حراس الوطن… حين يكون الوفاء عقيدة دولة وهوية أمة
تاريخ النشر: 14th, February 2026 GMT
صراحة نيوز- بقلم: المستشار / جميل سامي القاضي
ليس من باب البلاغة العابرة، ولا من مجاملة المناسبات، أن نقول إن الأوطان العظيمة تعرف رجالها كما يعرف الرجال أوطانهم ، فالوطن الذي لا يحفظ أسماء حراسه في صدره، لا يستحق أن يحرسوه. أما الأردن هذا الحمى الهاشمي الراسخ في وجدان التاريخ، فقد كتب سيرته بسواعد رجاله، ورفع بنيانه بدماء أبنائه، وجعل من الوفاء نهجا لا شعارا، ومن العرفان سياسة لا خطابا.
متقاعدو القوات المسلحة الأردنية – الجيش العربي، والمحاربون القدامى، ليسوا هامشا في كتاب الدولة، بل صفحاته الأولى. هم الأعمدة التي ارتكز عليها الاستقرار، والظلال الوارفة التي احتمى بها الأمن، والذاكرة الحية التي تختزن ملامح مرحلة صنعت المجد في أصعب الأزمنة. لم يكونوا جنود ظرف، ولا أبناء لحظة عابرة، بل رجال مبدأ وقضية، آمنوا أن الوطن قدر، وأن الدفاع عنه شرف لا يوازيه شرف.
حين اشتدت الخطوب، وتلبدت سماء الإقليم بالغيوم، كانوا في الطليعة. من أسوار القدس إلى تخوم الجولان، ومن كل ثغر مهدد إلى كل موقع نادى بالواجب، وقفوا سدا منيعا، لا يسألون عن ثمن، ولا يلتفتون إلى حساب. لأن الوطن في عقيدتهم لا يقاس بالكلفة، بل بالواجب، ولا يوزن بالربح، بل بالكرامة.
في سجل الوطن الذي لا يصدأ، تقف أسماؤهم بلا تواريخ نهاية ، فالجندية عندهم لم تكن وظيفة تنتهي بإحالة، بل عقيدة تستمر ما دام في الصدر نفس ، لم يكن السلاح قطعة حديد، بل أمانة ، ولم يكن القسم ألفاظا تردد، بل عهدا يلازم الروح حتى آخر العمر ، هم من أعادوا تعريف الأمن بأنه تضحية، والاستقرار بأنه مسؤولية، وهيبة الدولة بأنها موقف لا يلين.
وحين غادروا ميادين الشرف، لم يغادروا ميادين العطاء ، لم يكن التقاعد انسحابا من الصف، بل انتقالا من جبهة السلاح إلى جبهة البناء ، دخلوا ميادين التعليم، والإدارة، والعمل المجتمعي، وحملوا معهم مدرسة كاملةفي الانضباط والنزاهةوتحمل المسؤولية. كانوا، وما زالوا، قدوة في احترام القانون، وصونا للثوابت، وتجسيدا لمعنى المواطنة الصادقة.
إن شرف الجندية لا يعلق على الصدور، بل يستقر في الضمائر. لذلك ظل المتقاعدون العسكريون ركيزة أخلاقية في المجتمع، ينقلون للأجيال خبرة الميدان، وصلابة الموقف، ونقاء الانتماء. هم خط الدفاع المعنوي عن الدولة، وسورها القيمي الذي يحميها من التآكل الداخلي قبل أي تهديد خارجي.
غير أن الوفاء ، كما يعرفه الرجال، ليس قصيدة تلقى في احتفال، ولا درعا يعلق في مناسبة. الوفاء سياسة عادلة، وتشريع منصف، ورعاية صحية تليق بمن حملوا أرواحهم على أكفهم. الوفاء حياة كريمة تحفظ المكانة، وتضمن الاستقرار الاجتماعي، وتترجم الامتنان إلى فعل ملموس لا إلى عبارات عابرة.
وإذا كان جلالة القائد الأعلى للقوات المسلحة، جلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين، يؤكد دوما اعتزازه برجال الجيش العربي والمتقاعدين العسكريين، فإن هذا النهج الهاشمي الأصيل يجب أن يظل منظومة عمل متكاملة، تترجم إلى برامج ورؤى تحمي كرامة من حموا الوطن.
فالدولة القوية ليست تلك التي تمتلك السلاح فحسب، بل التي تحفظ حق من حملوا السلاح دفاعا عنها
إن المتقاعدين العسكريين والمحاربين القدامى ليسوا صفحة في الماضي تطوى، بل ركيزة في الحاضر وضمانة للمستقبل. هم الذاكرة التي تذكرنا بثمن الاستقرار، والسند المعنوي الذي يرسخ الثقة، والدليل الصامت على أن هذا الوطن بني بالعرق والدم، وسيبقى قويا ما دام الوفاء قيمة تحكم العلاقة بين الدولة وأبنائها.
وطن وقف شامخ بسواعدهم، لا يكتمل وفاؤه إلا بالوقوف معهم في سنوات العمر، كما وقفوا هم في سنوات الخطر. فالأمم التي تكرم أبطالها لا تجاملهم، بل تحمي نفسها، وتجدد شرعيتها الأخلاقية، وتحصن مستقبلها.
وفي الختام، فإن الوفاء لهم ليس ترفا وطنيا، ولا خيارا موسميا، بل واجب سيادي، وركن من أركان هيبة الدولة. فمن يحرس الوطن في ساعة العسرة، يستحق أن يحرسه الوطن في ساعة الكبر.
المصدر
المصدر: صراحة نيوز
كلمات دلالية: اخبار الاردن الوفيات أقلام مال وأعمال عربي ودولي منوعات الشباب والرياضة تعليم و جامعات في الصميم ثقافة وفنون نواب واعيان علوم و تكنولوجيا اخبار الاردن الوفيات أقلام مال وأعمال عربي ودولي نواب واعيان تعليم و جامعات منوعات الشباب والرياضة توظيف وفرص عمل ثقافة وفنون علوم و تكنولوجيا زين الأردن أقلام أقلام أقلام أقلام أقلام أقلام أقلام أقلام أقلام أقلام
إقرأ أيضاً:
الجار الذي لا يخالط جيرانه
أصبح الناس لا يهتمون كثيرًا بتوطيد علاقاتهم بجيرانهم، بل يحاولون وضع الحواجز المرتفعة التي تحجب عنهم الاحتكاك بمن حولهم، على الرغم من أننا ندرك بأن ليس كل الجيران "سيئين"، فالأغلب قد يكونون سندًا وعونًا لمن يستنجد بهم، لكن السؤال: لماذا لا يختلط البعض بجيرانهم كعلاقة اجتماعية بناءة؟
منذ أيام كان يتحدث لي أحد الزملاء عن سر القطيعة التي تغلب على بعض علاقته بجيرانه، سرد لي بعض المواقف التي حاول فيها إقامة علاقة ود معهم، لكن كل محاولاته باءت بـ"الفشل".
تحدث عن مساعيه، ثم عقد مقارنة بسيطة ما بين الطابع الغالب على الناس في المدينة والمناطق البعيدة، واعترف بأن أغلب القرى، أو لنقل المناطق والولايات، تؤسس معنى العائلة الواحدة بحكم أنهم أقرباء، ولذا فإن جسور التواصل الأسري ممتدة في جذورها، ولكن اختفاء هذا الأمر في المدينة لا بد أن له أسبابًا ومسببات، لكنه عاد ليتساءل عن نشوء حالة من عدم تقبل بعض الجيران الحديث مع جيرانهم.
أكد بأن البعض يعيش حالة الانعزال التام، ليس فقط على مستواه الشخصي، ولكن تمتد حتى إلى أطفاله وأفراد عائلته.
قال بأنه أمضى وقتًا طويلًا منذ أن أتى إلى المدينة في حقبة التسعينيات من القرن الماضي، ثم تنقل في أماكن عيش عديدة، لكنه استقر في مسكنه الحالي منذ أكثر من خمسة عشر عامًا، وحتى اليوم لا يعرف أسماء الأشخاص الذين يسكنون إلى جانبه، رغم أنها منازل لعائلات وليست شققًا يسكنها الغرباء فترة ويرحلون.
قال بأن الصدف هي من تجمعه ببعض جيرانه، البعض يرد عليه التحية، والبعض الآخر لا يعيره أي اهتمام!
لم أكن مستغربًا مما قاله، فحياة المدن كما أعلمها جيدًا لها طابعها المختلف عن القرى، لكن السؤال: لماذا ينفر الجيران من بعضهم البعض؟
في نظري، بعض الجيران في المدن يدركون بأنهم خليط تجمعوا في نقطة معينة، ولكل منهم ثقافته وسماته وأفكاره التي استمدها من طابع حياته الماضية، لذا يؤثرون عدم الاحتكاك بالآخرين.
أما البعض الآخر فيرى بأن مستواه الاجتماعي لا يسمح له بالتجانس مع الذين يسكنون إلى جانبه، حتى لا يسألوه في خدمة أو يثقلوا عليه في أمر، والنوع الآخر من الجيران يرى بأن من مقتضيات الخصوصية قطع أي علاقة إنسانية مع الجيران، لذا فهو لا يتداخل أو يتواصل معهم نهائيًا.
وسواء كانت النظرة الأولى أو الثانية أو الثالثة صحيحة، فإن الواقع يتحدث عن نظرة بعض الناس إلى بعضهم البعض، ليست بمستوى واحد، وهي ما تجعلهم لا يتقبلون فكرة الاختلاط مع الجيران أو التداخل على المستوى العائلي، وهذه النتيجة التي توصلت إليها ينفيها الكثير ممن تحدثت معهم حول هذه النقطة، والذين يؤكدون بأنه طبع في بعض البشر، يفضلون العزلة دون سواها.
زميل آخر طرح مبررًا مختلفًا، معتبرًا أن القطيعة في العلاقات ما بين الجيران ترجع إلى كثرة المشاغل اليومية لبعض الناس، وعدم وجود فرصة للالتقاء بالجيران أو التواصل معهم، ولكن هذه النظرة لم تقنعني كثيرًا، لأن الواقع الذي أعرفه من زملاء آخرين يؤكد بأنهم يلتقون بجيرانهم بشكل مستمر، حتى ولو على فترات متقطعة، حتى إن بعضهم يحرص على السؤال عن جيرانه إذا افتقد وجودهم في المكان.
من الملاحظ أن المناسبات الدينية لم تعد لها مكانة عند بعض الجيران، فمثلًا في رمضان لا يتبادلون الأطباق الرمضانية، فالكل متقوقع على نفسه، وكأنه يعيش في عالم منعزل، بينما العادات والتقاليد القديمة كانت تؤصل فكرة التزاور، وتبادل الأطعمة، والسؤال عن الجيران والاطمئنان عليهم بشكل دائم.