الحياة مدرسة
د. هاشم عرايبه
من أكثر ما يريح الإنسان شعوره بالإستقامة، وهي حالة نفسية تجعله متصالحا مع نفسه أولا، وقابلا بها على عيوبها ومناقصها، كما أنها تمنحه ثقة بالنفس وبالتالي قدرة على تخطي المصاعب، والجد في تحقيق طموحاته.
من أدرك هذه الحقيقة سهلت عليه الحياة، وهانت عليه العقبات، لكنه إن خرج من قوقعة الذاتية والإعجاب بالذات، سيدهش حينما يجد أن الجميع كذلك، بل انه لن يجد شخصا واحدا ناقما على نفسه ومعادياً لذاته، بدافع الإعتقاد بأنه غير مستقيم، ومن كان لديه هذا الشعور (وهو نادر جدا)، فهي حالة نفسية من السوداوية المؤقتة، وسريعا ما تنقضي فتتحول الى إحدى حالتين: عودة الى الحالة السوية بعد زوال السبب، أو دخول في نفق مظلم في اتجاه الإنهيار النفسي الذي لا عودة عنه.
السؤال الذي يطرح هنا: لماذا والحالة كذلك نجد أن الإنحراف سائد فيما الإستقامة ندرة؟
الإجابة حتما ليست في أن الإستقامة مجرد شعور نفسي، الذي قد يكون خادعا، فكل إنسان مهما بلغ جهله يعلم ما هي عناصرها ومحدداتها.
إذا فالأصح أنها قضية نسبية تخضع لعوامل تعظمها أو تقزمها، ووفقا لتفاهمات مجتمعية وقيم يتوافق عليها كل مجتمع، فمثلا تجد في أوروبا الأب يقلق ان بلغت ابنته المراهقة سن الثامنة عشرة ولم تقم علاقة جنسية، وفي الوقت نفسه تثور ثائرته إن ربّت صديق له على كتف ابنه الصغير ملاطفا، لكن إقامة علاقة لتلك الفتاة مع رجل ولو على مستوى التعارف البريء يعتبر في قمة الرذائل ومرفوض قطعيا في مجتمعات أخرى، فيما تعتبر ملاطفة الصديق للطفل أمرا محمودا يشكره الأب عليه.
لذلك كان من المهم وجود معايير ثابتة تحدد المستقيم من السلوكات، وما ابتعد عنها فهو منحرف بقدر ذلك الإبتعاد.
ولما كانت المعايير البشرية نسبية متغيرة وخاضعة لضرورات الزمان والمكان، أنزل الله للبشر منظومة متكاملة لكل الأفعال والأقوال والممارسات والسلوكات، تبين ذلك تحت مسمى الحلال والحرام، فجعل الأصل هو الإباحة، لأن الله ما خلق شيئا إلا وله استعمال، وما منع شيئا إلا وكان استعماله محدد بشروط.
هنا قد يسأل سائل: لماذا خلق الله الرذائل والأشياء الضارة؟.
الحِكَمُ من ذلك متعددة، بعضها ندركه بعقولنا، وبعضه لا يمكننا ذلك لعمقه وقصور معرفتنا، مما نعلمه مما أعلمنا به الله أن وجود الرذائل هل لبيان الفضائل، لأن الله لم يخلق البشر على شاكلة الملائكة مستقيمين بطبيعتهم، بل أتاح لهم الخيار بالإستقامة والإنحراف، فجعل لهم حياتين: الدنيا دار ابتلاء، لتهيئة الصالحين منهم للحياة الأخروية كجزاء، فأتاح الله الخيارين معا ليجتبي الصادقين بنيتهم الإستقامة.
ولو أخذنا العلاقة الجنسية كمثال لهذا التمحيص، فهي وجدت بهدف التكاثر لا غير، وجعل الله فيها متعة كدافع ترغيبي، فممارستها بالحلال من خلال علاقة الزوجية تحقق السعادة والمحبة وتنجب أطفالا سعيدين نافعين، وفي الزنا المحرم توقع الإستغلال والشقاق، وإن أدت الى انجاب، يكون الأطفال غير مرغوب بهم وينالون أذى دائما لا ذنب لهم فيه.
إذن فالمعيار الصحيح للإستقامة هو الإلتزام بالحلال، وكلما كان ذلك الإلتزام صارما، كان المرء الى الإستقامة أقرب.
يحاول الذين يميلون للإنحراف تبرير ضعف مقاومتهم تجاه المغريات، باتهام متبعي منهج الله بأنهم غير صادقين بالإستقامة، وما تدينهم إلا تظاهر بالتقى لكسب الإحترام، لذلك يفرحون إن وجدوا عند متدين إنحرافا، ويتحمسون لنشر قصص تلك الحالات، وإضافة البهارات المثيرة لبيان أن التدين لا يحقق الإستقامة، وما ذلك في حقيقة الأمر إلا لإقناع أنفسهم بأن انحرافهم مبرره عدم وجود المستقيمين ” يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ” [البقرة:9].
نستخلص في النتيجة أن الإستقامة هي غاية فطرية عند الإنسان، أوجدها الله في كل البشر، لتكون دافعا إيجابيا يعادل الدوافع السلبية التي تدفع لها الشهوات والرغبات، لكن تحقيقها يبقى نسبيا ومتفاوتا، وبمقدار ما يتحرر المرء من الإغراءات..تتحق الإستقامة. مقالات ذات صلة
المصدر
المصدر: سواليف
إقرأ أيضاً:
«الماء حياة ونماء».. موضوع خطبة الجمعة بمساجد الجمهورية اليوم
نشرت وزارة الأوقاف موضوع خطبة الجمعة لليوم (10 صفر 1448هـ / 24 يوليو 2026م) بعنوان «الماء حياة ونماء».
وتهدف الخطبة إلى تعزيز الوعي الشعبي بأهمية صون المياه والممتلكات العامة كواجب شرعي ووطني، على أن تتركز الخطبة الثانية على محور «الموارد ليست ملكاً خاصاً».
وأكدت الوزارة على جميع الأئمة التقيّد بمضمون الخطبة والمدّة الزمنية المحددة لها.
نص موضوع خطبة الجمعة اليوم الماءُ حياةٌ ونماءالحمدُ للهِ الذي جعلَ منَ الماءِ كلَّ شيءٍ حيٍّ، ويسَّرَ بهِ أرزاقَ العبادِ في كلِّ وادٍ وحيٍّ، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لهُ، منبعُ الجودِ والعطاءِ، ومُسدي نعمِ الأرضِ والسماءِ، وأشهدُ أنَّ سيدَنا محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ، كانَ أصدقَ الناسِ شكرًا للنعماءِ، وأحفظَهُم لمواردِ العيشِ والهناءِ، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ الأبرارِ، صلاةً دائمةً ما انهمرَ غيثٌ وتدفقتْ أنهارٌ، أما بعدُ، فيا عبدَ اللهِ:
١- كنْ شاكرًا لربِّكَ على نعمةِ الماءِ فهي أصلُ الحياةِ، ومصدرُ النماءِ والبهجةِ الروحيةِ والبدنيةِ، فحقيقةُ بقائِكَ تقومُ على تدفقِ سرِّ الحياةِ الثمينِ، وتكتملُ بهِ عمارةُ الأرضِ للمستخلَفينَ، فطريقُ الشكرِ لخالقِكَ يحتاجُ إلى صيانةِ هذهِ المِنَّةِ العظيمةِ، التي بها قيامُ المخلوقاتِ، لتغدوَ قيمُ الترشيدِ والحفاظِ جزءًا من سلوكِكَ، وعنصرًا أساسيًّا في سموِّ شؤونِكَ، وتتبّعْ أثرَ الأنبياءِ في استشعارِ هذا العطاءِ المديدِ، فقد جعلَ اللهُ الماءَ آيةً كبرى للتثبيتِ والتأييدِ، فنجَّى نوحًا بماءٍ انهمرَ وفاضَ، وجعلَهُ لموسى رضيعًا وشابًّا طريقًا للنجاةِ والخلاصِ، ونصرَ بهِ الحبيبَ المصطفى ﷺ يومَ بدرٍ بالطهورِ والتثبيتِ، وكانَ سرُّ التفوقِ في معركةِ العاشرِ من رمضانَ، فأطلِقْ في مجالاتِ حياتِكَ نداءَ التدبرِ والامتنانِ، واجعلْ نيتَكَ صيانةَ هذا الفيضِ الربانيِّ منَ النقصانِ، لتسعدَ في دنياكَ وآخرتِكَ ببركةِ العيشِ الرغيدِ، تقديرًا لهذهِ النعمةِ العظيمةِ، في إطارِ قولِ اللهِ جلَّ وعلَا: ﴿وَجَعَلۡنَا مِنَ ٱلۡمَاۤءِ كُلَّ شَیۡءٍ حَیٍّۚ أَفَلَا یُؤۡمِنُونَ﴾.
٢- تدبرْ حقيقةَ الأمانةِ الملقاةِ على عاتقِكَ في صيانةِ نعمةِ الماءِ، فالإسلامُ جعلَ الحفاظَ على هذهِ النعمةِ مسؤوليةً دينيةً ووطنيةً على كلِّ فردٍ في مجتمعِهِ، وهي عبادةٌ يتقربُ بها العبدُ إلى ربِّهِ، وواجبٌ وطنيٌّ يحمي بهِ مقدراتِ بلادِهِ وأمنَها القوميَّ، فتتبعْ سيرَ الصحبِ الأبرارِ في صونِ النعمِ، وتعلَّمْ فضلَ الاقتصادِ في العطايا، وانظرْ لعظيمِ الأجرِ في ميزانِ الرحمنِ، حينَ جعلَ اللهُ سقيَ المحتاجِ وإحياءَ النفوسِ سببًا لمغفرةِ الذنوبِ والآثامِ، وفي المقابلِ توعدَ منْ يهدرُ المياهَ أو يمنعُ فضلَها بالوعيدِ الشديدِ، فصيانةُ أمنِ وطنِكَ المائيِّ وحفظُ استقرارِهِ هو أبلغُ زادٍ للسالكينَ، وبها تتكاملُ الواجباتُ وتتحققُ المصلحةُ في الدارينِ، امتثالًا للهديِ النبويِّ الشريفِ، وتطبيقًا لمقاصدِ الشريعةِ الغرَّاءِ في حفظِ الأنفسِ والأوطانِ، حيثُ ضربَ النبيُّ ﷺ أروعَ مثلٍ للمسؤوليةِ الوطنيةِ والمجتمعيةِ في حمايةِ مقدراتِ الوطنِ فقالَ: «مَثَلُ القائِمِ على حُدودِ اللهِ والواقِعِ فيها كمَثَلِ قَومٍ استَهَموا على سَفينةٍ، فأصابَ بَعضُهم أعلاها وبَعضُهم أسفَلَها، فكان الذينَ في أسفَلِها إذا استَقَوا مِنَ الماءِ مَرُّوا على مَن فوقَهم، فقالوا: لو أنَّا خَرَقنا في نَصيبِنا خَرقًا ولم نُؤذِ مَن فوقَنا، فإن يَترُكوهم وما أرادوا هَلَكوا جَميعًا، وإن أخَذوا على أيديهم نَجَوا، ونَجَوا جَميعًا».
٣- احذر الإسرافَ والعبثَ بالمصادرِ المائيةِ، واجعلْ ترشيدَ الاستهلاكِ ديدنَكَ، واغرسْ هذهِ الثقافةَ في نفوسِ أبنائِكَ، وتجنب السلوكياتِ الخاطئةَ، فلا تترك الصنبورَ مفتوحًا دونَ استعمالٍ، وتجنب الإسرافَ في تنظيفِ السياراتِ، واحذرْ إهمالَ تسريباتِ الأنابيبِ وشبكاتِ المياهِ، كما يشتدُّ النهيُ والتحذيرُ منْ إلقاءِ القاذوراتِ في نهرِ النيلِ وما يتفرعُ منهُ، فإنَّ هذا جرمٌ كبيرٌ وأذًى عظيمٌ، واعلمْ أنَّ هدرَ المياهِ ليسَ مجردَ هدرٍ ماليٍّ، بلْ هو مخالفةٌ شرعيةٌ تحرمُكَ شكرَ المنعمِ، فأصلحْ سلوكَكَ اليوميَّ المائيَّ، لتسلكَ سبيلَ النجاةِ يومَ تُسألُ عنِ النعيمِ، مستمسكًا بهديِ نبيِّكَ ﷺ حينَ مرَّ بسعدٍ وهو يتوضأُ فقالَ: «ما هذا السرفُ؟ فقالَ: أفي الوضوءِ إسرافٌ؟ قالَ: نعمْ، وإنْ كنتَ على نهرٍ جارٍ».
٤- تذوقْ ثمراتِ الأمنِ المائيِّ المستدامِ، واغتنمْ بركاتِ الاستقرارِ والتنميةِ على الدوامِ، فإذا أحسنتَ إدارةَ المواردِ، وحميتَ الأنهارَ منَ التلوثِ والهلاكِ، سارتْ مركبُ الأوطانِ في أمنٍ ورخاءٍ، فيتعينُ عليكَ حينئذٍ صونُ الأواصرِ والبيئةِ بتركِ الاعتداءِ، والتخلقُ بخُلُقِ الاقتصادِ في الغسلِ والوضوءِ، واحذرِ الإسرافَ فإنَّهُ ممحقٌ للنعمِ والخيراتِ، وبسببِهِ يحلُّ الفقرُ، وتتبددُ الثرواتُ، فحافظْ على شبكاتِ المياهِ، واستعملْ وسائلَ الريِّ الحديثةَ بحكمةٍ وأناةٍ، وكنْ واعيًا مصلحًا باذلًا للخيرِ في سائرِ المجالاتِ، فبالأمنِ المائيِّ تُبنى الحضاراتُ على ضفافِ الأنهارِ، وتزولُ أسبابُ النزاعِ والاضطرارِ، فتلكَ نعمةٌربانيةٌ، ومِنَّةٌ رحمانيةٌ، قالَ سبحانهُ: ﴿قُلۡ أَرَءَیۡتُمۡ إِنۡ أَصۡبَحَ مَاۤؤُكُمۡ غَوۡرࣰا فَمَن یَأۡتِیكُم بِمَاۤءࣲ مَّعِینِۭ﴾.