خسارة فادحة: بطل كلاب الزلاجات في غرينلاند يخشى على ثقافته مع ذوبان الجليد
تاريخ النشر: 17th, February 2026 GMT
يقول بطل سباقات كلاب الزلاجات يورغن كريستنسن، البالغ من العمر 62 عاما، إن هذه أول مرة يتذكر فيها غياب الثلج في شهر يناير.
نشأ يورغن كريستنسن في قرية بشمال غرينلاند، وكانت أقرب أصدقائه كلاب الزلاجات التابعة لزوج أمه. كان معظم زملائه في الصف من شعب الإنويت ذوي الشعر الداكن، أما هو فكان مختلفا. وعندما كان يتعرض للتنمر في المدرسة بسبب شعره الأشقر – الموروث عن والده الدنماركي من البر الرئيسي الذي لم يعرفه قط – كان يجد في الكلاب ملاذا.
خرج لأول مرة معها لصيد الأسماك على الجليد وهو في التاسعة من عمره. هناك وُلدت قصة حب ستلازمه مدى الحياة، وبُنيت عليها مسيرته الرياضية كبطل لغرينلاند في سباقات زلاجات الكلاب خمس مرات.
يقول كريستنسن، الذي يبلغ من العمر 62 عاما: "كنت مجرد طفل صغير. لكن بعد سنوات طويلة بدأت أفكر في سبب حبي الشديد للكلاب".
كانت الكلاب سندا كبيرا لي. كانت ترفع من معنوياتي عندما أشعر بالحزن. Jørgen Kristensen بطل غرينلندي في سباقات زلاجات الكلابويتابع: "كانت الكلاب سندا كبيرا لي. كانت تواسيني وترفعني عندما أكون حزينا".
لأكثر من ألف عام، جرّت الكلاب الزلاجات عبر القطب الشمالي لصالح صيادي الفقمة والصيادين من الإنويت. لكن هذا الشتاء، في بلدة إيلوليسات الواقعة على بعد نحو 300 كيلومتر شمال الدائرة القطبية الشمالية، لم يعد ذلك ممكنا.
فبدلا من الانزلاق فوق الثلج والجليد، يرتجّ زلاجه اليوم فوق التراب والصخور. مشيرا إلى التلال المحيطة، يقول إنها المرة الأولى التي يتذكر فيها أن شهر يناير مرّ من دون ثلج – ومن دون جليد في الخليج.
Related باحث من سكان غرينلاند الاصليين يكشف وصول تلوث الاطارات الى القطب الشمالي ارتفاع درجات الحرارة في غرينلاند يساهم في صعود مستوى البحار عالميايرفع ارتفاع درجات الحرارة في إيلوليسات حرارة التربة الصقيعية ويذيبها، ما يتسبب في هبوط المباني وتشقق الأنابيب، وله أيضا تداعيات تمتد إلى بقية أنحاء العالم.
فنهر سيرمِك كوياليك الجليدي القريب من هنا يُعد واحدا من أسرع الأنهار الجليدية حركةً وأكثرها نشاطا في العالم، إذ يرسل إلى البحر جبالا جليدية أكثر من أي نهر جليدي آخر خارج القارة القطبية الجنوبية، وفقا لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة "يونسكو".
ومع ارتفاع حرارة المناخ، تراجع النهر الجليدي وراح يقتطع كتل الجليد بوتيرة غير مسبوقة، مساهما بشكل كبير في ارتفاع مستوى سطح البحر من أوروبا إلى جزر المحيط الهادئ، بحسب وكالة الفضاء الأميركية "ناسا".
وقد يكشف ذوبان الجليد عن مكامن غير مستغلة لمعادن استراتيجية. ويعتقد كثير من سكان غرينلاند أن هذا هو السبب الذي دفع الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى تحويل جزيرتهم إلى بؤرة توتر جيوسياسي، مع مطالبته بامتلاكها وتلميحاته السابقة إلى أن الولايات المتحدة يمكن أن تستولي عليها بالقوة.
يقول كريستنسن إنه في ثمانينيات القرن الماضي كانت درجات الحرارة شتاءً في إيلوليسات تستقر غالبا حول نحو 25 درجة مئوية تحت الصفر.
أما اليوم، كما يقول، فهناك أيام كثيرة تتجاوز فيها الحرارة درجة التجمد – بل قد تصل أحيانا إلى عشر درجات مئوية.
ويشير إلى أنه بات مضطرا إلى جمع الثلج في الطريق ليشربه كلابه أثناء الرحلة، لأنه لم يعد يجد ثلجا على طول المسار.
ومع أن سكان غرينلاند اعتادوا دوما التكيّف – ويمكنهم مستقبلا تركيب عجلات تحت زلاجات الكلاب – فإن اختفاء الجليد يمسّهم في العمق، كما يقول كريستنسن، الذي يدير اليوم شركته الخاصة ليُعرّف السياح بموطنه في القطب الشمالي.
ويتابع: "إذا فقدنا زلاجات الكلاب، فنحن نفقد أجزاء كبيرة من ثقافتنا. هذا الأمر يخيفني"، يقولها وهو يضغط شفتيه وتدمع عيناه.
في الشتاء، ينبغي أن يكون الصيادون قادرين على الانطلاق بكلابهم بعيدا فوق الجليد البحري، كما يقول كريستنسن. فصفائح الجليد تعمل كـ"جسور ضخمة"، تربط سكان غرينلاند بأراضي الصيد، وأيضا بالمجتمعات الأخرى من الإنويت في كندا والولايات المتحدة وروسيا عبر القطب الشمالي.
ويقول: "حين كان الجليد البحري يتكوّن، كنا نشعر بأن الساحل كله مفتوح أمامنا ويمكننا أن نقرر إلى أين نذهب".
أما هذا العام، ففي شهر يناير لم يكن هناك أي جليد على الإطلاق.
ويصف قيادة زلاجة الكلاب فوق الجليد بأنها أشبه بأن تكون "من دون أي حدود – كأنك على أطول وأعرض طريق سريع في العالم". ويضيف أن غياب ذلك "خسارة كبيرة جدا".
Related خطوة من الأمم المتحدة.. الخارجية الأمريكية: اقتراح تعويضات مناخية لجزر صغيرة تهديد كبير لصناعاتناقبل أعوام، اضطرت حكومة غرينلاند إلى تقديم دعم مالي للعديد من العائلات في أقصى شمال الجزيرة بعدما لم يتجمد الجليد البحري بما يكفي للخروج إلى الصيد، كما توضح سارة أولسفيغ، رئيسة مجلس الإنويت القطبي، الذي يمثل شعوب الإنويت في دول القطب الشمالية.
والطقس الأدفأ يجعل الحياة أكثر خطرا أيضا على الصيادين الذين استبدلوا زلاجات الكلاب بالقوارب، إذ باتوا يواجهون مزيدا من الأمطار بدلا من الثلوج، بحسب مورغان أنغاجو يوزيفسن رويكيار، شريك كريستنسن في العمل.
فعندما يهطل الثلج ثم ينضغط، تُحتجز فقاعات هواء بين البلورات، وهو ما يمنح الجليد لونه الأبيض الساطع. لكن عندما يتجمد المطر، يتكون جليد يحوي هواء أقل بكثير ويبدو أقرب إلى الزجاج.
ويمكن للصياد أن يرى الجليد الأبيض فيحاول تجنبه، لكن الجليد المتشكل من المطر يكتسب لون البحر نفسه، وهذا ما يجعله خطيرا لأنه "قد يغرقك أو يقذفك خارج القارب"، على حد قول رويكيار.
وتقول أولسفيغ إن "تغير المناخ يؤثر فينا بعمق"، وإن مفاعيله تتضخم في القطب الشمالي، الذي يسخن بثلاث إلى أربع مرات أسرع من المتوسط العالمي.
يقول كارل ساندغرين، البالغ من العمر 46 عاما، ورئيس مركز مضيق الجليد في إيلوليسات المكرّس لتوثيق النهر الجليدي وكتله الجليدية، إن نهر سيرمِك كوياليك الجليدي تراجع خلال حياته بنحو 40 كيلومترا.
ومن نافذة المركز المطلة على تلال كان يفترض أن تغطيها طبقات الثلج، يصف ساندغرين صخورا جبلية كشفها ذوبان الجليد، وواديًا داخل المضيق كان مكسوا بالجليد حيث "لم يعد هناك شيء الآن".
ويضيف أن التلوث يسرّع أيضا ذوبان الجليد، موضحا أن نهر سيرمِك كوياليك يذوب من الأعلى إلى الأسفل، بخلاف الأنهار الجليدية في القارة القطبية الجنوبية، التي يذيبها أساسا ارتفاع حرارة مياه البحر من الأسفل.
Related معضلة حماية الطبيعة: ازدياد أعداد "البوما" يهدد مستعمرات البطريق في الأرجنتينويُفاقم هذا الاتجاه عاملان: الكربون الأسود، أي السخام المنبعث من محركات السفن، والمواد المتساقطة من الانفجارات البركانية. فهما يغطيان الثلج والجليد بطبقة داكنة تقلل انعكاس أشعة الشمس، ما يؤدي إلى امتصاص قدر أكبر من الحرارة وتسريع الذوبان. وقد ازداد الكربون الأسود في العقود الأخيرة مع تزايد حركة السفن في القطب الشمالي، بينما تشهد آيسلندا المجاورة انفجارات بركانية دورية.
وأوضح كثير من سكان غرينلاند لوكالة "أسوشيتد برس" أنهم يعتقدون أن ذوبان الجليد هو السبب الذي يدفع ترامب – الزعيم الذي وصف تغير المناخ بأنه "أعظم عملية احتيال في التاريخ" – إلى السعي لامتلاك الجزيرة.
ويقول ساندغرين: "أجندته هي الحصول على المعادن".
ويشير إلى أنه منذ عودة ترامب إلى منصبه تراجع عدد علماء المناخ الأميركيين الذين يزورون إيلوليسات. وبرأيه، فإن الرئيس الأميركي يحتاج إلى "الاستماع إلى العلماء" الذين يوثّقون آثار الاحترار العالمي.
يقول كريستنسن إنه يحاول شرح عواقب الاحترار العالمي للسياح الذين يأخذهم في جولات بزلاجات الكلاب أو في زيارات إلى الجبال الجليدية. ويخبرهم أن أنهار غرينلاند الجليدية لا تقل أهمية عن غابة الأمازون المطيرة في البرازيل.
ويرى أن القمم الدولية، مثل مؤتمرات الأمم المتحدة للمناخ المقررة في نوفمبر في مدينة بيليم، بوابة الأمازون في البرازيل، تؤدي دورا مهما، لكن الأهمية نفسها تكمن في "تثقيف الأطفال في كل أنحاء العالم" بشأن أهمية الجليد والمحيطات، إلى جانب مواد مثل الرياضيات، كما يقول كريستنسن.
ويضيف: "إذا لم نبدأ مع الأطفال، فلن يكون بوسعنا أن نفعل شيئا حقيقيا لمساعدة الطبيعة. كل ما سنفعله هو تدميرها".
انتقل إلى اختصارات الوصول شارك محادثة
المصدر
المصدر: euronews
كلمات دلالية: إيران غرينلاند الصراع الإسرائيلي الفلسطيني الحرب في أوكرانيا إسرائيل الذكاء الاصطناعي إيران غرينلاند إيران غرينلاند الصراع الإسرائيلي الفلسطيني الحرب في أوكرانيا إسرائيل الذكاء الاصطناعي إيران غرينلاند كلاب الاحتباس الحراري والتغير المناخي إيران غرينلاند الصراع الإسرائيلي الفلسطيني الحرب في أوكرانيا إسرائيل الذكاء الاصطناعي دونالد ترامب غزة فرنسا تحقيق اعتداء جنسي الضفة الغربية القطب الشمالی سکان غرینلاند الجلید البحری ذوبان الجلید ینایر 2026 کما یقول
إقرأ أيضاً:
من الذي أوقف الحرب.. ولماذا الآن؟
عباس الزدجالي
abbas@omanamana.com
كشفت التقارير المتزامنة التي نشرتها صحف ومؤسسات إعلامية دولية بارزة، من بينها هآرتس وفايننشال تايمز ورويترز وأكسيوس، عن مشهد غير مألوف في العلاقة بين واشنطن وتل أبيب. فبحسب هذه الروايات، لم يكن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يستعد فقط لتوسيع العمليات العسكرية في لبنان، بل كانت هناك خطط لضربات أكبر قد تطال بيروت نفسها، قبل أن يتدخل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب شخصيًا في اللحظات الأخيرة لوقف التصعيد أو الحد منه.
وتذهب بعض التقارير إلى أبعد من ذلك، متحدثة عن مكالمة غاضبة وغير مسبوقة بين ترامب ونتنياهو، استخدم خلالها الرئيس الأمريكي لغة حادة عكست حجم التوتر بين الرجلين. وبغض النظر عن دقة كل عبارة منسوبة إلى المكالمة أو مدى صحة التسريبات المتداولة، فإن تعدد المصادر وتطابق الخطوط العامة للرواية يشيران إلى وجود خلاف حقيقي حول مسار الحرب وحدودها، وليس مجرد اختلاف تكتيكي عابر.
اللافت في هذه التطورات أن ترامب لم يكن طوال السنوات الماضية معروفًا بممارسة ضغوط جدية على الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، بل على العكس، ارتبط اسمه بأكثر المواقف الأمريكية دعمًا لإسرائيل. ولذلك فإن تدخله المفاجئ لوقف أو تأجيل عملية عسكرية واسعة يثير تساؤلات عديدة حول الدوافع الحقيقية وراء هذا التحول.
قد يكون أحد التفسيرات أن الإدارة الأمريكية بدأت تدرك أن استمرار التصعيد يهدد بتوسيع دائرة الحرب إلى مستوى يصعب احتواؤه. فبعد أشهر طويلة من القتال والدمار في غزة، والتوتر المتصاعد على الجبهة اللبنانية، والمواجهة المفتوحة مع إيران، باتت المنطقة أقرب إلى حافة انفجار إقليمي شامل. وفي مثل هذا السيناريو، لن تكون الكلفة مقتصرة على إسرائيل أو خصومها فقط، بل ستمتد إلى المصالح الأمريكية المنتشرة في أنحاء الشرق الأوسط، وإلى الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة والممرات البحرية الحيوية.
كما أن واشنطن تُدرك أن صورتها الدولية تعرضت خلال الفترة الماضية إلى ضرر كبير نتيجة مشاهد الدمار وسقوط أعداد هائلة من الضحايا المدنيين؛ فالدعم الأمريكي غير المشروط لإسرائيل أصبح موضع انتقاد متزايد حتى داخل الولايات المتحدة نفسها، وبين قطاعات واسعة من الرأي العام الغربي. ومع اقتراب الاستحقاقات السياسية الداخلية، لا يمكن تجاهل أثر هذه التطورات على الحسابات الانتخابية والسياسية لأي إدارة أمريكية.
أما نتنياهو، فيبدو بدوره محاصرًا بين ضغوط متناقضة. فمن جهة يواجه مطالب متزايدة من اليمين المتطرف بمواصلة التصعيد وتوسيع العمليات العسكرية، ومن جهة أخرى يواجه انتقادات داخلية متصاعدة بسبب طول أمد الحرب وتكاليفها البشرية والاقتصادية والسياسية. ولذلك فإن أي تراجع أو قبول بوقف التصعيد قد يُفسَّر من قبل خصومه وحلفائه على حد سواء باعتباره رضوخًا للضغوط الأمريكية.
لكن ما تكشفه هذه الأزمة يتجاوز شخص ترامب أو نتنياهو؛ فهي تُذكِّر بحقيقة كثيرًا ما يجري تجاهلها في الخطاب السياسي والإعلامي، وهي أن العلاقة الأمريكية الإسرائيلية، مهما بدت وثيقة، ليست علاقة تطابق كامل في المصالح. فعندما تشعر واشنطن بأن سياسات تل أبيب تهدد أولوياتها الاستراتيجية الأوسع، فإنها لا تتردد في التدخل، ولو خلف الأبواب المغلقة، لإعادة رسم الحدود التي لا ينبغي تجاوزها.
وفي المقابل، تكشف الأحداث أيضًا حجم المأزق الذي وصلت إليه المنطقة بأسرها. فبعد شهور طويلة من الحروب والدمار وسقوط الضحايا في غزة ولبنان وإيران، لم يعد السؤال من انتصر ومن خسر في معركة هنا أو هناك، بل إلى أين يقود هذا المسار الجميع. فالحروب قد تبدأ بقرار سياسي، لكنها كثيرًا ما تنتهي بنتائج لم يتوقعها حتى الذين أشعلوها.
ولهذا فإن السؤال الأهم في نهاية المطاف ليس ما إذا كان ترامب قد أوقف هجومًا على بيروت، ولا ما إذا كان نتنياهو قد تراجع تحت الضغط الأمريكي، بل لماذا حدث ذلك الآن تحديدًا؟ هل كان الأمر تعبيرًا عن إدراك متأخر بأن المنطقة تقف على حافة انفجار شامل؟ أم أنه محاولة من واشنطن لإنقاذ نفسها من تداعيات سياسات ساهمت هي نفسها في صنعها؟ أم أن كلفة استمرار الحرب أصبحت ببساطة أعلى من قدرة الجميع على تحملها؟
ذلك هو السؤال الذي ستحدد إجابته ليس فقط مستقبل العلاقة بين ترامب ونتنياهو، بل ربما مستقبل الشرق الأوسط بأسره في السنوات المقبلة.