هذا العنوان للشاعر الجميل الحاضر رغم الغياب صلاح عبد الصبور، وقد اختاره عنوانا لديوان له صدر سنة 1957 ، لكنني أتذكره وأنا أكتب اليوم مقالي عما جرى للناس في يلادي من تغير مُحزن. فمشهد ما حدث في بنها مؤخرا من تجريس وفضح وانتهاك لكرامة شاب طلب الزواج من ابنة عائلة مرموقة، ينم عن توحش نفوس، وتوسع قسوة، واعتياد قُبح.
لقد صار مخُيفا لجوءبعض الناس إلى سطوة القوة وجبروت العنف للتعبير عن مواقفهم. وهكذا يطل الانحدار الأخلاقي علينا كُل حين عبر مشهد قاس، أو حادث عنف مُنبها ومُحذرا من سوس مستشري يلتهم سمات التحضر في مُجتمعنا.
ما هذه مصر، ولا هؤلاء ناسها. ترجرجرت القيُم وتفتتت مظاهر الرُقي وانحدر الذوق العام بفضل موجات تسطح وشيوع تفاهة عارمة وتفشي جهالات نشطة.
انفرطت منظومة القيّم في المجتمع تدريجيا، فانخلع الناس من المؤسسات، دينية وسياسية وثقافية وقانونية، وساروا خلف شخوص أعجبهم تحققهم بغض النظر عن المسار والأسلوب.
لم يعد نجوم الوطن هُم مفكروه، ولا علماؤه، ولا أصحاب الأدمغة النشطة، وإنما صُناع الترافيك، وأثرياء الصدفة، وتجار المواقف واللقطات.
نسي الناس توفيق الحكيم، وسلامة موسى، ومحمد فوزي، ويحيي حقي، ومصطفى مشرفة، ومحمود مُرسي، وصلاح عبد الصبور، وتحلق الشباب حول ويجز، وكسبرة، وأم جاسر، ورموز التريندات. تغيّرت القدوة بفضل سطوع نجوم الفتونة والعنف بأعمالهم المؤثرة فبات محمد رمضان، وأحمد العوضي، ومحمد سامي هم الأكثر حضورا وتأثيرا. تسيّد أنصاف وأرباع المؤهلين علميا وقيميا وأخلاقيا في مقاعد عُليا، زُيفت الصور، وزورت الحقائق، وتردت المعان، فخفت الجمال.
على مدى خمسين عاما وأكثر تهاوى قطار المُجتمع القيمي بصورة لم تشهدها مصر من قبل عقب صدمة هزيمة يونيو 1967. وعندما لجأ البعض إلى الدين لينقذ ما يُمكن انقاذه في هذا المجتمع الكبير، تم تحريف التوجه لتوظيف قشوره في مزيد من العنف والتعصب والانغلاق. فطالت الذقون، وقصرت الهمم، وانتشرت المسابح، وانزوى التسامح، ودخل الحجاب كل بيت، وخرج الذوق وحسن المعاملات ومحبة الآخرين من النفوس.
بعين المثقف، ألمح تعرج الخط العام للتحضر في مصر. بالمصادفة أشاهد لقطات من حفلات أم كلثوم في الخمسينات والستينات فأبصر ناسا غير الناس، وجوها هادئة، وملابس أنيقة، ومظاهر بهجة رائقة مُتحضرة. أشاهد في الأفلام القديمة مشهد فتح الزوج باب السيارة لزوجته، وأستغرب كيف لم أبصره واقعا في أيامنا الآنية.
أسأل نفسي كثير من الأسئلة ولا أجد إجابة شافية : فمثلا لماذا لم يعد احترام المرأة في بلادنا أصيلا كما كان، فلا يتحرش بها حيوان بشري، ولايؤذها مؤذ، وتمضي في الحياة بيسر وسلاسة؟ ما يدفع كثيرون إلى استسهال إدانة المرأة دائما أيا كان الموقف والتمترس ضد هذا الكائن الأضعف؟ ثُم كيف يعود إحساس الناس مرة أخرى بالفن والثقافة والجمال؟ وكيف يُدرك كل ذي لب عمليا أن الدين هو المعاملة، وأن الرحمة بالإنسان والحيوان فوق كل اعتبار؟ ومتى تختفي مشاهد الجلسات العرفية والأحكام الشعبية واتفاقات البشعة، ليعلو مبدأ سيادة القانون كل شئ؟
والأهم من ذلك كله : متى تعود مصر إلى مصر؟
الله أعلم
مصطفى عبيد
[email protected]
المصدر
المصدر: بوابة الوفد
كلمات دلالية: صلاح عبد الصبور
إقرأ أيضاً:
شريف نور الدين: قرار إيقاف مهرجان الإسكندرية لدول المتوسط شجاع| خاص
أعرب الإعلامي شريف نور الدين عن سعادته بقرار اللجنة العليا للمهرجانات القاضي بإيقاف إقامة الدورة المقبلة من مهرجان الإسكندرية السينمائي لدول البحر المتوسط.
وأكد نور الدين أن القرار "شجاع وجريء ويستحق الدعم"، مشيراً إلى أن المهرجانات الفنية يجب أن تستند إلى أبعاد ثقافية وسياحية واضحة، وأن فقدان هذه المقومات يفقدها مبررات إقامتها من الأساس.
وأضاف أن المهرجانات لا تقام بالنوايا فقط، وإنما بالعمل الجاد والجهد المتواصل، فضلاً عن القدرة على تحقيق الاكتفاء، واستقطاب الأفلام المتميزة، والحصول على الرعاة والداعمين.
وتساءل نور الدين عن جدوى إقامة مهرجان يفتقد إلى الأسس الفنية القوية، مؤكداً ضرورة مراجعة جميع تفاصيل هذا الحدث، سواء على المستوى الإداري أو الفني، مع التوقف لتقييم حجم الاستفادة المتحققة من الدعم المالي الذي تقدمه الدولة.
وشدد على أهمية إجراء مراجعة شاملة لتجربة المهرجان بما يسهم في تطويره وتعزيز دوره الثقافي والفني خلال الفترات المقبلة.
وقررت اللجنة العليا للمهرجانات، برئاسة الدكتورة جيهان زكى وزيرة الثقافة، عدم التصريح بإقامة الدورة الـ42 من مهرجان الإسكندرية السينمائي لدول البحر المتوسط، والتي كان مقررًا تنظيمها خلال الفترة من 26 إلى 30 سبتمبر المقبل، برئاسة الكاتب الصحفي والناقد الأمير أباظة.
وجاء القرار خلال اجتماع اللجنة العليا للمهرجانات، الذي عقد لمناقشة أوضاع المهرجان عقب الخلافات التي شهدتها جمعية كتاب ونقاد السينما، والجهة المنظمة للمهرجان، إلى جانب مراجعة أداء المهرجان خلال السنوات الأخيرة. وبحسب ما انتهت إليه اللجنة، فإن قرار عدم التصريح بإقامة الدورة المقبلة جاء بسبب ما وصفته بتراجع مستوى المهرجان خلال الدورات الأخيرة، وابتعاده عن تحقيق الأهداف الثقافية والفنية التي أُسس من أجلها، وذلك وفقًا لما تمت مناقشته خلال الاجتماع.
وشهد الاجتماع حضور عدد من أعضاء اللجنة العليا للمهرجانات وقيادات العمل الثقافي والفني، من بينهم الدكتور أشرف زكي، والمنتج محمد العدل، والمخرج عمر عبدالعزيز، الناقد طارق الشناوي، والموسيقار راجح داوود، إلى جانب عدد من قيادات وزارة الثقافة.