كتاب المتفرّج والوسيط.. كيف تحولّ العرب إلى متفرجين؟
تاريخ النشر: 14th, February 2026 GMT
ما يفعله الكاتب الأردني سامح المحاريق في كتابه "المتفرج والوسيط: قراءات في جينالوجيا السلطة والناس"، هو أنه يختار موقعا ثالثا، حادّا وهادئا في آن معا، إنه موقع من يرى المشهد كاملا، السلطة والناس والمسافة بينهما، تلك المسافة التي لا يُعترَف بها غالبا، لكنها هي التي تصنع كل هذا العطب.
في هذا الكتاب -الصادر مؤخرا عن دار جدل في عمّان- لا يكتفي المحاريق بوصف أزمة السلطة العربية؛ وإنما يحاول إعادة رسم خريطتها الأخلاقية والسياسية من نقطة التماس بين الدولة والناس، وبين من يملكون قرار توزيع الخبز والدم والرموز، وكذلك بين جمهور أُسكن طويلاً في مقعد المتفرّج بينما تمضي الصفقات فوق رؤوسه.
كما يرصد المحاريق واقعنا العربي، ويغوص في "جينالوجيا" هذا الواقع؛ أي يتتبع الجذور التاريخية والنفسية التي أدت إلى تحولنا من فاعلين في التاريخ إلى مجرد متفرجين على رصيفه.
الخراب والمهانة الممتدةمنذ الصفحات الأولى يعلن المحاريق فشل "المشروع الفكري المتكامل" في العالم العربي، ليس بوصفه عجزاً فردياً وإنما كمشروع ثقافي عام، حيث ثمة فائض في التشخيص مقابل ضمور في الفعل، وثمة عجلات فكرية كثيرة لكن العربة التي ستمشي عليها غير موجودة أصلاً.
هذا الاعتراف يحرّر الكتاب من وهم "المانيفستو" ويضعه في خانة أخرى، إنها مقالات طويلة متجاورة تُبنى على بعضِها كجينالوجيا للخراب، وليس خطة للإنقاذ. المحاريق لا يعد بشيء، وإنما يصرّ على أن مجرّد تسمية ما يحدث ـ بوصفه مهانة مركّبة أكثر منه هزيمة سياسية فقط ـ هو عمل لا يزال ضرورياً.
هذا الوعي يحكم بنية الكتاب، حيث الفصول عن لبنان وسوريا وفلسطين ومصر وليبيا والسودان تخرج من إطار "التحليل القُطْرِي" إلى تصورٍ ضمني لفضاء عربي واحد، ويتكرر فيه النمط ذاته بأقنعة مختلفة، فنجد دولة تدار عبر وسطاء، وثمة طبقات وسطى خائفة ومشلولة، وهناك نخب ثقافية تستهلك خطاب المقاومة أكثر مما تدفع تكلفته، ولدينا أيضا ناس يُطلب منهم أن يدفعوا ثمن كل شيء، بما في ذلك فشل الآخرين في التفكير والتنظيم.
الوسيط ليس مجرد شخص، بل هو بنية اجتماعية تتغذى على الفصل بين الناس والفعل، ويُقنع الجميع بأنه ضرورة لا بديل عنها
هندسة العزلةيبدأ المحاريق أطروحته من فرضية جريئة مفادها أن الإنسان العربي المعاصر ليس فاعلاً تاريخياً، بل هو "متفرج" محترف. فقد تم تصميم الفضاء العام في المنطقة العربية ليكون "شاشة" كبيرة، حيث يُدعى الناس للمشاهدة والتصفيق أو النحيب، لكنهم يمنعون تماماً من لمس خشبة المسرح.
إعلانهذه "الفرجة" ليست قدراً بيولوجياً، بل هي نتاج "جينالوجيا" طويلة من القمع الممنهج الذي حول المواطنة إلى حالة من الانتظار السلبي.
هنا يبرز البطل الحقيقي (والشرير) في دراما المحاريق، وهو "الوسيط". وفي مراجعة كلاسيكية لمفهوم السلطة، يرى الكاتب أن الأنظمة لم تعد تواجه شعوبها وجهاً لوجه، بل استحدثت طبقة من الوسطاء مثل رجال الدين، والنخب المثقفة، وزعماء الطوائف، وحتى "المؤثرين" الرقميين.
وهؤلاء الوسطاء هم "صمامات الأمان" التي تمنع الاحتكاك المباشر بين السلطة والناس، وهم الذين يصيغون الحقيقة ويغلفونها قبل وصولها إلى "المتفرج" القابع على كنبة اليأس.
الكنبة هي الرمز المادي لانتهاء السياسة وتحولها إلى دراما تلفزيونية، حيث يُقنع المواطن بأن الاستقرار في القعود أفضل من مخاطرة الوقوف
حزب الكنبة وسوسيولوجيا الصمتا يكتفي الكتاب بنقد النخبة، بل يوجه سهامه نحو "الجماهير" أيضاً. فيحلل المحاريق "حزب الكنبة" بوصفه ظاهرة سيكولوجية تعبر عن الانسداد التاريخي. الكنبة في هذا العمل هي الرمز المادي لانتهاء السياسة وتحولها إلى دراما تلفزيونية.
فالجالسون على الكنبة ليسوا محايدين؛ إنهم "شهود زور" أنتجتهم آلة السلطة التي أقنعتهم بأن التغيير مجرد "فوضى"، وأن الاستقرار في القعود أفضل من مخاطرة الوقوف.
الثيمة المركزية التي يدور حولها الكتاب -ثنائية المتفرّج/الوسيط – ليست مجرّد استعارة ذكية، بل عدسة تفسيرية حادّة. المتفرّج هنا ليس كسولا ولا جاهلًا أو بلا وعي.
على العكس، هو واعٍ حدّ الألم، وهو غاضب وساخر ومحتجّ، لكنه محكوم بأن يبقى خارج القرار. يرى كل شيء، ويُسمح له أن يقول كل شيء، إلا الشيء الوحيد الذي يغيّر المسار.
في المقابل، الوسيط ليس فقط زعيما أو شيخ طائفة أو قائد حزب، بل هو بنية. إنه وظيفة اجتماعية-سياسية تتغذّى على هذا الفصل بين الناس والفعل. وعليه فإن الوسيط يتكلّم باسم الجماعة ويفاوض نيابة عنها، ويوزّع المكاسب والخسائر، كما أنه يُقنع الجميع – السلطة والمجتمع معا – أنه ضرورة لا بدّ منها، ومن دونه ينهار التوازن ويعمّ الفراغ، وتشتعل الفوضى. هكذا يُعاد إنتاجه مرّة بعد مرّة، حتى يصبح غيابه هو الخطر الأكبر.
ما يلفت في الكتاب أن المحاريق لا يحمّل المسؤولية كاملة للسلطة، ولا يبرّئ المجتمع بدعوى القمع. ولكنه يشتغل في المنطقة الرمادية، حيث تتقاطع الطائفية، والأبوية السياسية، والاقتصاد الريعي، والرمز الثقافي، لتنتج إنسانا عربيا معاصرا يعرف أكثر مما يستطيع، ويرى أكثر مما يملك، لكنه في كل الأحوال متجمد ومتفرج.
الإنسان العربي المعاصر يعرف أكثر مما يستطيع، ويرى أكثر مما يملك، لكنه في كل الأحوال متجمد ومتفرج
جغرافيا التيهينتقل المحاريق بين النماذج الإقليمية. ففي لبنان، يفكك "سيرة أخرى للوسطاء"، حيث الطائفية ليست ديناً بل هي "شركة وساطة" كبرى تبيع الهوية مقابل الولاء، وتجعل من الدولة مجرد "شبح" لا يمكن الوصول إليه إلا عبر "الزعيم".
وهنا يقترب المحاريق من نقد نادر في الكتابة العربية عن لبنان، إنه نقد للطائفية ليس فقط كهوية أو كخطاب، بل كآلية توزيع سلطوية تجعل من "الوسيط" ـ الزعيم الطائفي، النائب، رجل الدين، أو رجل الأعمال ـ مركز السياسة، فيما يُترك المواطن بين هامشين، هامش في طائفته وهامش في الدولة في آن واحد.
إعلانوفي مصر، يغوص في تحولات الطبقة الوسطى وتآكل قيمها، محللاً كيف تحولت "الأبوية السياسية" إلى قيد يمنع النضج. والمحاريق في هذا الفصل لا يعيد إنتاج الخطاب المعادي للناصرية ولا خطاب تمجيدها؛ بل يقدّم قراءة مزدوجة، ناصر الذي أطلق توسعاً تعليمياً وصناعياً حقيقياً، لكنه في الوقت نفسه كرّس نموذج "الأب الذي يعرف كل شيء" وفتح الباب لعلاقة مرضية بين الدولة والمجتمع، ظلّت تُستثمر بعده في كل مرة يُطلب فيها من الناس التضحية بلا مشاركة حقيقية في القرار.
بهذا المعنى، الاقتصاد هنا ليس جداول نمو وتضخم، بل مسرحا للكرامة والإذلال؛ المال الذي يتآكل في حسابات الناس يتحول إلى شعورٍ بالغباء الذاتي، وإلى "جلطات" مادية ومعنوية لطبقة كاملة تشاهد ثمرة تعبها تذوب لأنها صدّقت أن هناك من يدير السفينة بعقلٍ أبوي حصيف.
من "الحب القاسي" إلى الزومبي العربيفي الفصل الطويل عن "النسخة الفلسطينية لقصة الحب القاسي" يذهب الكتاب إلى منطقة محرمة نسبياً في الخطاب العربي وهي نقد الذات الفلسطينية من موقع التعاطف لا الشماتة، ومن موقع الحساسية الطبقية لا من منصة الدولة.
ويتوقف المحاريق عند محمود درويش وتركيبته المعقدة، الشاعر الذي لعب دور المتحدث باسم "الحب القاسي" الذي مارسته الثورة والفصائل على الفلسطينيين، ثم خرج من هذه العلاقة إلى عالم نرجسي خاص، دون أن يتنازل عن مزايا تلك الشراكة القديمة مع السلطة.
في المقابل يستدعي المؤلف كتابات تركي فواز وشادي لويس وغيرهم، ليكشف كيف عاش الفلسطينيون، في المخيمات وفي المنافي العربية، مهانة مزدوجة، فهم ضحايا استعمار استيطاني، وضحايا نظرة عربية ترى فيهم حائطاً مائلاً جاهزاً لحمل أوزار الجميع.
يكتب المحاريق عن القذافي وليبيا وعن حميدتي والسودان، يتحرّك الكتاب من نقد البنى الرمزية إلى تحليلٍ لطرق تصنيع الوحوش في المنطقة
ولعل أكثر فصول الكتاب إثارة للشجن هو الذي يتحدث فيه عن الكاتب الفلسطيني فواز تركي مقابل الشاعر درويش، حيث يضعنا المحاريق أمام مفارقة المثقف، هل تختار أن تكون أيقونة (وسيطاً) تحتفي بك المؤسسة، أم تختار أن تكون "منبوذاً" مثل فواز تركي، يكتب بلغة الآخر ويصرخ في برية النفي، ليبقى طاهراً من دنس "الوساطة"؟
وهذا المسار يُستكمل في فصول سوريا، حيث بلدٌ صمم على خرائط الآخرين، وتعيش عاصمته في جيب جنوبي صغير داخل الجمهورية، وتحكمه نخبة عسكرية علويّة تحوّلت، مع الزمن ومع خوفها الوجودي، إلى جهاز أمني لا يستطيع أن يعيش بلا حالة طوارئ دائمة.
ويرى الكتاب أن بشار الأسد في النص ليس فقط ديكتاتوراً، بل "طبيب عيون" يقود شعباً في غيبوبة طويلة، بينما تتضخم خرافة الدولة العميقة التي يراها المحاريق -بدقة لافتة- وهماً تعويضياً يغطي على هشاشة دولة بلا عمق مؤسسي حقيقي.
من هنا تأتي فكرة "الزومبي العربي"، حيث نرى ملايين يعيشون حياة معلّقة بين صدمات الحرب واللجوء والهزيمة السياسية وسقوط الأيديولوجيات، من دون أن تتاح لهم حتى رفاهية تفسير ما جرى بلغة أقلّ من أن تكون طبية نفسية وأكثر من أن تكون شعاراتية.
أجرأ مناطق الكتاب هي تلك التي يتناول فيها المحاريق موقع المثقف العربي نفسه
وحوش فرانكشتاين في المختبر العربيحين يكتب المحاريق عن القذافي وليبيا، وعن حميدتي والسودان، يتحرّك الكتاب من نقد البنى الرمزية إلى تحليلٍ شبه أنثروبولوجي لطرق تصنيع الوحوش في المنطقة، فالقذافي- في قراءة المحاريق- مجنون غريب الأطوار وتجسيد لنرجسية رسالية مستفيدة من فراغ المؤسسات في دولة لم تنجز دولتها الملكية الأولى، ولم تحوّل الثروة النفطية إلى عقد اجتماعي بقدر ما حولتها إلى منصة لسيرك سياسي يدور حول خيمة القائد وكتابه الأخضر.
وفي السودان، فإن حميدتي ليس استثناء بل نتيجة منطقية لتفويض ميلشيات "الجنجويد" لحسم صراع دارفور، ثم ترقية قائد ميليشيا إلى لاعب وطني، من دون أن يكون قد مرّ بأي مدرسة سياسية أو أخلاقية سوى مدرسة الغنيمة والانتقام.
والسودان، "الأكبر مما يلزم ومما يحتمل"، يظهر كحالة قصوى لدولة فشلت في تحويل اتساعها الجغرافي إلى ثراء سياسي واقتصادي؛ فصار الانفصال (جنوباً) والاحتراب (غرباً وشرقاً) النتيجة الطبيعية لتهميش الأقاليم ومنح المركز النيلي حق الوصاية عليها دون مساءلة.
"المتفرج والوسيط" ليس كتاباً مريحاً، إنه نصّ يهدف إلى إزعاج القارئ ونزع السكينة عن "كنبته" الوثيرة
ثورة الصفوة واللاهوت السياسيلعل واحدة من أجرأ مناطق الكتاب هي تلك التي يتناول فيها المحاريق موقع المثقف العربي نفسه، ولا يظهر هنا بوصفه ضمير الأمة وإنما جزءا من البنية التي ينتقدها.
إعلانففي نقده لفكرة "ثورة الصفوة" المنسوبة للكاتب المصري يوسف زيدان، يرى المؤلف أن استدعاء "الصفوة" بدلاً من "النخبة" يعيد إنتاج لاهوت سياسي جديد، يبرّر سلطة من فوق على "العوام"، وذلك في استمرار لنفس المنطق الذي جعل الدستور منحة من الملك أو من الرئيس لا نتيجة لحراك اجتماعي.
والمحاريق لا يوفّر في نقده أحداً، لا اليسار الذي ظل عالقاً في ثنائية لينين/تروتسكي حتى حين تغيّرت خريطة العالم، ولا الليبراليين الجدد الذي يريدون إدخال الديمقراطية والعلمانية كـ"محركات في عربة قديمة" من دون تفكير في بنية المجتمع والاقتصاد.
وفي جملة خاطفة يقول: "يا عزيزي، كلنا سلفيون"، لا بمعنى سلفية فقهية بل بمعنى أننا نعيش على وصفات جاهزة فكرية أو أيديولوجية، ونخاف مواجهة السؤال الحقيقي: ما الشرعية اليوم؟ ما العدالة اليوم؟ وكيف تبنى دولة لا تختزل في زعيم ولا في قبيلة ولا في صفوة متعالية؟
صرخة في واد صامتإن "المتفرج والوسيط" ليس كتاباً مريحاً، إنه نصّ يهدف إلى إزعاج القارئ ونزع السكينة عن "كنبته" الوثيرة. سامح المحاريق يسعى لتشخيص المرض العربي، لكنه يتركنا في نهاية الرحلة بلا دواء، تماماً كما فعل فواز تركي الذي رحل وهو يسأل: "لماذا لا أستطيع العودة إلى البيت؟".
قد لا يغير هذا الكتاب الواقع، لكنه بالتأكيد يغير الطريقة التي ننظر بها إلى "الوسيط" الذي يقف بيننا وبين مرآتنا. إنه عمل ضروري لكل من يريد أن يفهم لماذا نراقب تاريخنا وهو يُكتب بأيدي غيرنا، بينما نحن نكتفي بدور "المتفرج" الذي يخشى حتى أن يطلب إضاءة الأنوار.
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: وسم حريات دراسات فكر ج والوسیط أکثر مما المتفر ج أن تکون کل شیء من دون
إقرأ أيضاً:
هاجم العرب وطلاب الشريعة وصادق إسرائيل.. الرحلة المثيرة لجنرال بوركينا فاسو
لا يخرج الحاكم العسكري لبوركينا فاسو الجنرال إبراهيم تراوري من جدل إلا عاد إليه، فمنذ أن قاد هذا الشاب ذو الندبة الغائرة في الخد الأيسر انقلابا عسكريا أطاح بالرئيس الانتقالي الكولونيل بول هنري سانداوغوداميبا -الذي كان هو الآخر قد وصل إلى السلطة عبر انقلاب على سلفهما- ظل هذا الجنرال شخصية مثيرة للانقسام ومحط أنظار الداخل والخارج.
ينحدر إبراهيم تراوري من عائلة مسلمة تنتمي إلى قبائل ديولا العريقة في غرب أفريقيا. التحق بالسلك العسكري عام 2010، وحقق صعودا سريعا داخل المؤسسة العسكرية، قبل أن يقود في 30 سبتمبر/أيلول 2022 انقلابا أطاح بشركيه في الحكم، ليتولى قيادة بوركينا فاسو بعد 12 عاما فقط من دخوله الجيش، في واحدة من أسرع الرحلات صعودا من صفوف المؤسسة العسكرية إلى قمة الحكم في القارة.
بيد أن تراوري لم يدخل القصر الرئاسي في واغادوغو حاملا مفاتيح سلطة مستقرة، بل ورث بلدا حبيسا غارقا في أزمات متشابكة. ومنذ ذلك الحين، انخرط الجنرال الشاب في حروب ومواجهات متشابكة، لم تتوقف عند جبهة واحدة، بل ظلت تتسع بإضافة ملفات جديدة إلى قائمة الصراعات المفتوحة، بعضها مرتبط بالهوية والتاريخ والأعراق، قبل أن تفرض القضايا الأخيرة نفسها كأكثر محطاته إثارة للجدل.
الحرب الرابعة.. العرب وطلاب الشريعةوفيما تتعدد الأزمات وتنقطع الطرق أمام الضابط الشاب، يبدو أن العرب ودارسي الشريعة الإسلامية هما هدف الحرب المقبلة للرجل الذي يخوض معارك على أكثر من جبهة دون أن يحرز حتى الآن الاختراق والنصر اللذين بشر بهما في ملفات بلاده الأكثر إلحاحا.
ففي أحدث تصريحاته التي أثارت موجة واسعة من الجدل، فتح تراوري ملفات بالغة الحساسية والتعقيد، تصدرها تاريخ العبودية في الذاكرة الأفريقية، إلى جانب واقع التعليم الديني في بوركينا فاسو، ما أعاد طرح تساؤلات حول توجهاته وأولويات المرحلة المقبلة.
إعلانوفيما وصفه كثيرون بمغالطة تاريخية كبرى، قال تراوري في 19 يوليو/تموز الجاري، إن الأفارقة تعرضوا لأكثر من ألف عام من الاستعباد على يد العرب، مؤكدا أن "آخر سوق للعبيد لم يُغلق إلا عام 1962″، في تصريحات أعادت إلى الواجهة نقاشا تاريخيا وسياسيا محتدما بشأن تاريخ القارة مع العسف الأوربي.
ولم تقتصر تصريحات تراوري على إعادة قراءة الماضي، بل امتدت إلى إعادة رسم سياسة بلاده تجاه التعليم الديني؛ إذ أعلن عزمه وقف ابتعاث الطلبة البوركينابيين لدراسة العلوم الشرعية في الخارج، والشروع في إعادة نحو 800 طالب يواصلون حاليا دراساتهم الإسلامية في عدد من الدول العربية.
ولوّح بإجراءات غير مسبوقة بحق من يرفضون العودة، محذرا من أن الإصرار على استكمال الدراسة في الخارج قد يعرّضهم لفقدان الجنسية البوركينابية.
وبرر هذه الخطوة -غير المألوفة في البلاد- بقوله إن دارسي الشريعة العائدين من الخارج يحملون معهم، بحسب وصفه، رؤى متشددة وأفكارا مؤدلجة تسعى إلى فرض أجنداتها داخل المجتمع، في حين يفتقرون إلى المهارات المهنية التي يحتاجها سوق العمل، في بلد يرزح تحت وطأة أزمات اقتصادية وأمنية متفاقمة.
لم تمر تصريحات الجنرال تراوري مرور الكرام على مسامع المستعربين الأفارقة، خصوصا ما يتعلق منها باعتبارهم -ضمنا- مشاريع إرهاب، وأن دراستهم في الجامعات العربية لا تفيد بوركينا فاسو.
وقد مثّلت تصريحات تراوري الأخيرة افتتاحا لجبهة رابعة في سلسلة المعارك التي يخوضها منذ وصوله إلى السلطة. وبينما التزمت العواصم العربية الصمت إزاء مزاعمه بشأن تاريخ العرب في أفريقيا، اشتعلت منصات التواصل الاجتماعي بموجة واسعة من الانتقادات، إذ عدّها كثيرون مغالطةً تاريخية، تُحمّل العرب وزر حقبة العبودية، فيما تُغفل مسؤولية القوى الغربية عن قرون من تجارة الرقيق والاستعمار في أفريقيا.
ولم يكن الجدل أقل حدة في الأوساط الأكاديمية والفكرية الأفريقية، ولا سيما بين المستعربين وخريجي الجامعات العربية، الذين رأوا في حديثه عن دارسي العلوم الشرعية والثقافة العربية والإسلامية تشكيكا ضمنيا في مساراتهم العلمية، وتصويرا لهم بوصفهم حواضن محتملة للتطرف، واختزالا لسنوات تحصيلهم في الخارج في أفكار متشددة، مع إنكار ما يمكن أن تقدمه من إسهامات علمية ومعرفية لبلادهم.
وكانت المفارقة أن "الثائر البوركينابي" اختار لغة مستعمره السابق وعدوه الحالي ليتحدث بها عن تاريخ استعباد وهمي، متناسيا تاريخا قريبا من تجارة الرقيق الأفريقي وشحنه عبر السفن الأوروبية إلى منافي الجريمة والألم.
وفيما تتفاقم آثار تصريحات تراوري، سواء فيما يتعلق بضعف مصداقيتها التاريخية، فإنها أيضا متفاقمة في اتجاه الإجراءات التصعيدية التي اتخذها ضد المؤسسات والرموز الإسلامية في بلاده، وشملت حتى الآن:
سن قانون الحريات الدينية، الذي يحد من النشاط الدعوي والتعليمي ويمنع بناء المساجد في المؤسسات العمومية، كما يحظر التعليم الديني في المؤسسات التعليمية العمومية، ويعمل بمختلف مواده على تقوية وتعزيز الطابع العلماني للدولة والنظام. إغلاق أكبر مساجد العاصمة، وسط حالة من القلق والتوجس بشأن مستوى التقييد الأمني والقانوني التي تواجهها المساجد في عموم البلاد في ظل الأوضاع الجديدة. اعتقال كبار علماء البلد وعدد من الشخصيات والشباب الإسلامي وإرسالهم -وفق ما تردد في مواقع التواصل الاجتماعي- إلى معسكرات الجيش حيث لاقوا هنالك كثيرا من الجلد والإهانة والضرب. تهديد الطلاب المستعربين المغتربين في الدول العربية بسحب الجنسية إذا ما عادوا إلى البلاد لأنهم يمثلون خطرا عليها ولا يحملون معارف نافعة للبلاد. وبينما كان تراوري يشدد قبضته في الداخل، كانت رسائل مختلفة تُبعث إلى إسرائيل؛ فقد استقبل رسميا في واغادوغو السفير الإسرائيلي الجديد، سيمون سروسي، لتسلّم أوراق اعتماده، بعد أشهر من الغموض أحاطت بطلب اعتماده. إعلانفقد كشفت مجلة "أفريكا إنتلجنس" (Africa Intelligence) أن طلب الاعتماد ظل معلقا منذ صيف 2025 قبل أن يحظى بالموافقة بعيدا عن الأضواء.
ويبدو أن هذا الاستقبال العلني وضع حدا لمرحلة الحذر التي أحاط بها تراوري أي تقارب مع إسرائيل، حرصا على عدم المساس بصورته بوصفه قائدا مناهضا للغرب.
غير أن المشهد الجديد يعكس براغماتية متزايدة في إدارة العلاقات الخارجية، في وقت تسعى فيه إسرائيل لتكثيف حضورها الاستخباراتي والأمني في منطقة الساحل، مستفيدة من اهتمام دول التحالف بتقنياتها وخبراتها في مجالات الأمن ومكافحة التمرد.
وفيما يتوقع أغلب المراقبين أن تضيق هذه الحرب الخناق على نظام تراوري فمن المتوقع أيضا ألا تكون حربه الأخيرة كما لم تكن الأولى.
الحرب الثالثة.. ثورة على أنقاض الديمقراطيةليس العرب وتاريخهم في القارة، والرموز الإسلامية وما ارتبط بها من هيبة ومكانة في نفوس مسلمي بوركينا فاسو الجبهة الوحيدة التي يقاتل عليها تراوري، فللديمقراطية أيضا نصيبها من نيران الحرب التي تنطلق باتجاهات متعددة في ذلك البلد الأفريقي الحبيس.
وقد أعلن تراوري بشكل صريح رفضه التام للديمقراطية، حينما خاطب شعبه في فاتح أبريل/نيسان 2025 "لسنا في ديمقراطية، بل في ثورة تقدمية شعبية وعلى الجميع فهم ذلك".
ولكي يفهم الجميع ذلك بدأت مسارات التنفيذ الفعلي لتضييق متواصل على الحريات العامة في البلاد، فبعد وصوله إلى السلطة في سبتمبر/أيلول 2022، أطلق مرحلة انتقالية ممتدة لـ5 سنوات، قبل أن يصدر في يناير/كانون الثاني 2026 مرسوما بحل الأحزاب السياسية، بدعوى أن تكاثر الأحزاب أفضى إلى انحرافات، عززت الانقسام بين المواطنين وهشّشت النسيج الاجتماعي.
وفي الشهور اللاحقة شنت الحكومة حملة شعواء على الجمعيات والمنظمات الأهلية، أسفرت عن حل وتعليق 929 منها، بشبه وتهم منها عدم تجديد الهيئات أو التجسس أو شبهات تمويل الإرهاب وفقا للمبررات الحكومية.
ولم تكن المنظمات الطلابية بمنأى عن هذه الحرب العوان، حيث تم حل الاتحاد العام لطلاب بوركينا فاسو بعد انتقاده للتضييق على الحريات في البلاد.
الحرب الثانية.. إبراهيم تراوري في مواجهة فرنسا
تمثل فرنسا إحدى الكلمات المفتاحية في خطابات "ثوار" منطقة الساحل، حيث تتوجه إليها سهام النقد والتهديد، خصوصا أن تاريخها الأفريقي كان استعماريا، نهب الثروات وأهان الشعوب.
ولم يخف تراوري منذ أيامه الأولى عداوته لباريس، غير أن مسار التوتر وصل نهايته في يونيو/حزيران 2026 حين أعلن قطع علاقات بلاده بفرنسا متهما باريس بأنها تضمر طموحات استعمارية جديدة تتجلى بوضوح في دعمها النشط للشبكات التخريبية والإرهابيين "الذين يغرقون بلادنا ومنطقة الساحل في الحداد".
ولأن فرنسا بثقافتها وتاريخها أصبحت جزءا أساسيا من الهوية الأفريقية، فقد كان المجلس العسكري في بوركينا فاسو حريصا على تحقيق مناط العلاقة المقطوعة، معتبرا في بيانه أن قرار القطع "يتعلق حصرا بالإطار المؤسسي للعلاقات بين الدولتين على المستوى الدبلوماسي، ولا يشكك بأي حال من الأحوال في الروابط التاريخية والإنسانية والثقافية والاجتماعية التي تجمع بين الشعبين".
وفيما تزداد مشاعر الكراهية لفرنسا في غرب أفريقيا ومنطقة الساحل خصوصا، وتتحول إلى ورقة يانصيب في أيدي الحكام الشباب في المنطقة، فإن ذلك العداء لم يجلب بعد للساحل الاستقرار، ولم يستطع الحليف الروسي ملء فراغ فرنسا في عالمها الأفريقي الذي صنعت أزماته، وصنعت كثيرا من قادته على أعينها.
الإرهاب الحرب الأولى.. خسائر متصاعدة وتصفيات عرقيةنالت بوركينا فاسو ربع الوفيات الناتجة عن الهجمات التي شنتها الجماعات الإسلامية المسلحة على مستوى العالم في العام الماضي، كما نالت أيضا 9 من 20 من الهجمات الأكثر دموية في العالم خلال عام 2024، وما زال كثير من سكان البلاد يعيشون بين نيران الجماعات المسلحة، ونيران المجلس العسكري.
إعلانوتذهب هيومن رايتس ووتش إلى أن الضحايا بنيران المجلس العسكري يفوقون ضحايا الإرهاب بأكثر من الضعف، أما المهجرون والنازحون داخل البلاد وخارجها فقد أنافوا على المليوني شخص.
وفيما تعلن الحكومة الثورية في واغادوغو من حين لآخر تمكّنها من القضاء على مئات من المسلحين، فإن اللهب ما زال يقتات بقوة من الأرض والناس في بوركينا فاسو (أرض الرجال الصادقين).
ويتداخل في "ملف الإرهاب" في منطقة الساحل العرق بالسياسة، حيث يتهم كثير من خصوم المجلس العسكري قيادته بممارسة التصفية العرقية ضد قومية الفولان، التي ينتمي إليها عدد كبير من مقاتلي جماعة نصرة الإسلام والمسلمين الذراع الأكثر عنفا ودموية تجاه الجيوش والحكومات في منطقة الساحل.
وحتى الآن لا يدعي الرئيس البوركينابي تحقيق انتصار على الإرهاب في بلاده، ورغم افتخاره أكثر من مرة بأنه استطاع تحرير محاور طرقية كانت بيد الجماعات المسلحة، فإن الهجمات ما زالت متواصلة، وما زال الجيش يفقد كل أسبوع تقريبا عددا من جنوده وهيبته، ولا تزال الحرب عوانا بين أطرافها في بوركينا فاسو.
وبين تلك الحروب الأربع يسير الثائر البوركينابي بسرعة خطابية فائقة، وبكثير من التضييق على الحريات وقليل من الانتصار في معارك متعددة الأوجه كثيرة الضحايا واللهب.
إرث سانكارا.. الحرب الأخيرة على صورة الثائر
في فترته الأولى، قدّم تراوري نفسه وقدمه أنصاره باعتباره امتدادا لإرث توماس سانكارا، الزعيم البوركينابي الذي لُقّب بـ"تشي غيفارا أفريقيا" بسبب خطابه المناهض للاستعمار ودعوته إلى الاستقلال الاقتصادي والعدالة الاجتماعية، ومواقفه الرافضة للهيمنة الفرنسية والداعمة لحركات التحرر، بما فيها القضية الفلسطينية.
غير أن إرث سانكارا بدأ يتآكل بين يدي تراوري الذي أدار الظهر للقضية الفلسطينية، وتوجه إلى الحضن الإسرائيلي، كما أنه انغمس في راديكالية علمانية متطرفة، طالما انتقدها المتنورون الأفارقة على المستعمر الغربي وخصوصا فرنسا التي يقولون إنها جعلت من محاربة الإسلام ورموزه جزءا أصيلا من سياستها الثقافية في أفريقيا طيلة عقود من الزمن.
وفيما تزداد الأمور تعقيدا أمام خطوات تراوري فإنها أيضا تكشف عن غياب مشروع نهضوي أو فكري متماسك، عكس كما كان يميز سانكارا، بل تبدو السلطوية وخطاب القوة، والسير المتعجرف بين حقول ألغام السياسة والأمن أبرز ما يميز الثائر الشاب، والعدو الأكثر صراحة للاستعراب الأفريقي حتى الآن.