في لحظة إقليمية ودولية مضطربة، يتصرف اليمين الإسرائيلي كما لو أنه أمام فرصة تاريخية لا تتكرر، فيندفع لإعادة تشكيل الضفة الغربية قانونيا وجغرافيا، عبر مسار تراكمي يُحوّل السيطرة العسكرية إلى سيادة فعلية، ويقوّض عمليا فكرة الدولة الفلسطينية.

هذا المسار لم يعد يقتصر على توسيع المستوطنات، بل يتجلى في تسجيل أراض فلسطينية بأسماء دولة إسرائيل، وربط كتل استيطانية بالقدس لتوسيعها خارج حدود عام 1967، بما يُخرج المدينة نهائيا من أي تفاوض مستقبلي ويعيد تعريفها كعاصمة موحّدة تحت السيادة الإسرائيلية.

وفي حلقة برنامج "ما وراء الخبر"، وضع الأكاديمي والخبير في الشؤون الإسرائيلية الدكتور مهند مصطفى هذا التحول في سياق أوسع، معتبرا أن ما يجري يستند إلى ركيزتين: صمت دولي غير مسبوق، وقناعة أيديولوجية لدى اليمين بأن اللحظة مواتية لحسم الملف الفلسطيني.

ووفق تحليل مصطفى، لم تعد إسرائيل تأبه كثيرا بالانتقادات الأوروبية، فيما انحسر الضغط الأمريكي إلى حدود لا تمس جوهر السياسات في الضفة، ومنح هذا الفراغ في الردع اليمين الاستيطاني إحساسا بأنه أمام "لحظة معجزة إلهية" ينبغي استثمارها قبل أن تتبدد.

لكن الحسم -كما يوضح مصطفى- لا يأتي عبر إعلان ضم شامل قد يستفز واشنطن، بل من خلال ضم قانوني بطيء وزاحف، تُسنّ فيه قوانين عينية حول قضايا محددة، غير أن تراكمها ينتج واقعا سياديا كاملا دون إعلان رسمي صريح.

خطوة استباقية

ويعزز الخبير في شؤون الاستيطان خليل تفكجي هذا التوصيف من زاوية ميدانية رقمية، إذ يرى أن تسجيل الأراضي بأسماء الدولة ليس إجراء إداريا عاديا، بل خطوة استباقية تهدف إلى تحصين المستوطنات من أي طعون قضائية مستقبلية قد تؤدي إلى تفكيكها.

ويشير إلى أن نقل الصلاحيات في مناطق "ج" التي تشكل نحو 60% من مساحة الضفة، يعني عمليا سحب أي هامش إدارة فلسطينية وتحويل السيطرة الأمنية إلى إدارة مدنية وقانونية إسرائيلية كاملة تُعيد تعريف العلاقة بين الأرض والسكان.

إعلان

وتعكس أرقام تفكجي عمق التحول، فعشرات الأحواض في القدس سُجلت بغالبيتها الساحقة باسم الدولة، فيما تتآكل المساحات المتبقية للفلسطينيين تدريجيا، ومع تحويل أراضٍ إلى محميات أو مناطق تدريب عسكري، تتكامل أدوات السيطرة تحت مظلة قانونية متعددة المصادر.

ويلفت الخبير في شؤون الاستيطان أيضا إلى توظيف متزامن للقانون العثماني والبريطاني والأردني والإسرائيلي، إضافة إلى "قانون أملاك الغائبين"، في عملية تشريعية مركّبة هدفها النهائي تكريس أكبر مساحة ممكنة كأملاك دولة تمهيدا لضم سياسي عندما تسمح الظروف الدولية.

سياق داخلي

من جهته، يربط أستاذ العلوم السياسية في جامعة بيرزيت الدكتور غسان الخطيب هذا الاندفاع بالسياق السياسي الإسرائيلي الداخلي، مشيرا إلى أن عام الانتخابات يعمّق المزايدات حول "يهودا والسامرة"، باعتبارها جوهر المشروع الصهيوني في وعي الأحزاب اليمينية.

ويرى أن وجود إدارة أمريكية يقترب موقفها من الرؤية الإسرائيلية في ملف الاستيطان شكّل عاملا حاسما في تعزيز شعور الحكومة بأن كلفة التحرك محدودة، وأن ميزان القوى الدولي لا يفرض قيودا حقيقية في هذه المرحلة.

بيد أن مصطفى يميّز بين أيديولوجية نتنياهو وبراغماتيته السياسية، ففي الأولى يؤمن -وفق قراءته- بضرورة السيطرة الأمنية على الضفة باعتبارها جزءا من إسرائيل التاريخية، لكنه سياسيا مستعد للتراجع إذا واجه ضغطا أمريكيا مباشرا أو عقوبات مؤثرة.

بمعنى أن المشروع ليس قدرا مغلقا، بل رهين ميزان الردع، فإذا فُرضت عقوبات أو ضغوط جدية، يرجّح مصطفى أن يعيد نتنياهو حساباته كما فعل في محطات سابقة، أما استمرار الصمت فيعني استمرار الضم الزاحف بلا أثمان فورية.

الهدف النهائي

ويحذر تفكجي في المقابل من أن الواقع على الأرض يقترب من نقطة يصعب التراجع عنها، إذ إن تقليص الوجود الفلسطيني في مناطق واسعة خصوصا عبر هدم المنازل وطرد التجمعات البدوية، يهدف إلى خلق بيئة سكانية يمكن التحكم بها بأقل كلفة سياسية.

ويقدّر أن الهدف النهائي يتمثل في أرضٍ بأقل عدد ممكن من السكان الفلسطينيين، بحيث يتحول من تبقى إلى جيوب خاضعة لسيطرة إسرائيلية كاملة دون منحهم حقوقا سياسية، مما يعيد تعريف الضفة كفضاء إداري تحت سيادة أحادية.

هذا السيناريو، كما يلمّح مصطفى، يقود إلى تكريس واقع يطابق تعريفات نظام الأبارتهايد حيث تُفرض سيطرة كاملة على الأرض دون مساواة في الحقوق، وهو توصيف لم يعد محصورا في الخطاب الفلسطيني بل يتردد في تقارير حقوقية دولية.

مع ذلك، يشدد الخطيب على أن المعادلة ليست أحادية الاتجاه، فصمود الفلسطينيين خصوصا في القرى المحاذية للمستوطنات وفي القدس الشرقية يعرقل أحيانا قدرة إسرائيل على فرض الوقائع بسهولة، ويُبقي الصراع مفتوحا على مقاومة يومية.

بيد أن هذا الصمود -وفق تقديره- يحتاج إلى دعم سياسي وإعلامي ودبلوماسي منظم يعيد تسليط الضوء الدولي على ما يجري في الضفة، كما حدث في سياق الحرب على غزة، ويحوّل الكلفة المعنوية إلى ضغط سياسي فعلي.

المصدر

المصدر: الجزيرة

كلمات دلالية: وسم حريات دراسات

إقرأ أيضاً:

«100 سنة غنا».. الحجار يعيد أمجاد عمار الشريعى في سهرة طربية بالأوبرا

تستمر رحلة المشروع الفنى «100 سنة غنا» داخل دار الأوبرا المصرية، المقام بالتعاون مع الفنان على الحجار، حيث تعقد أمسية لنخبة من مؤلفات الموسيقار الراحل عمار الشريعى بمصاحبة الأوركسترا بقيادة المايسترو أحمد عاطف وتستضيف الفنانين حسن فؤاد وأمانى سمير ومن إخراج أحمد فؤاد، وذلك فى السابعة والنصف مساء يوم الجمعة المقبل، على المسرح الكبير.

يروي العرض المشوار الفنى للموسيقار عمار الشريعى من خلال مجموعة مختاره من ألحانه الخالدة التى رسخت فى وجدان أجيال منها الشهد والدموع، انتى طلعتيلى منين، ماتمنعوش الصادقين، لو مش حتحلم معايا، اتنين، ليلى ويا ليلى، موسيقى هالة والدراويش - نصف ربيع الآخر - حلمت، على يا على، دويتو حبيبتى من ضفايرها، الرحايا، مبسوطين، أرابيسك، يا لولا دقة ايديكى، راحل، على كتف صاحبى، حديث الصباح والمساء، مسلسل الأيام، الحدود، هنا القاهرة ومن الرباعيات صوتك معايا، بعد الظلام، من الساعة دى.

يذكر أن المشروع الفنى «100 سنة غنا»، يضم سلسلة من العروض التى ترصد تاريخ الموسيقى والغناء العربى وتطوره خلال القرنين التاسع عشر والعشرين مع تناول أهم الموسيقيين خلال تلك الفترة فى شكل يجمع الغناء بالدراما والإستعراض ويهدف إلى تأكيد ريادة مصر الفنية وتعريف الأجيال الجديدة بالتراث والتعبير عن التحولات الإجتماعية والسياسية التى مر بها المجتمع إلى جانب إكتشاف ومنح الفرصة للمواهب والأصوات الشابة وإلقاء الضوء على قدراتهم الإبداعية.

مقالات مشابهة

  • القوات المسلحة تفتتح فندقي «رأس البر والمشير أحمد بدوى - الأبيض» بعد الانتهاء من أعمال التطوير
  • ورقة علمية: إيران تقترب من القدرة النووية الكاملة دون إعلان امتلاك السلاح
  • إسرائيل مستاءة... هذه كواليس الجلسة الأولى من المُفاوضات اللبنانيّة - الإسرائيليّة
  • العدو الإسرائيلي يصدر ويجدد أوامر اعتقال إداري لـ62 فلسطينياً من الضفة
  • تحرك مالي ضخم يعيد رسم «سوق العملة» في ليبيا
  • في معركة الاستقلال (5): هندسة التوازن.. كيف تناور الدول بين القوى الكبرى؟
  • «100 سنة غنا».. الحجار يعيد أمجاد عمار الشريعى في سهرة طربية بالأوبرا
  • الشيخ المنشاوى يتصدر تريند إكس بعد إعلان إذاعة القرآن الكريم بث المصحف المرتل الجديد
  • انتقادات حادة لنتنياهو بعد إعلان ترامب وقف ضربة إسرائيلية على بيروت
  • تل أبيب تطلب ضوءًا أخضر أمريكيًا لتوسيع عملياتها داخل لبنان | إسرائيل تعلن السيطرة على قلعة الشقيف جنوب لبنان .. وجيش الاحتلال يصدر أوامر إخلاء جديدة