كيف نفهم النص النبوى الشريف؟ (أخيرة)
تاريخ النشر: 17th, February 2026 GMT
إن أوجه المناسبة التي عني العلماء بملاحظتها ذات صلة منطقية بفهم الحديث، فهم يؤمنون بوجود معنى محدد يقصده النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا ما أرادوا فهمه فإنهم يُعملون كل القرائن التي تؤثر في الفهم، فينظرون إلى النص من خلال اللغة وقواعدها ودلالاتها، ويحتكمون إلى معهود العرب في فهمهم لها، و ينظرون إلى النص من خلال النصوص الشرعية الأخرى، وفق سياقاتها، والقرائن التي تحف بها، وبذلك فإن فهمهم يبنى على مرجعية، ومعيار يضبط طريقة الفهم.
ويمكن تطبيق هذا المعيار في فهم النصوص في كل عصر، ويمكن من خلاله الاستفادة من النصوص الشرعية بإعطاء حلول للمشكلات المعاصرة، و التعامل مع صور الحياة المتجددة على نسق منتظم مع اجتهادات العلماء، واستنباطات سلف الأمة، أي أن هذا المعيار، وهذه المرجعية تحمي الفهم من الجمود من جهة، كما تحميه من الفوضى من جهة أخرى، تحميه من جمود المدرسة الظاهرية التي تقف عند ظاهر النص، وترفض القياس والتعليل، فتقصر عن إدراك المعاني غير المنصوص عليها، و تعجز عن إعطاء أحكام لمستجدات الحياة، و صورها المتكاثرة مبنية على النصوص الشرعية.
وتحميه كذلك من فوضى المدرسة الباطنية التي يزعم أهلها أن للشريعة ظاهرا وباطنا، وأن الناس يعلمون علم الظاهر والإمام، أو الولي يعلم علم الباطن. وهم يرون أن مقصد الشارع ليس فيما يتبادر إلى الذهن من المعاني الظاهرة التي تدل عليها القواعد اللغوية وسياق النصوص، وقرائن الأحوال، بل المقصد فيما وراء الظاهر من المعاني الباطنة التي قد تكون بعيدة كل البعد عن المعنى اللغوي، ووجوه البيان التي استخدمها العرب.
وقريب من هذه النزعة الباطنية بعض أصحاب النزعة العقلانية التي تتمرد على فهم السلف، ولا ترضى بقواعدهم في الفهم والاستنباط، بل يتطرف بعضهم فيقول في النصوص الشرعية ما يقوله بعض أصحاب النقد الغربي المعاصر أنه لا يوجد معنى واحد للنص، وأن المعنى يتشكل مع كل قارئ، بل مع كل قراءة، فقد يقدم القارئ الواحد للنص اليوم معنى يختلف عن المعنى الذي يقدمه له غدًا اختلاف تضاد، فلا يحتكمون إلى معيار، و بناء على ذلك يستطيع كل إنسان أن يدعى أي معنى لأي لفظ أو نص من النصوص، وهذه فوضى تؤدي إلى نتيجة حتمية هي إلغاء النصوص الشرعية، وإيجاد شرائع جديدة تتعدد بتعدد الأفهام والأشخاص.
ويصدق في هؤلاء قول القائل: "قوم اعتقدوا معاني ثم أرادوا حمل ألفاظ القرآن عليها"، وإن أحسنا الظن في أصحاب هذه المناهج القاصرة فإن الاستقراء لأقوالهم في بيان معاني النصوص الشرعية، وقواعد فهمها يشير إلى أنهم جميعا قد تجاوزا قوانين اللغة بشكل أو بآخر، ولذلك روي عن شيخ القراء واللغويين أبي عمرو بن العلاء أنه قال: "إن أكثر المتزندقين في بغداد إنما أُتوا من قبل جهلهم باللغة العربية"، وكرر المعنى نفسه لعمرو بن عبيد رأس المعتزلة حين قال له: "إنما أُتِيت أبا عثمان من عُجْمَتكَ".
فى نهاية هذه السلسلة من المقالات أرجو أن أكون قد وقفنى الله فى جمع القواعد والأسس التى تمكنا من فهم النص النبوى الشريف، وأسأله سبحانه أن يعلمنا ما جهلنا، وأن ينفعنا بما تعلمنا، ويوفقنا للعمل الخالص لوجهه الكريم.
[email protected]
المصدر
المصدر: الأسبوع
كلمات دلالية: النصوص الشرعیة
إقرأ أيضاً:
الفارسي: جهود القيادة العامة لمكافحة الهجرة غير الشرعية تعزز الأمن القومي
قال أستاذ العلوم السياسية، يوسف الفارسي، إن ملف الهجرة غير الشرعية يُعد من أكثر الملفات تعقيدًا على مستوى ليبيا ومنطقة البحر المتوسط، مشيرًا إلى أن الظاهرة تمثل تحديًا أمنيًا وإنسانيًا وإقليميًا يتطلب تضافر الجهود لمواجهتها.
وأوضح الفارسي، في حديث لقناة “ليبيا الحدث”، رصدته “الساعة24″، أن إعلان القيادة العامة عن استمرار التنسيق والتعاون مع جهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية لتنفيذ عمليات مشتركة تستهدف شبكات تهريب البشر، والحدّ من نشاطها يأتي في إطار مواجهة ما تشكله هذه الظاهرة من تأثيرات على الأمن القومي الليبي.
ورأى أن قضية الهجرة لا تقتصر على ليبيا وحدها، بل تشمل مختلف دول الضفة الجنوبية للبحر المتوسط، مثل ليبيا والجزائر وتونس والمغرب وموريتانيا، إلى جانب دول الضفة الشمالية الأوروبية، ومنها إيطاليا وإسبانيا وفرنسا ومالطا والبرتغال، والتي تواجه بدورها تحديات متزايدة مرتبطة بتدفقات المهاجرين.
وأضاف أن ليبيا أصبحت في الوقت الراهن بلد استقبال وعبور ومصدر للهجرة في آن واحد، وهو ما يجعل التعامل مع هذا الملف أكثر تعقيدًا.
وأشار الفارسي، إلى أن الأجهزة الأمنية والعسكرية، وفي مقدمتها القيادة العامة والقوات المسلحة والأجهزة الشرطية وجهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية، تؤدي أدوارها في مواجهة الظاهرة، إلا أن الأعداد الكبيرة للمهاجرين غير الشرعيين تفرض تحديات ميدانية ولوجستية كبيرة.
ولفت إلى أن هناك ترتيبات وإجراءات تتخذها القيادة العامة لمعالجة هذا الملف، من بينها إغلاق الحدود الجنوبية، معتبرًا أن هذه الخطوة تمثل إجراءً مهمًا واستراتيجيًا للحد من تدفق المهاجرين غير الشرعيين إلى الأراضي الليبية.
وفيما يتعلق بتأثير الظاهرة على الأمن القومي، أكد الفارسي، أن الهجرة غير الشرعية تشكل تهديدًا مباشرًا للأمن والاستقرار، موضحًا أن بعض المهاجرين قد يكونون متورطين في أنشطة إجرامية أو يشكلون أعباءً إضافية على المنظومة الخدمية والأمنية، الأمر الذي ينعكس على ليبيا ودول الجوار على حد سواء.
وبينّ أن ملف الهجرة يعد ملفًا دوليًا تتشارك في مواجهته العديد من الدول، مؤكدًا أن ليبيا ليست الدولة الوحيدة التي تعاني من هذه الظاهرة، لكنها تواجهها في ظل ظروف جغرافية وأمنية خاصة تجعل من التصدي لها أكثر صعوبة.
وفي حديثه عن أهمية العمليات الأمنية التي تنفذها القوات المسلحة والأجهزة المختصة، أوضح الفارسي، أن هذه الجهود تستهدف الحد من التسلل غير القانوني ومكافحة شبكات تهريب البشر، لافتًا إلى أن هذه الشبكات تحقق مكاسب كبيرة من أنشطتها غير المشروعة، ما يستدعي استمرار العمل الأمني والاستخباراتي لملاحقتها وتفكيكها.
وحول كيفية تحقيق التوازن بين الاعتبارات الإنسانية والسيادة الوطنية، شدد الفارسي، على ضرورة احترام القوانين والضوابط المنظمة لدخول الأجانب إلى البلاد، مؤكدًا أن التعامل الإنساني مع المهاجرين يجب أن يتم في إطار قانوني يحفظ حقوق الجميع ويصون سيادة الدولة.
كما أشار إلى أن ليبيا تواجه تحديات أمنية وإقليمية متواصلة مرتبطة بهذا الملف، مؤكدًا أن الجهود المبذولة من قبل المؤسسات الأمنية والعسكرية مهمة، لكنها تحتاج إلى الاستمرار والتطوير لمواكبة حجم التحديات القائمة.
وأوضح الفارسي، أن التدفقات غير النظامية للمهاجرين لا تؤثر فقط على الدولة والمجتمع، بل تنعكس كذلك على أوضاع المهاجرين أنفسهم، حيث يتعرض الكثير منهم لمخاطر أمنية وإنسانية خلال رحلات العبور وفي مناطق التجمع، ما يجعل من مكافحة شبكات التهريب وتنظيم حركة الدخول والإقامة ضرورة لحماية الأمن العام والحفاظ على سلامة المهاجرين في الوقت ذاته.
وفي ختام حديثه، أكد الفارسي، أن معالجة ملف الهجرة غير الشرعية تتطلب رؤية شاملة تجمع بين تعزيز أمن الحدود، ومكافحة شبكات التهريب، وتطبيق القوانين المنظمة للهجرة، إلى جانب مراعاة الجوانب الإنسانية المرتبطة بالمهاجرين واللاجئين.
الوسومليبيا