عندما يكون الأذكي هو العائق
تاريخ النشر: 16th, February 2026 GMT
في كل مكان عمل تقريبًا، هناك شخص واحد يسبق الآخرين بخطوتين. يلتقط ما لا يراه أحد، يشير إلى الخطر قبل أن يتحول إلى أزمة، ويقترح الحل قبل أن ينتهي النقاش. وجوده يُفترض أن يكون مكسبًا. لكن الواقع يقول شيئًا مختلفًا: غالبًا ما يكون مصدر توتر لا يُقال.
ليس لأنه سيئ. وليس لأنه متعمد. بل لأنه – في معظم الأحيان – على حق.
هنا تبدأ معضلة “العبقري المزعج”، ذلك الشخص الذي يجمع بين الذكاء الحاد والأسلوب الخشن. المؤسسات تحتاجه، لكنها تدفع ثمنه بصمت. الزملاء يتجنبونه، الاجتماعات تصبح أكثر حذرًا، والأسئلة تُبتلع قبل أن تُقال. الكفاءة موجودة، لكن الراحة غائبة.
الكتاب الذي تناول هذه الظاهرة بوضوح لافت، The Brilliant Jerk Conundrum، لا يقدّم العبقري المزعج كشرير تقليدي، بل كنتاج طبيعي لثقافة عمل تكافئ النتائج وتغضّ الطرف عن الطريقة. فطالما أن الأرقام جيدة، والهدف يتحقق، لا أحد يريد التوقف عند التفاصيل الصغيرة مثل “الأسلوب” أو “الأثر النفسي”.
لكن هذه التفاصيل الصغيرة هي، في الحقيقة، ما يصنع الفرق بين فريق يعمل… وفريق يصمد.
العبقري المزعج لا يفتقر إلى المهارة، بل يعاني من فائضها. ينجز بسرعة، يتحدث بثقة، ويدفع الأمور إلى الأمام دون تردد. المشكلة أنه غالبًا ما يرى النقاش عائقًا، والتريث ضعفًا، والاستماع رفاهية. ومع الوقت، تتحول هذه القناعات إلى سلوك يومي، ثم إلى ثقافة غير مكتوبة مفادها أن الخطأ غير مسموح، وأن السؤال قد يُحسب عليك.
في عالم التقنية والهندسة، كثيرًا ما يُبرَّر هذا النموذج. كم مرة تجاهلت الفرق تحذير شخص واحد، ثم اكتشفت بعد أشهر من العمل المضني أنه كان محقًا؟ وكم مرة سخرنا من الحديث عن المعايير والحوكمة، قبل أن تنهار الأنظمة عند أول توسع؟ أحيانًا، الصوت المزعج هو صوت الخبرة. لكن المشكلة ليست في الصوت… بل في نبرته.
ولعل التاريخ الحديث للشركات الكبرى يقدّم أمثلة صريحة على هذه المعضلة. فـ ستيف جوبز، الذي غيّر علاقتنا بالتقنية والتصميم، كان معروفًا بحدة طباعه، وقسوته في الاجتماعات، وعدم تسامحه مع ما يراه “حلولًا متوسطة”. كثيرون ممن عملوا معه وصفوه بالملهم… والمرهق في آن واحد. عبقريته صنعت منتجات أيقونية، لكنها خلّفت أيضًا بيئة عمل لا يحتملها الجميع.
الأمر ذاته يمكن قوله عن جيف بيزوس، الذي بنى واحدة من أعقد الآلات التنظيمية في العالم. تركيزه الهوسي على العميل، وسعيه الدائم للكفاءة القصوى، جعلا أمازون نموذجًا للانضباط والابتكار، لكنه في الوقت نفسه خلق ثقافة عالية الضغط، حيث لا مكان للبطء أو الأعذار. بيزوس لم يكن ظالمًا بقدر ما كان غير صبور على أي شيء لا يواكب رؤيته.
أما إيلون ماسك، فهو المثال الأوضح للعبقري الذي يعيش دائمًا في المستقبل. سرعة تفكيره، وحدّة توقعاته، وقدرته على دفع فرق كاملة لتجاوز ما كان يُعتقد أنه مستحيل، جعلته محركًا لثورات صناعية حقيقية. لكنها في الوقت ذاته جعلته قائدًا مثيرًا للجدل، تتأرجح فرق العمل معه بين الإلهام والإرهاق.
هذه الأمثلة لا تُذكر لتجريم أصحابها، بل لتوضيح حقيقة غالبًا ما نتجنبها: أن العبقرية، حين لا تُدار، قد تفرض ثمنًا إنسانيًا باهظًا. هؤلاء القادة لم ينجحوا رغم حدّتهم فقط، بل أحيانًا بسببها. غير أن نجاحهم لم يستقر إلا عندما وُضعت حولهم أنظمة، أو فرق قوية، أو قدر من النضج الشخصي خفّف من أثر “العبقري المزعج” دون أن يطفئ جذوة العبقرية نفسها.
عندما يُقدَّم الذكاء بحدة، يبدأ الفريق في الانكماش. لا لأن أفراده أقل قدرة، بل لأنهم أقل أمانًا. تقل المبادرات، تختفي الأسئلة، ويتحول النقاش إلى الحد الأدنى الضروري. وهنا المفارقة المؤلمة: الشخص الذي كان من المفترض أن يرفع مستوى الفريق، يصبح سببًا في بطئه.
الأكثر تعقيدًا أن العبقري نفسه قد لا يلاحظ ما يحدث. فالتقدير المستمر، والاعتماد المتكرر عليه، والتقييمات العالية، قد تخلق شعورًا غير معلن بالتفوق. يبدأ في الإحساس بأنه يحمل الفريق وحده، وأن الآخرين يعيقون التقدم. ومع هذا الشعور، يتسلل الإحباط، ثم الاستعلاء، حتى دون قصد.
جوهر الكتاب لا يدعو إلى إقصاء هؤلاء، ولا إلى ترويضهم بالقوة. على العكس، هو يدعو إلى إدارتهم بذكاء: إلى وضع حدود واضحة للسلوك، وربط التأثير بالتعاون لا بالسيطرة، وتقديم تغذية راجعة لا تحتفي بالنتائج فقط، بل بالطريقة التي تحققت بها.
العبقرية الحقيقية لا تحتاج إلى رفع الصوت. ولا إلى الفوز بكل نقاش. ولا إلى إثبات الصواب في كل مرة.
هي تعرف متى تتكلم، ومتى تصمت، ومتى تترك مساحة للخطأ والتعلم. وهي تفهم أن الفريق الذي يشعر بالأمان قد يتباطأ أحيانًا… لكنه يصل أبعد.
ربما السؤال الأهم ليس: كيف نتعامل مع العبقري المزعج؟ بل: لماذا ما زلنا نكافئ الذكاء حين يكون مكلفًا إنسانيًا؟
المصدر
المصدر: صحيفة البلاد
كلمات دلالية: بدر الشيباني قبل أن
إقرأ أيضاً:
اعرف عدوك.. الوجع الإسرائيلي الذي لم نقرأه
كلما دار حديث عن الإعلام الإسرائيلي تقفز إلى ذهني على الفور صورة الأستاذة الدكتورة راجية قنديل. كانت أستاذة الصحافة بكلية الإعلام جامعة القاهرة واحدة من الأسماء التي أسست مبكرًا لتيار عربي أكاديمي جاد يؤمن بأهمية دراسة إعلام العدو من داخله، وتشكيل مدرسة بحثية عربية تهتم ببحوث هذا الإعلام؛ حتى نفهم كيفية بناء الرواية الصهيونية، وصناعة الصورة، والدعاية الموجهة.
ولعل من الدروس التي لا أنساها قولها: «إن كل حدث يقع على الأرض يُولد مرة أخرى في اللغة والصورة التي يقدم بها للناس».
كانت د. قنديل تدرك قبل كثيرين أن معرفة حقيقة العدو تتطلب نزع الغموض الذي يحيط به نفسه. وكانت أول باحثة عربية تحصل على درجتي الماجستير والدكتوراه في الإعلام الإسرائيلي في وقت لم يكن هذا الطريق سهلًا. وكانت -متعها الله بالصحة والعافية- على قناعة تامة بأن هذا الإعلام هو مرآة لمشروع صهيوني كامل بكل مخاوفه وأساطيره وأدوات دفاعه عن نفسه يطمح في تحقيق إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات.
أتذكر أيضا في السياق نفسه الكاتب الصحفي الراحل أنيس منصور وسلسلة مقالاته الشهيرة «وجع في قلب إسرائيل» التي كان ينشرها في مجلة «أكتوبر» التي أسسها ورأس تحريرها بتكليف من الرئيس أنور السادات في العام 1976، وجمعت لاحقا في كتاب بالعنوان نفسه.
كان منصور يكتب عن إسرائيل دون أن يراها. ومن خلال ما كان يقرأه في صحافتها كان يلتقط قلقها الداخلي، ويتابع ما تقوله عن نفسها، ثم يقدمه للقارئ العربي في قالب أدبي فلسفي وصحفي وبعبارات ساخرة أحيانًا، لكنها عميقة الدلالة. وكان يعلم أن في قلب العدو ما يستحق أن يعرفه القارئ العربي.
في سنوات ما بعد كامب ديفيد، ووادي عربة، وأوسلو تحول هذا العدو في بعض العواصم العربية إلى صديق، وتراجع الاهتمام بدراسة إعلام العدو في جامعاتنا والكتابة عنه من الداخل في صحفنا. صرنا نرى إسرائيل وهي تقصف غزة وجنوب لبنان وبيروت ودمشق، وحين تغتال قادة المقاومة في الداخل المحتل وفي الخارج، حين تقتل الأطفال والنساء والشيوخ دون رحمة في حملات الإبادة الجماعية، وحين تعذب الأسرى وتكذب بوقاحة منقطعة النظير على الشاشات والمنصات الرقمية. لم يعد لدينا أحد مثل راجية قنديل أو أنيس منصور يتابع كيف تُحضّر إسرائيل أكاذيبها قبل أن تصبح نشرات أخبار، وكيف تُبنى المفردات قبل أن تصبح سياسة، وكيف يُوزع الخوف قبل أن يتحول إلى قبول شعبي بالحرب، فنحن كما يقول المثل «نرى الانفجار، ولا نرى اليد التي وضعت المتفجرات» في اللغة والصورة والذاكرة.
إن أبسط ما يمكن قوله عن الإعلام الإسرائيلي أنه إعلام منحاز بطبعه، لكن هذه العبارة على صحتها تظل فقيرة؛ فكل إعلام في لحظات الصراع يحمل انحيازًا ما. المشكلة في الإعلام الإسرائيلي أنه يعرف كيف يُلبس انحيازه ثوب المهنية. يعرف متى يصرخ، ومتى يخفض صوته. يعرف متى يظهر بصورة الضحية الصغيرة المحاصرة، ومتى يتحدث بلغة القانون والديمقراطية وحقوق الإنسان. يعرف كيف يجعل الخريطة خبرًا، والجندي ابنًا للعائلة، والقصف عملية دقيقة، والطفل الفلسطيني رقمًا يحتاج إلى تدقيق.
هذا الإعلام لم يولد في فراغ. هو ابن المشروع الصهيوني كما هو ابن الدولة. قبل قيام إسرائيل كانت الكلمة جزءًا من الحشد، وكانت الصحافة تساعد في تحويل الهجرة إلى «عودة»، والاستيطان إلى «خلاص»، وفلسطين إلى أرض تنتظر من يعيد إليها معناها القديم. وبعد 1948 صار الإعلام شريكًا في بناء الدولة الجديدة؛ إذ يجمع مهاجرين لا تجمعهم لغة واحدة بسهولة، فيمنحهم رواية مشتركة، ويضع الفلسطيني في خانة الغائب أو العائق أو الخطر.
لذلك تبدو إسرائيل من الخارج دولة فيها صحف كثيرة وقنوات عديدة ومواقع صاخبة وخلافات لا تنتهي. وهذا كله موجود فعلًا. هناك صحافة تنتقد الحكومة، وقنوات تهاجم رئيس الوزراء، ومقالات تفضح الفساد، ومحللون يتجادلون بعنف، لكن الاقتراب من الفلسطيني يغير المشهد كله.
عند هذه النقطة تضيق اللغة، ويتقدم الأمن، ويعلو صوت الجيش، وتصبح الحرية مشروطة بما لا يمس أصل الرواية الصهيونية. يمكن انتقاد الحكومة، ويمكن لوم الجنرالات، ويمكن الحديث عن سوء الإدارة، لكن السؤال الأخلاقي الأكبر يظل غالبًا خارج المشهد: ماذا عن الاحتلال نفسه؟
في الحروب يصبح المشهد الإعلامي الإسرائيلي أكثر تعقيدا. لا تبدأ الحرب إعلاميا مع أول قذيفة، وإنما قبل ذلك بكثير، وعبر تحويل العدو سواء كان الفلسطيني، أو اللبناني، أو السوري، أو الإيراني تدريجيًا إلى خطر داهم بلا ملامح. ومع تكرار مفردات التهديد والتصعيد والردع، يشعر الجمهور أن الحرب قادمة لا محالة.
وحين تشتعل الحروب الإسرائيلية -وما أكثرها!- لا تبقى وسائل الإعلام شاهدًا محايدًا، وتتلاعب بالتغطية لكي تحدد من يستحق أن يُرى، وتمنح الإسرائيلي اسمه ووجهه وبيته وخوف أطفاله، فيما تترك الفلسطيني واللبناني مجرد رقم في أعداد القتلى والأسرى.
وكما تتلاعب بالتغطية تتلاعب الوسائط الإعلامية الإسرائيلية أيضا بالكلمات والمفردات، فالقصف الذي تمارسه على الآخرين ليس قصفا، ولكن استهداف، والاجتياح عملية، والاغتيال تحييد، والحصار إجراء أمني، والضحايا المدنيون أضرار جانبية. وهذه بالطبع ليست مجرد كلمات بريئة. إنها تنظف الفعل قبل أن يصل إلى المتلقي، وتمنح العنف اسمًا أكثر لطفًا، وتمنح القاتل مسافة من صورته الحقيقية. فمن يملك القدرة على ارتكاب الجريمة -كما يقولون- قد يمتلك أيضا القدرة على تبريرها، أو تخفيف وقعها النفسي على الآخرين عبر صياغتها بطريقة معينة.
بعد الحرب وعندما تصمت المدافع قليلًا يبدأ الإعلام الإسرائيلي معركة أخرى، ويتحول اتجاه برامج التلفزيون ومقالات الكتاب إلى التركيز على الردع، والدروس المستفادة، ويتجادل السياسيون حول الإخفاق والنجاح، ويُسأل الجيش عن كفاءته وليس عن شرعية أفعاله، ويصبح السؤال هو هل أُديرت الحرب جيدًا؟
ولأن إسرائيل تعرف أن العالم لا يتحدث العبرية؛ فقد طورت خطابًا كاملًا للآخرين تسميه دبلوماسية عامة أو شرحًا أو «هسبَرة». والهدف أن تظهر إسرائيل دائمًا كدولة صغيرة محاصرة، وأن يظهر جيشها مضطرًا إلى مواجهة أعداء يحيطون بها، وأن يظهر الفلسطيني خطرًا يحتاج إلى ضبط. وحين تخاطب العرب بالعربية فإنها تستهدف التسلل إلى الوعي، وتختلط في هذا الخطاب الذي يقدمه المتحدثون العسكريون رسائل التحذير والتخويف وتحميل المسؤولية للضحايا، ومحاولة شق صفوف المقاومة. ليس المطلوب من الإعلام العربي أن يكتفي بالغضب من الجرائم الإسرائيلية مهما كان الغضب مشروعًا؛ فالغضب وحده لا يهزم رواية تُصنع بعناية شديدة. ولا تكفي الكلمات الرنانة الكبيرة حين يكون الخصم قادرًا على إنتاج صورة صغيرة تؤثر في ملايين الناس. المطلوب أن نعود إلى الدرس الأول: أن نبحث، ونرصد، ونفكك، ونتابع، ونفهم كيف تتحرك آلة الحرب الإعلامية الصهيونية.
كانت راجية قنديل تعرف ذلك مبكرًا. وكان أنيس منصور بطريقته المختلفة يعرف أن قلب إسرائيل ليس مغلقًا تمامًا أمام من يقرأ جيدًا. في ذلك القلب خوف وتناقض وغطرسة وارتباك وأسطورة تحاول أن تحمي نفسها كل يوم. ونحتاج إلى قراءة هذا كله بدافع الضرورة؛ فالقضية التي لا تمتلك روايتها تترك صورتها لخصمها، والخصم الذي يكتب صورتك لن يمنحك وجهًا عادلًا.
هكذا تعود عبارة «اعرف عدوك» اليوم لتفرض نفسها علينا؛ فالمعرفة تبدأ من فهم الطريقة التي يصنع بها المحتل روايته، واللغة التي يستخدمها لتخفيف أثر عنفه وهمجيته، والخبر الذي يدفع الضحية إلى الهامش ويمجد القاتل. إن عدم قراءة الإعلام الإسرائيلي بوعي يجعلنا أسرى لرواية عدونا. لذلك يحتاج الإعلام العربي إلى أن يدرك أن الدفاع عن القضايا العربية قد يبدأ من التفتيش في قلب الإعلام الإسرائيلي الذي ما زال وسيبقي يعاني من الوجع.