يختلف أصحاب التفكير المفرط عن غيرهم في طريقة اتخاذ القرارات بنيوياً وعصبياً وفقاً لأبحاث علم النفس وعلم الأعصاب.
فهؤلاء الناس يستخدمون آلية تعمل وفق نموذج مختلف تماماً للوصول إلى خيار ما – والجهد الذي يبذلونه في سبيل ذلك مختلف أيضاً، حسبما جاء في تقرير نشره موقع Global English Editing.
شبكة الوضع الافتراضي
عندما يُنهي معظم الأشخاص مهمةً أو يواجهون قراراً، يقوم دماغهم لفترة وجيزة بتشغيل ما يُسميه علماء الأعصاب شبكة الوضع الافتراضي DMN، وهي مجموعة من مناطق الدماغ تشمل القشرة الجبهية الأمامية الإنسية والقشرة الحزامية الخلفية والوتد.


تتولى هذه الشبكة معالجة المعلومات الذاتية والذاكرة ومحاكاة المستقبل. إنها الجزء من الدماغ المسؤول عن أحلام اليقظة والتأمل والتخطيط.
التفكير الاجتراري
وتنشط شبكة الوضع الافتراضي عند الكثيرين لفترة وجيزة ثم تهدأ عندما يحين وقت التركيز على مهمة خارجية. لكن لدى الأشخاص الذين يُفرطون في التفكير، لا تهدأ هذه الشبكة بسهولة.
معاناة التفكير في قرار
عملياً، يعني هذا أنه عندما يواجه الشخص المُفرط في التفكير قراراً، لا يكتفي دماغه بتقييم الخيارات المتاحة أمامه، بل يستدعي في الوقت نفسه ذكرياته الشخصية ويُحاكي سيناريوهات مستقبلية ويُعالج الارتباطات العاطفية، ويُقارن كل ذلك بتصوره لذاته.
يمكن أن يقوم دماغ الشخص غير المُفرط في التفكير ببعض هذه العمليات لفترة وجيزة، بينما يقوم دماغ المُفرط في التفكير بكل ذلك باستمرار، ويُكافح للتوقف. إنهم يسعون إلى تحقيق أقصى استفادة، لا يكتفون بالحلول المُرضية.
مفارقة مؤلمة
من المفارقات المؤلمة أن أبحاث، أجرتها مؤسسة راند، توصلت إلى أن الأشخاص الذين يسعون إلى تحقيق أقصى قدر من الرضا عن الحياة، عانوا في الواقع من نتائج سلبية أكثر من الأشخاص الذين يكتفون بما هو متاح، وليس أقل.
فعلى الرغم من بذلهم جهداً معرفياً أكبر بكثير في قراراتهم، إلا أنهم أظهروا قدرة أقل على التكيف السلوكي، واعتماداً أكبر على الآخرين عند اتخاذ القرارات، وتجنباً أكبر لعملية اتخاذ القرار بشكل عام، وميلاً أكبر للشعور بالندم. لم يؤد البحث المضني عن الخيار الأمثل إلى نتائج أفضل، بل إلى نتائج أسوأ. إن قدرتهم على التوقف عن التفكير والتدبر أضعف.
تضارب الشبكات الدماغية
ومن أهم النتائج العصبية المتعلقة بالمفرطين في التفكير، العلاقة المتضاربة بين شبكتين دماغيتين. تعمل شبكة الوضع الافتراضي DMN، المسؤولة عن الاجترار الداخلي، بشكل متذبذب مع الشبكة الجبهية الجدارية FPN – وهي النظام المسؤول عن الانتباه الموجه نحو الهدف والتحكم التثبيطي والقدرة على كبح المعلومات غير ذات الصلة.
عندما تكون شبكة الوضع الافتراضي نشطة للغاية أثناء التفكير الداخلي، تُظهر الشبكة الجبهية الجدارية نشاطاً منخفضاً، مما يعني أن نظام التحكم في الانتباه في الدماغ – الآلية التي تساعد الشخص عادةً على التخلص من الأفكار المتكررة والالتزام بقرار – يتم كبحه فعلياً بينما ينغمس الشخص المُفرط في التفكير. لهذا فإن الأمر لا يتعلق بأن المُفرطين في التفكير لا يرغبون في اتخاذ قرار، بل إن البنية العصبية المسؤولة عن اتخاذ القرار تُضعف في الوقت نفسه البنية العصبية التي تسمح لهم بالتوقف عن التفكير.
“عالقون في أفكارهم”
يُفسر هذا السرد سبب وصف المُفرطين في التفكير غالباً لشعورهم بأنهم “عالقون في أفكارهم”. إنهم لا يُبالغون، بل يصفون حالة عصبية قابلة للقياس، حيث يتغلب نظام التركيز الداخلي في الدماغ مؤقتاً على نظام الاستجابة الخارجية.
الخلط بين الشمولية والأمان
من أكثر الفخاخ المعرفية شيوعاً لدى المُفرطين في التفكير هو الاعتقاد المعرفي بأن الاستمرار في التفكير في مشكلة ما سيؤدي في النهاية إلى حلها. اكتشف الباحثون، الذين يدرسون التفكير السلبي المُتكرر، أن العديد من المُفرطين في التفكير يحملون اعتقاداً ضمنياً مفاده: “إذا واصلتُ تحليل هذا الأمر، فسأجد له حلاً في النهاية”. إن هذا الاعتقاد في الواقع يزيد من الاجترار بدلاً من تقليله، لأنه يُصوّر فعل الإفراط في التفكير على أنه مُنتج، حتى عندما لا يُنتج سوى القلق.
التركيز المتكرر والسلبي
ووصفت عالمة النفس سوزان نولين-هوكسيما، التي أطلقت نظريتها حول أنماط الاستجابة الدراسة الحديثة للاجترار، هذا النمط بوضوح قائلة: يتميز الاجترار بالتركيز المُتكرر والسلبي على مشكلة ما وأسبابها وعواقبها، دون السعي نحو حلها. إن الكلمة المفتاحية هي “بشكل سلبي”. يشعر المُفرطون في التفكير وكأنهم يبذلون جهداً كبيراً لأن نشاطهم الذهني مكثف. لكن هذا النشاط دائري، وليس خطياً. فهو يُولّد المزيد من الأسئلة، لا المزيد من الإجابات. ولهذا السبب، يمكن أن يقضي المُفرطون في التفكير ساعةً كاملةً في التفكير المُضني في قرارٍ ما، وينتهي بهم الأمر أقل يقيناً مما كانوا عليه في البداية. إن العملية نفسها تُضعف الوضوح بدلاً من تعزيزه.
مستوى كورتيزول مرتفع
لا يقتصر التفكير المُفرط على كونه حدثاً معرفياً فحسب، بل هو أيضاً حدث فسيولوجي. فعندما يُدرك الدماغ حالةً من عدم اليقين أو التهديد، سواءً كان حقيقياً أم مُتخيلاً، فإنه يُنشط محور الغدة النخامية-الوطائية-الكظرية، مما يُحفّز إفراز الكورتيزول. لدى معظم الناس، يرتفع مستوى الكورتيزول استجابةً لعامل مُسبّب للتوتر، ثم يعود إلى مستواه الطبيعي بمجرد حلّ الموقف. أما بالنسبة للمُفرطين في التفكير، فلا يُحلّ الموقف تماماً أبداً، لأن الاجترار يُبقي على الشعور بالتهديد حياً. أظهرت الأبحاث في علم النفس العصبي والغدد الصماء أن الاجترار المزمن يُبقي الجهاز العصبي الودي مُنشطاً، مما يُؤدي إلى إفراز هرمونات التوتر في الجسم. ولا يقتصر تأثير ذلك على الحالة المزاجية فحسب، بل يُؤثر أيضاً على النوم ويُعيق الهضم ويرفع ضغط الدم ويُساهم مع مرور الوقت في الالتهابات الجهازية.
نظرية العملية الساخرة
أظهرت أبحاث العالم دانيال ويغنر حول نظرية العملية الساخرة أن محاولة كبت الأفكار عمداً تؤدي إلى ارتدادها بقوة أكبر. إن القول لشخص يعاني من فرط التفكير أن يتوقف عن فرط التفكير يحفز الفكرة في حد ذاتها.
إن الطريق الأفضل ليس التفكير بشكل أقل، بل فهم ما يفعله الدماغ عندما لا يتوقف عن التفكير، وتعلم إعادة توجيه هذه الآلية نحو الحل بدلاً من التكرار، فالمشكلة ليست في آلية التفكير وإنما في الاتجاه.

العربيه نت

إنضم لقناة النيلين على واتساب

Promotion Content

أعشاب ونباتات           رجيم وأنظمة غذائية            لحوم وأسماك

2026/02/14 فيسبوك ‫X لينكدإن واتساب تيلقرام مشاركة عبر البريد طباعة مقالات ذات صلة “الصحة العالمية”: اعتماد لقاح فموي جديد لشلل الأطفال2026/02/14 نصائح صحية للاستعداد المبكر لرمضان2026/02/14 الدماغ “يستيقظ” بعد الموت!.. كشف أسرار اللحظات الأخيرة2026/02/14 دراسة: القراءة والكتابة تخفِّضان خطر الزهايمر 40%2026/02/13 اكتشاف مركبات “زائفة” تشعل نوبات الربو2026/02/13 صحة الخرطوم وأطباء بلا حدود تناقشان رؤية التشغيل الكلي للقطاع الصحي بالولاية2026/02/13شاهد أيضاً إغلاق طب وصحة إطلاق أول اختبار لتجديد خلايا شبكية العين لدى البشر 2026/02/13

الحقوق محفوظة النيلين 2026بنود الاستخدامسياسة الخصوصيةروابطة مهمة فيسبوك ‫X ماسنجر ماسنجر واتساب إغلاق البحث عن: فيسبوك إغلاق بحث عن

المصدر

المصدر: موقع النيلين

كلمات دلالية: التفکیر الم الذین ی عندما ی

إقرأ أيضاً:

أميمة بنت علي الراشدية

كنت سأبدأ المقال بطرح الأسئلة، ولكن تراجعت في اللحظة الأخيرة، وآثرت أن أدخل مباشرة نحو الحديث عن قيمة الصحة التي لا يدرك قيمتها إلا المرضى، وتذكرت حديثًا طويلًا قيل لي عن الثمن الباهظ الذي ندفعه عندما نهمل صحتنا، ونعتقد بأننا بخير في كل الأحوال.

ثم سمعت من أقرب الناس عن قصص الحياة والموت والأنين والوجع الذي لا يحتمل بحكم عمله بين أقسام المستشفى، قال لي: إذا أردتِ أن تعرفي قيمة الصحة، فعليكِ بزيارة أقسام التنويم، ستعلمين كيف يعيش المرضى ساعات يومهم في انتظار الفرج والخروج من الغرف الباردة!

قال بأن الحياة حجمها يصغر كثيرًا عند نوبات الألم القصوى، فلا الترياق، في بعض الحالات، يكتم الألم، ولا الأنين يسمعه من بالخارج، قصص ومشاهد لا يعرفها الكثير من الناس؛ لأنهم لم يدخلوا في هذه الدوامة من الصبر وتحمل أقسى الظروف.

لم أُصب بالصدمة، لكن زادت مخاوفي من المرض وفقدان الصحة، منذ فترة لم أكن منتظمة على أخذ أدوية السكر في الوقت المحدد، أحيانًا أنسى وسط زحمة العمل اليومي، ومسؤوليات الأسرة، ومتطلبات العمل الإداري.

لكن ما إن اتضحت أمامي الصورة، عاهدت نفسي على الانتظام والانضباط على أخذ العلاج بكل ترحاب، بيني وبين نفسي صراع نفسي وخوف من المجهول، قد يكون طبيعيًا، فما نراه من فقد يجعلنا نطرق أبواب النقاش لنؤكد بأن الصحة، كما قيل منذ زمن: "تاج على رؤوس الأصحاء"، لا يشعر بقيمتها الحقيقية إلا من ابتلي بالمرض.

في الإذاعة المدرسية قدمت حكمة الصباح، لم أكن أعرف مغزاها الحقيقي إلا عندما كبرت وتعلمت، فالحكمة تقول: "إذا فقدت المال لم تفقد شيئًا، وإذا فقدت الصحة فقدت بعض الشيء، وإذا فقدت الأخلاق فقدت كل شيء".

غياب الصحة ليس من السهولة استرجاعها، وإن رجعت فأحيانًا لا تعود إلى أصلها الماضي، ضياع الصحة ثمنه باهظ، فكم من مريض أعياه المرض، فعندما تحيط بك العاهات لن تلتفت إلى ما جمعته من مال بقدر ما تتمنى أن يخلصك الله من شكواك.

المرض هو الزائر الذي لا يطرق أبواب الجسد، لكنه يتغلغل بين ثناياه، فيحول الوقت إلى عالم لا محدود من الدقائق والثواني والأيام، المرض مخيف بدرجة لا يمكن الوثوق في موعد خروجه، بعض الأمراض تعيش في أجساد الناس منذ الإصابة وحتى الموت، يُدفن الإنسان في قبره والمرض هو الرفيق الذي لازمه، رحلة طويلة وصراع من أجل البقاء بخير.

لماذا يخاف الإنسان من الإصابة بالمرض؟ من الواقع نستشف كيف يصنع رهاب المرض بالإنسان، خاصة عندما تكون الإصابة قاتلة، ففي أيام "كوفيد-19"، وفي ذروة نشاط الفيروس وسرعة انتشاره، وسقوط المصابين بالداء في الشوارع والممرات وفي كل مكان، كان الخوف يتوحش أكثر، ليس لأنه مجرد حالة عارضة سرعان ما تنتهي، لكنه الفناء الذي من أجله تُحبس الأنفاس، لهذا كان الخوف ليس مجرد فطرة غرائزية عند البشر، ولكن حالة طبيعية من أجل البقاء، فالإصابة قد تكون عنوانًا لبداية الموت!

كل الذين خرجوا من أزمتهم الصحية في زمن كورونا يدركون معنى الصحة، يعرفون معنى أنك معافى من المرض، سبروا خفايا الإحساس بالخوف عن قرب، لذا عليك أن تصغي لما سيقولونه عن المرض، وكيف وجدوا الحياة أثناء الإصابة، والخروج من عنق الزجاجة.

لذا نقول: "اهتموا بصحتكم، وحافظوا على قواكم، ولا تحملوا أنفسكم طاقة لا تحتمل، فالحياة قبل المرض شيء، وأثناء المرض شيء آخر، والمرض يعد أكبر الأزمات التي يمر بها الإنسان في حياته، لذا ضعوا: "الوقاية خير من العلاج" نصب أعينكم.

مقالات مشابهة

  • مجلس الدولة: ندعو الليبيين إلى ترشيد استهلاك الكهرباء
  • مؤمن العقيلي : الذكاء الاصطناعي أداة مفيدة .. لكنه لا يغني عن التفكير والتحقق
  • الخرف الرقمي.. هل تضعف الهواتف الذكية ذاكرتنا؟
  • 58% من السيدات بالعالم تعرضن للإيذاء الإلكتروني .. استشاري نفسي يوضح
  • مصطفى بكري : مبادرة «طابع الوفاء» خطوة لدعم أصحاب المعاشات
  • فقدان الصحة..نهاية كل شيء!
  • صاحب مبادرة «طابع الوفاء»: نستهدف توفير دعم أكبر لأصحاب المعاشات لمواجهة الظروف المعيشية
  • أميمة بنت علي الراشدية
  • ترمب: أدرس شن هجوم أكبر ضد إيران وأنا على وشك اتخاذ القرار
  • دراسة: الجلوس السلبي بمنتصف العمر يقلص حجم الدماغ