصغر لأجهزة الطرد المركزي في بيكاكس ماونتن قادرة على خدمة برنامج للأسلحة النووية".
كيف يمكن استهداف الموقع؟يرجح خبراء أن المجمع الكائن على عمق كبير يقع خارج نطاق أقوى القنابل الخارقة للتحصينات في ترسانة الولايات المتحدة.
وقال المعهد إن "استهداف الموقع قد يكون ممكناً عبر هجمات أو أعمال تخريب تنفذها قوات برية". وأضاف "مع ذلك، قد توجد نقاط ضعف يمكن استغلالها بواسطة أسلحة تخترق أعماق الأرض عبر هجمات جوية".