لجريدة عمان:
2026-06-03@04:51:05 GMT

البشرية على وشك أن تمرّ بتغيّر ثوري

تاريخ النشر: 15th, February 2026 GMT

طالما أتذكر، وأنا أتصارع مع أفكاري ومشاعري الخاصة بشأن الهوية. لماذا أنا، ديفيد، الشخص الذي أنا عليه؟ إلى أي مدى يمكن أن يتبدّل ذلك؟ ومن أين تأتي تلك الأفكار والمشاعر أصلا، وأي غايات تخدم في نهاية المطاف؟ أظن أنه ليس من قبيل المصادفة، إذن، أنني كنت دائما شديد الفضول أيضا تجاه موضوع الوعي الإنساني.

فذلك هو المجال في العلم والفلسفة ـ مجال التفكير الإنساني عموما! ـ الذي ينفذ بأعمق صورة إلى أسئلة مشابهة، ويقدّم، بدرجات متفاوتة من الإشباع، وفرة من الإجابات الممكنة.

المؤلف الأكثر مبيعا مايكل بولان كان يفكر في هذه الأشياء أيضا. عبر أعماله ـ التي تضم كتبا صارت من الكلاسيكيات مثل «معضلة آكل كل شيء» (2006)، عن لماذا نأكل بالطريقة التي نأكل بها، و«كيف تغيّر عقلك» (2018)، عن علم المخدرات المُهلوسة واستخداماتها ـ خاض بولان في أفكار تتعلق بآليات الذهن الداخلية. والآن، مع كتابه المرتقب «يظهر عالم: رحلة إلى الوعي»، الذي سيصدر هذا الشهر، فقد قفز إلى المياه العميقة. الكتاب مسح واسع متعدد التخصصات لأسئلة تدور حول الوعي الإنساني ـ ما هو، وما الذي يسببه، وما الغاية منه، وما الذي قد تعنيه الإجابات المحتملة لكيف نختار أن نعيش ـ وهو في الوقت نفسه شديد الشخصية. وكما شرح بولان، فإن صعود الذكاء الاصطناعي، إلى جانب الضغط السياسي المتواصل على انتباهنا (أي على عقولنا)، يجعل تلك الأسئلة ـ العميقة أصلا ـ أكثر إلحاحا من أي وقت.

•أريد أن ألتقط بعض الأساسيات: كيف تعرّف الوعي؟

أبسط طريقة لتعريف الوعي هي أنه التجربة الذاتية. وتعريف آخر بكلمة واحدة هو «الوعي/الإدراك». كتب الفيلسوف توماس ناغل، من جامعة نيويورك، مقالة في السبعينيات بعنوان «كيف يبدو الأمر أن تكون خفاشا؟». فكرته هي: إذا كان بوسعنا أن نتخيل أنه "يشبه شيئاً ما" أن تكون خفاشا، فهذا يعني أن الخفاش واع، لأن ذلك يدل على أنه يمتلك شكلا من التجربة الذاتية. لماذا اختار الخفافيش؟ لأنها مختلفة جدا عنا. فبدلا من استخدام البصر، تستخدم تحديد الموقع بالصدى. إنها ترتدّ بإشارات عن الأجسام كي تتحرك عبر الفضاء. يمكننا، على نحو غامض، أن نتخيل العبور في العالم عبر تحديد الموقع بالصدى. بينما محمّصتي، لا أستطيع ذلك. ليس لدي أي إحساس بما "يشبهه" أن أكون محمّصتي.

•سؤال كبير في الوعي هو ما أشار إليه الفيلسوف ديفيد تشالمرز بوصفه «المشكلة الصعبة». هل يمكنك أن تشرح للناس ما هي؟

هي، في الجوهر، كيف ننتقل من المادة إلى العقل؛ كيف نعبر تلك الهوّة الهائلة من العصبونات إلى التجربة الذاتية ـ هوّة لم يتمكن أحد من عبورها. ومن الأسئلة القريبة من ذلك: لماذا لا تجري كل هذه الأشياء التي نفعلها بصورة تلقائية؟ لماذا ينبغي أن نكون واعين بأي شيء؟ كان يمكن لنا أن نكون مؤتمتين بالكامل، وربما نمضي على ما يرام. دماغك يراقب جسدك ويجري تعديلات دقيقة على غازات الدم، وعلى معدل ضربات القلب، وعلى الهضم. هناك الكثير مما يحدث ولا نحتاج إلى التفكير فيه. فلماذا نحتاج إلى التفكير في أي منه أصلا؟ طُرحت بعض النظريات المثيرة للاهتمام. إحداها تقول إن بعض القضايا التي نتعامل معها لا بد أن تُحسم بوعي. عندما تكون لديك حاجتان متنافستان ـ أنت جائع وأنت مُتعب ـ أيهما ينبغي أن يتقدم؟ هنا يفتح الوعي مساحة لاتخاذ القرار. والحجة الأخرى أننا نعيش في عالم اجتماعي شديد التعقيد، حيث علي أن أتنبأ بما ستقوله؛ وعليّ أن أتخيل طريقي إلى داخل رأسك. لا يمكنك أتمتة التفاعل الاجتماعي البشري؛ ففيه عناصر كثيرة للغاية. لذلك يكون الوعي مفيدا جدا في الإبحار داخل ذلك العالم.

•يبدو لي مرجحا أنه، بغضّ النظر عن مصدر الوعي، فهو على الأرجح نتيجة لعمليات تطورية ـ أن الوعي تطور ليجعل المعلومات متاحة لأجزاء معينة من الدماغ، أو ليساعدنا على التعرف إلى الأنماط، أو إدراك التهديدات، أو الحفاظ على الاتزان الداخلي. لكن هل تبدو لك أي حجج غير تطورية للوعي معقولة؟

أوه، نعم. إحداها «الشمولية النفسية» (Panpsychism). وهو ما قد يبدو ضربا من الجنون. قد يبدو جنونا بالفعل. «الشمولية النفسية» هي الفكرة القائلة إن كل شيء ـ كل جسيم، والحبر على الصفحة، والذرات ـ يمتلك قدرا متناهيا في الصغر من النفس أو الوعي، وأن هذا الوعي يتجمع بطريقة ما، انطلاقا من خلايانا وبقية أجسادنا، ليصنع نوعا من «وعي فائق». تبدو فكرة مجنونة. ومع ذلك، هناك أشخاص جادّون للغاية يؤمنون بها. عليك أن توسّع حدود ما تراه معقولا عندما تنظر في الوعي. لكننا فعلنا ذلك من قبل. منذ كم من الوقت اكتشفنا الكهرومغناطيسية؟ تلك الفكرة الغريبة بأن ثمة موجات تمر عبرنا وتحمل معلومات. هذا، بدوره، صادم للعقل بالقدر نفسه، أليس كذلك؟

• أستطيع أن أتحدث عن الوعي طوال اليوم بسعادة، لكن غالبا حين أتحدث عنه مع الناس أستشعر أنهم يرون التفكير في الوعي أقرب إلى التحديق في السرة (أي تأمل ذاتي مفرط). كأنه موضوع ممتع للتأمل، لكن ما الفرق الذي يصنعه فعلاً؟ ما ردّك على ذلك؟

لقد فكرت كثيرا في جدوى التفكير في الوعي، وانتهيت إلى أنه صار أهم من أي وقت. العلماء يتعلمون الآن أن مزيدا ومزيدا من الحيوانات والكائنات ـ ربما وصولا إلى الحشرات ـ هي كائنات واعية. وهذه مسألة لافتة بحد ذاتها: نحن نتشارك الوعي مع مزيد من المخلوقات. ثم إن التهديد الكبير هو الذكاء الاصطناعي والسعي إلى صناعة ذكاء اصطناعي واع، وهو ما سيشكل تحديا هائلا لسؤال: ماذا يعني أن تكون إنسانا؟ هل الوعي شيء يمكن لآلة أن تمتلكه؟ هل نحن أشبه بآلات ذكية أم بحيوانات واعية تشعر؟ من نحن؟ لذلك أعتقد أننا نقترب من لحظة «كوبرنيكية» لإعادة التعريف.

• ما الذي تعتقد أنه ينبغي أن نفعله إزاء تزايد الوعي بأن عددا أكبر من الحيوانات قد يكون واعيا أكثر مما كنا نظن؟

أظن أن الحجة ستكون أننا ينبغي أن نُظهر قدرا أكبر من الاحترام لها، لكننا نعرف أن البشر واعون ومع ذلك نستغل البشر الآخرين بلا رحمة طوال الوقت. هذا سؤال ممتاز. هناك نقاش كامل، نشط جدا هنا حيث أعيش في وادي السيليكون، يقول: إذا كان الذكاء الاصطناعي واعيا، فسيتعين علينا أن نمنحه اعتبارا أخلاقيا. حقا؟ هل منحنا بعضنا بعضا اعتبارا أخلاقيا؟ هل منحنا اعتبارا أخلاقيا للدجاج والماشية التي نأكلها؟ الإجابة: لا. الأمر لا يترتب عليه تلقائيا. لذلك سنضطر إلى ترتيب الأخلاقيات. ربما يكون المعيار هو القدرة على المعاناة. ربما هنا ترسم الخط. لا أدري. لستُ مختصا في الأخلاق، لكن الأمر ليس بالبساطة التالية: أنت واع، إذن لك كل هذه الحقوق. الذكاء الاصطناعي سيعقّد ذلك كثيرا. لمن نمنح «الشخصانية» قرار بشري شديد الذاتية. نحن نمنحها للشركات، على نحو غريب، وهي ليست واعية، لكن هناك كائنات كثيرة لا نمنحها ذلك. لا أظن أننا عقلانيون تماما ولا متسقون في طريقة منحنا للاعتبار الأخلاقي.

•أنت متشكك في أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يبلغ الوعي. لماذا؟

أنا مقتنع ببعض الباحثين، ومنهم أنطونيو داماسيو ومارك سولمز، الذين قدموا حجة قوية جدا تقول إن أصل الوعي مرتبط بالمشاعر لا بالأفكار. فالمشاعر هي اللغة التي يتحدث بها الجسد إلى الدماغ. نحن ننسى أن الدماغ موجود أصلا كي يُبقي الجسد حيا، والطريقة التي يجذب بها الجسد انتباه الدماغ هي عبر المشاعر. لذلك، إذا كنت ترى أن المشاعر تقع في قلب الوعي، يصبح من الصعب جدا أن تتخيل كيف يمكن لآلة أن ترتقي إلى ذلك المستوى بحيث تمتلك مشاعر.

والسبب الآخر الذي يجعلني أعتقد أننا لسنا قريبين من ذلك هو أن كل ما تعرفه الآلات ـ أي مجموعة البيانات التي تُدرَّب عليها ـ إنما هو معلومات موجودة على الإنترنت. هي لا تحتك بالطبيعة. ولا تحتك بنا. بعض أهم ما نعرفه يأتي من تماسّ إنسان بإنسان، ومن تماسّ مع الطبيعة ـ ذلك «الاحتكاك» الذي يجعلنا بشرا على نحو عميق.

وعلى خلاف ما قد يبدو، فإن الإنترنت ليس العالم كله فعلا. لكن بالنسبة إلى الكمبيوتر، فهو كل ما لديه.

•كيف سنعرف إن كان ذكاء اصطناعيا واعيا أم لا؟ وكيف أعرف أنا أنك واع؟

أعدك أنني كذلك!

وعدك هو ما يُسمّى في الفلسفة «قابلية الإبلاغ» (reportability). يمكنك أن تسأل شيئا إن كان واعيا، ومع البشر نحن، إلى حدّ ما، نعرف.

لكن إذا قال ذكاء اصطناعي: «مايكل، أنا واع. أعدك»، فكيف نعرف؟ لا نعرف. وهذا بالضبط سبب انغماس الناس عميقا في هذه العلاقات مع الذكاء الاصطناعي. لا نستطيع أن نقول إنه غير واع عندما يخبرنا أنه واع. لكن يمكننا اختباره بطرق مختلفة. الأمر كله يعود إلى فكرة «اختبار تورنغ» ـ أن اختبار ذكاء الآلة يكون عندما تستطيع خداعنا.

•إذا كان اختبار تورنغ هو معيار الوعي الآلي، فذلك الاختبار قد تم تجاوزه بالفعل.

بالضبط، لقد خدع كثيرين جدا. ما إذا كان يستطيع أن يخدع خبيرا أيضا، لا أدري، لكنه على الأرجح يستطيع. لذا نحن في وضع غريب جدا: الآلات التي نعيش معها تخبرنا أنها واعية. لا نستطيع دحض ذلك، لكن يمكننا النظر في كيفية صُنعها واستخلاص نوع الاستنتاجات التي خلصتُ إليها. لكن هل سيُقنع ذلك الجميع؟ لا. نحن نريدها أن تكون واعية على نحو ما. أو بعضنا يريد ذلك. من الأسهل أن تقيم علاقة مع «شات بوت» من أن تقيمها مع إنسان آخر. عودة إلى نقطة «الاحتكاك»: هي لا تقدم أي احتكاك. إنها فقط تُجاملنا وتملقنا وتقنعنا بمدى ذكائنا، ونحن نقع في الفخ.

•ما الذي تعتقد أن الدين يمكن أن يقدمه لأسئلة الوعي؟

البوذية تفكر في الوعي منذ زمن طويل. كانت تطرح أسئلة حول «الذات» وتمنح الناس أدوات لتجاوز الذات، وهو في حد ذاته توق مفاجئ. نحن نتشبث بهذه الأنا بقوة؛ وفي الوقت نفسه نفعل أشياء كثيرة كي نبتعد عنها، سواء كانت رياضات قصوى أو مواد مُهلوسة أو تأملا.

أو مشاهدة فيلم أو ممارسة الجنس أو أي عدد من الأشياء الأخرى. بعض أرفع خبرات الحياة هي تلك اللحظات التي نتجاوز فيها الذات، وهذا أمر يثير الفضول.

• برأيك ما تفسير ذلك؟ لماذا، إذا كنا نتشبث بالذات، نكون أيضا شديدي الجوع إلى أن نفقد أنفسنا؟

الذات تعزلنا؛ الأنا تبني حولها جدرانا؛ وهي تقيّم باستمرار، وتُعيد الاجترار. في الذات الكثير مما هو مزعج ورديء.

نعم، إنها لا تتوقف عن الثرثرة. نعم، هناك ذلك الصوت في رؤوسنا، وهو يجسّد أصواتا ناقدة، كثيرا ما نرثها من الوالدين أو من آخرين. أعني أن الأنا مفيدة جدا. تُنجز الكثير. هي التي أنجزت كتابي. وهي التي تُنجز بودكاستك. لذا لا ينبغي أن نكون قساة جدا عليها. لكن، من ناحية أخرى، عندما نتجاوز الذات نتصل بأشياء أكبر منا. وهذه واحدة من أجمل ما في المواد المُهلوسة ـ حين تعمل كما ينبغي، يظهر هذا الإحساس بذوبان الذات. تسقط الجدران، وتشعر أنك جزء من الطبيعة. تشعر بالحب. لقد مررتُ بتجربة أصفها في الكتاب عن ذوبان الذات، حيث اندمجتُ مع مقطوعة موسيقية ـ إحدى متتاليات باخ للتشيلّو ـ وكانت تجربة عميقة جدا لأن انقسام الذات/الموضوع إلى «ذات» و«موضوع» تلاشى، وصرتُ مطابقا لتلك الموسيقى.

غير أن الأمر المثير للاهتمام هو أن الوعي لا يختفي حين تختفي الأنا. نحن نحمي أناهنا لأننا نخشى أنه إذا فقدناها نكون قد متنا. لكننا لا نموت. إنها مجرد صوت واحد. وهناك أشياء كثيرة أخرى تجري، كما تتعلم عندما تمارس التأمل وتستخدم المواد المُهلوسة.

•كم مرة تستخدم المواد المُهلوسة؟

ليس كثيرا على الإطلاق. من الصعب أن أجد وقتا. إنه يوم طويل يتطلب كثيرا من التحضير وكل شيء. إذا استطعت أن أفعل ذلك مرة في السنة فأنا سعيد. ما أتحدث عنه هو، في الحالة المثالية، تجربة مُوجَّهة. يمكنك أن تترك نفسك عندما يكون هناك من يراقب جسدك. لذلك، حين أستطيع أن أضع نفسي في هذا الوضع ـ وهو ليس سهلا، وهو مكلف ـ أجد ذلك ذا قيمة كبيرة. ما زلت أتعلم أشياء.

•وماذا تتعلم؟

أوه، كل تجربة مُهلوسة تختلف عن الأخرى. لا تعود أبدا إلى المكان نفسه. لهذا أعتقد أنها ممارسة جيدة في يوم ميلادك أو حوله، كي تقوم ـ إلى حد ما ـ بجرد لواقعك وما هي القضايا المطروحة. مررتُ بتجربة قبل وقت غير طويل هزّتني.

* ما الذي حدث؟

كانت «رحلة» مُوجَّهة على ـ لا يهمّ ما كانت عليه. كانت لديّ مشاعر قوية بلا اسم. كانت كأنها مناطيد عملاقة تصطدم بي، وتصطدم ببعضها، وكنت أقاوم وأشعر بإحباط شديد لأنني لا أعرف ما هي، ولم تتضح الإجابة خلال التجربة أبدا. والغريب أن الإجابة عمّا كانت عليه جاءت بعد أسبوعين عندما صادف أن كنتُ في خلوة للتأمل. الروابط بين المواد المُهلوسة والتأمل خصبة ومثيرة للاهتمام. كنتُ أقوم بتأمل مشيا على الأقدام بعد يومين من الصمت الكامل، مع تأمل يمتد 12 ساعة يوميا، وها هي المناطيد. بحروف من دون زوائد (sans serif)، مكتوبا بوضوح على المنطاد: «الخوف». أدركت بسرعة ما كان الأمر. كان خوفا من فقدان شيء قريب جدا منك. وهكذا انتهى الأمر بأن صار الجمع بين التجربتين مثمرا جدا. لكن التجربة المُهلوسة وحدها أثارت أسئلة أكثر مما قدمت أجوبة.

•أسئلة الوعي ـ وهي في الحقيقة أسئلة عمّا يجعلنا نحن «نحن» ـ من أهم الأسئلة التي يمكن طرحها. لكنها في الوقت نفسه قد تقود إلى أسئلة أخرى مثل: هل توجد هناك «ديفيد» ما ـ «أنا» ثابتة ـ أم لا؟ أو ما العلاقة بين الإرادة الحرة والوعي؟ أحيانا يمكن أن يكون التفكير في تلك الأسئلة مُزعزعا. هل هذا شعوري وحدي؟ هل لديك مخاوف مشابهة؟

يمكن أن يكون مُزعزعا، بالتأكيد. أحد الأسباب التي تجعل الناس سعداء بأن يكونوا أقل وعيا وأن يملأوا انتباههم بالمشتتات وبالعقاقير هو أن العقل قد يكون مكانا مخيفا لزيارته. كثيرا ما نريد أن نكون أقل إدراكا لما يحدث. هناك أسباب تجعل الناس يتجنبون الغوص في هذه الجحور. الأمر يتطلب استعدادا للمخاطرة بشيء ما.

• أعتذر إن بدا هذا سؤالا «روحانيا أكثر من اللازم»، لكن هل تعتقد أن غياب شيء مثل «ذات» ثابتة يعني أيضا غياب شيء مثل الروح؟ هل تؤمن بوجود روح؟

حسنا، إذا كانت الروح شيئا لا يُدمَّر ويبقى بعد موتنا، فلا. لكنني لا أستطيع أن أقول شيئا عن الآخرة بثقة. الوعي صار بديلنا العلماني عن الروح؛ نحن نتحدث عن الوعي بالطريقة التي كان الناس في القرن السادس عشر أو السابع عشر يتحدثون بها عن الأرواح. اهتمام بعض الناس به ينبع من أنه يطفو متحررا من هذه الأجساد الفانية وربما يندمج في وعي جمعي بعد رحيلنا. لذلك أعتقد أن في كامل النقاش حول الوعي تدينا أو روحانية كامنة. سألني أحدهم مؤخرا: هل تظن أن الناس كلما تقدموا في العمر صاروا أكثر اهتماما بالوعي؟ وكنت سأجيب: نعم، وعلى الأرجح لهذا السبب.

•يبدو أن كثيرين منا يحملون في ذواتهم ثوابت يصعب قليلا تفسيرها في غياب شيء مثل هوية مستقرة أو روح. في كتابك الجديد، تشير إلى فترة في سنوات مراهقتك كنت تقرأ فيها هرمان هِسّه، وتكتب شعرا رديئا، وتفكر في الأسئلة الكبرى. لا أدري إن كنت ما زلت تكتب شعرا رديئا، لكن الأمرين الآخرين لا يبدوان بعيدين جدا عمّا تفعله الآن وأنت في السبعينيات من عمرك. فما الذي يمكن أن يفسر ما يبدو كسمات جوهرية داخلية ثابتة لديك عبر الزمن إذا لم تكن هناك هوية ذاتية مستقرة أو روح؟

مع أنني أتحدث كثيرا عن فكرة أن «الذات» ربما تكون وهما، إلا أنها ما تزال تمتلك واقعا عرفيا/تقليديا. وكوني أستخدم «نفسي» كي أتحدث إلى «نفسك» يجعل هذا واضحا جدا. لو لم تكن لأي منا ذوات الآن، لكانت هذه محادثة رخوة ومائعة إلى حد بعيد. لا أستطيع حتى أن أتخيل كيف سيبدو ذلك. قال ماثيو ريكار: الأمر كأن للنهر اسما، وهذا الاسم العُرفي مفيد جدا، لكن لا شيء ثابتا هناك. إنها مجرد مياه تمرّ.

• طرحت شيئا قريبا من هذا سابقا، لكنني أريد أن أسأله بصيغة أخرى. هذا الصباح كنت أقرأ الأخبار وأفكر: يا إلهي، هل الحديث الآن مع مايكل بولان عن الوعي هو نوع من حديث «كم ملاكا يمكن أن يرقص على رأس دبوس»؟ قررت أن الإجابة لا، لكن هل تراودك مثل هذه الشكوك أحيانا؟

راودتني في نقاط مختلفة حين كنت أبدأ هذا الكتاب، وكان العالم يبدأ في التفكك. كأنني أقول: هل هذه هي الطريقة التي ينبغي أن أستخدم بها طاقتي؟ لكنني أعتقد أن الوعي على المحك في كثير مما يجري. أحد الأشياء التي فعلها ترامب أنه استحوذ على جزء كبير من انتباهنا كل يوم. وعينا يتلوث، وحماية أنفسنا من ذلك، وفي الوقت ذاته الحفاظ على القدرة على الفعل سياسيا، هو فعل توازن صعب. الوعي مجال ثمين للغاية. إنه مجال خصوصيتنا وحريتنا في التفكير. لذلك أظن أننا نحتاج إلى نوع من «نظافة الوعي»، خصوصا في هذه اللحظة التي اكتشف فيها هذا السياسي الواحد طرائق لقيادة انتباهنا والتحكم فيه. الوعي صار أكثر صلة الآن مما كان عليه قبل 10 أو 20 عاما، بوصفه شيئا علينا أن نفكر فيه، وأن نحميه، وأن نرعاه.

  • ديفيد ماركيز كاتبٌ ومشارك في تقديم برنامج «The Interview»، وهي سلسلة منتظمة تستضيف شخصيات مؤثرة عبر مجالات الثقافة والسياسة والأعمال والرياضة وغيرها.

** خدمة نيويورك تايمز***

تمت الترجمة باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي  

المصدر

المصدر: لجريدة عمان

كلمات دلالية: الذکاء الاصطناعی التفکیر فی فی الوعی ینبغی أن فی الوقت أعتقد أن إذا کان م هلوسة یمکن أن ما الذی أن نکون على نحو أن تکون فی هذه لکن هل أظن أن التی ت

إقرأ أيضاً:

لغز الفيوم العظيم.. الملك المفقود الذي يروي مجد الدولة الوسطى وصراعاتها

تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق

في عمق تاريخ مصر القديمة، وتحديدًا خلال عصر الدولة الوسطى في الأسرة الثانية عشرة (نحو 1985–1773 ق.م)، خرجت إلى الوجود واحدة من أكثر القطع النحتية غموضًا وإثارة في تاريخ الفن المصري القديم: تمثال ضخم لملك مجهول الهوية بدقة، يُعتقد أنه أحد ملوك هذه المرحلة العظيمة مثل سنوسرت الثالث أو سنوسرت الثاني، وربما امتدت احتمالاته إلى أمنمحات الرابع.

هذا التمثال، الذي اكتُشف في منطقة هيراكليوبوليس ماغنا قرب الفيوم، لا يمثل مجرد عمل فني، بل هو وثيقة سياسية ودينية تعكس تحولات كبرى في مفهوم الحكم والسلطة والخلود في الحضارة المصرية.

ملوك الدولة الوسطى.. بناء دولة مركزية قوية

شهدت الدولة الوسطى واحدة من أكثر مراحل مصر استقرارًا وازدهارًا، حيث أعاد ملوك الأسرة الثانية عشرة توحيد البلاد بعد فترات من الاضطراب، ونجحوا في بناء جهاز إداري قوي ودولة مركزية متماسكة.

برز من بين هؤلاء الملوك سنوسرت الثالث، المعروف بحملاته العسكرية في النوبة وإصلاحاته الإدارية الصارمة، إلى جانب ملوك آخرين مثل سنوسرت الثاني وأمنمحات الرابع، الذين أسهموا في ترسيخ قوة الدولة وتوسيع نفوذها.

وفي هذا السياق، جاءت التماثيل الضخمة لتكون أداة سياسية بصرية تعكس هيبة الملك وتؤكد طبيعته الإلهية.

فن يعكس التحول نحو الواقعية

يمثل هذا التمثال نموذجًا واضحًا للتحول الفني الذي ميّز عصر الدولة الوسطى، حيث ابتعد الفنانون تدريجيًا عن المثالية المطلقة التي كانت سائدة في العصور السابقة، واتجهوا نحو تصوير أكثر واقعية وصدقًا في ملامح الملوك.

فبدلًا من الوجوه الشابة المثالية، ظهرت تعابير أكثر جدية وصرامة، تعكس شخصية الملك كحاكم مسؤول عن حماية البلاد وإدارة شؤونها في عالم مليء بالتحديات.

ويُعتقد أن هذا الأسلوب بلغ ذروته في تماثيل سنوسرت الثالث، التي أظهرت ملامح تحمل مزيجًا من القوة والتجربة والرهبة، وكأنها تعكس ثقل الحكم ذاته.

لغز الهوية وإعادة الاستخدام الملكي

إحدى أبرز نقاط الغموض في هذا التمثال هي هويته الدقيقة، إذ يرى بعض الباحثين أنه قد يمثل سنوسرت الثالث، بينما يرجح آخرون أنه يعود إلى أمنمحات الرابع، بسبب محدودية المعلومات المتاحة عن فترة حكمه القصيرة.

كما أن التمثال يحمل دليلًا مهمًا على إعادة استخدامه في عصر لاحق، خلال الفترة الرعامسية، وربما في عهد مرنبتاح، ابن رمسيس الثاني. وقد كانت إعادة النقش وإعادة توظيف التماثيل ممارسة شائعة في مصر القديمة، حيث كان الملوك اللاحقون يربطون أنفسهم بإنجازات أسلافهم لتعزيز شرعيتهم السياسية.

الأميرات إلى جانب الملك.. رمزية العائلة والسلطة

ما يجعل هذا التمثال أكثر تميزًا هو وجود شخصيات صغيرة لأميرات بجوار الملك، وهو عنصر نادر في النحت الملكي المصري. هذه الإضافة لا تحمل بعدًا عائليًا فقط، بل تعكس أيضًا فكرة استمرار السلالة الملكية وترسيخ مفهوم الوراثة الإلهية للحكم.

كما تُظهر هذه التفاصيل كيف كان الفن المصري القديم وسيلة للتعبير عن السلطة بوصفها نظامًا متكاملًا يجمع بين الملك والعائلة الملكية والدين والدولة.

شاهد حجري على تاريخ متغير

اليوم، يقف هذا التمثال في المتحف المصري الكبير كطبقات متراكمة من التاريخ؛ فهو عمل فني من الدولة الوسطى، أعيد استخدامه في عصر لاحق، واكتشف في زمن حديث، ليصبح سجلًا مفتوحًا يروي قصة آلاف السنين من السياسة والدين والفن.

إنه ليس مجرد تمثال لملك مجهول، بل مرآة تعكس كيف كانت مصر القديمة تعيد تشكيل صورتها عبر الزمن، وكيف استطاعت أن تجعل من الحجر وسيلة لحفظ السلطة والهوية والذاكرة.

وهكذا، يبقى هذا التمثال الضخم شاهدًا على حقيقة واحدة: أن الملوك قد يرحلون، لكن الحجر الذي نُقشت عليه أسماؤهم يواصل الحديث عنهم إلى الأبد.

الملك المفقود 

مقالات مشابهة

  • القيادة الأمريكية: الناقلة التي عطلتها قواتنا كانت ترفع علم بوتسوانا
  • د. أمل منصور تكتب : الأمان والونس والعفوية .. الثالوث الذي يحفظ الحب حيًا
  • صناع «إذما» لـ«الوفد»: الفيلم رحلة إلى أعماق النفس البشرية خارج حسابات الأكشن والكوميديا
  • الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
  • اعرف عدوك.. الوجع الإسرائيلي الذي لم نقرأه
  • ترامب: التقارير الإخبارية التي تزعم توقف التواصل بين إيران والولايات المتحدة قبل أيام قليلة كاذبة
  • من الذي أوقف الحرب.. ولماذا الآن؟
  • لغز الفيوم العظيم.. الملك المفقود الذي يروي مجد الدولة الوسطى وصراعاتها
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش
  • سلسلة ❙ ماذا لو؟!: أنتَ شمسُك.. ماذا لو علمتَ أنّك المركز الذي لم يبحث عنه أحد سواك؟