الأوقاف تحدد موضوع خطبة الجمعة المقبلة.. «رمضان شهر الإرادة والكرم»
تاريخ النشر: 17th, February 2026 GMT
حددت وزارة الأوقاف موضوع خطبة الجمعة المقبلة 20 فبراير 2026، الموافق 2 رمضان 1447هـ، وهي بعنوان «رمضان شهر الإرادة والكرم».
وأوضحت الأوقاف أن الهدف من موضوع خطبة الجمعة، هو الحث على تحقيق مقاصد الصيام، بإصلاح النفس ومد يد العون للغير.
نص موضوع خطبة الجمعة المقبلةالحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه واتبع هداه، أما بعد
فإن رمضان شهرُ الإرادة، لأنَّه الميدان الذي يتعلَّم فيه الإنسان كيف ينتصر على نفسه قبل أن ينتصر على غيره، ففيه يُمسك الصائم عن شهواته المباحة قبل المحرَّمة، لا لشيءٍ إلا امتثالًا لأمر الله، وتصديقًا لمعنى العبودية الصادقة، فإذا قدر على ترك ما يشتهيه وهو قادرٌ عليه، دلَّ ذلك على أن زمام نفسه بيده لا بيد هواه.
إن الصوم ليس امتناعًا عن الطعام والشراب فحسب، بل هو تدريبٌ يوميٌّ على الصبر، ومجاهدةٌ للنفس، وتربيةٌ للإرادة، حتى يصبح المؤمن قويَّ العزيمة، ثابتَ المبدأ، لا تزلزله الرغبات ولا تستعبده العادات، ولهذا كان رمضان مدرسةً ربانيةً تُخرِّج رجالًا ونساءً يملكون أنفسهم، ويعرفون أن أعظم نصرٍ يحققه الإنسان هو نصره على شهواته، وإليك بيان طرف من ذلك.
قال تعالى: ﴿یَٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ كُتِبَ عَلَیۡكُمُ ٱلصِّیَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِینَ مِن قَبۡلِكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٣]، فالتقوى ثمرة الصيام، وهي تعني ضبط النفس ومراقبة الله، وهذا هو جوهر الإرادة، والتقوى تولِّد في القلب يقينًا بالله، فمن اجتاز دورة الصيام بقلبٍ حاضر، وعزمٍ صادق، خرج منها وقد اشتدّ عوده، ورقّت روحه، وقويت إرادته، وارتقى في مدارج القرب، حتى يُكتب عند الله في زمرة الصائمين حقًّا.
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: «الصِّيَامُ جُنَّةٌ، فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَجْهَلْ، وَإِنِ امْرُؤٌ قَاتَلَهُ أَوْ شَاتَمَهُ، فَلْيَقُلْ إِنِّي صَائِمٌ» [رواه البخاري].
قال ابن عبد البر: "وأمّا قولُهُ: «فإنِ امرُؤٌ قاتَلَهُ أو شاتمَهُ، فليَقُل: إنِّي صائمٌ»، ففيه قولانِ:
أحدُهُما: أنَّهُ يقولُ للذي يُرِيدُ مُشاتمَتهُ ومُقاتلتَهُ: إنِّي صائمٌ، وصَوْمِي يمنعُني من مُجاوبتِكَ، لأنِّي أصُونُ صَوْمِي عن الخَنا والزُّورِ من القَولِ، فبِهذا أُمِرتُ، ولولا ذلك لانتصرتُ لنفسِي بمِثلِ ما قُلتَ لي سواءً، ونحو ذلك.
والمعنى حِينئذٍ على هذا التَّأوِيلِ في الحديثِ، أنَّ الصّائمَ نُهِيَ عن مُقاتَلةِ من قاتَلهُ بلسانِهِ ومُشاتمتِهِ، وعليه صَوْنُ صومه عن ذلك، وبهذا وردَ الحديثُ.
والقولُ الثّاني: أنَّ الصّائمَ يقولُ في نفسِهِ لنَفسِهِ: إنِّي صائمٌ يا نَفْسي، فلا سبِيلَ إلى شِفاءِ غَيْظِكِ بالمُشاتمَةِ، ولا يُظهِرُ قولهُ: "إنِّي صائمٌ"، لما فيه من الرِّياءِ، واطَّلاع النّاسِ على عَمَلِهِ، لأنَّ الصَّومَ من العَملِ الذي لا يَظْهرُ، ولذلك يجزِي اللهُ الصّائمَ أجرَهُ بغيرِ حِسابٍ" [التمهيد].
رمضانُ شهرُ الإرادةِ الصادقة، ومدرسةُ العزيمةِ التي تُهذِّب النفس وتُروِّضها على الصبر الجميل، فيه يتعلَّم الإنسان كيف يقود شهوته ولا تقوده، وكيف يملك زمام رغباته فلا تستعبده، ولهذا أرشد النبي صلى الله عليه وسلم الشبابَ الذين لا يجدون مؤونة الزواج إلى الصوم، وجعله لهم وِجاءً يحفظ عليهم عفافهم، كما في الحديث المتفق عليه: «وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ، فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ»، فالصوم حصنٌ منيع، وسياجٌ واقٍ، يخفف غليان الشهوة، ويزرع في القلب سكينةً تُعين على الطهر والاستقامة.
يقول الإمام ابن الهُمام -أحد فقهاء الحنفية- في فوائد الصوم: "شَرَعَهُ سُبْحَانَهُ لِفَوَائِدَ أَعْظَمُهَا: سُكُونَ النَّفْسِ الْأَمَّارَةِ، وَكَسْرَ سَوْرَتِهَا فِي الْفُضُولِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِجَمِيعِ الْجَوَارِحِ مِنْ الْعَيْنِ وَاللِّسَانِ وَالْأُذُنِ وَالْفَرْجِ، فَإِنَّ بِهِ تَضْعُفُ حَرَكَتُهَا فِي مَحْسُوسَاتِهَا، وَلِذَا قِيلَ: إذَا جَاعَتْ النَّفْسُ شَبِعَتْ جَمِيعُ الْأَعْضَاءِ وَإِذَا شَبِعَتْ جَاعَتْ كُلُّهَا" [فتح القدير].
ورمضان يمنح المسلم فرصةً عمليةً لمجاهدة النفس التي وصفها القرآن بقوله تعالى: ﴿وَمَاۤ أُبَرِّئُ نَفۡسِیۤۚ إِنَّ ٱلنَّفۡسَ لَأَمَّارَةُۢ بِٱلسُّوۤءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّیۤۚ إِنَّ رَبِّی غَفُورࣱ رَّحِیمࣱ﴾ [يوسف: ٥٣]، ففي هذا الشهر تُقيَّد الشهوات بسلاسل الإرادة، ويُدرَّب القلب على أن يقول "لا" حين تعصف الرغبات، وأن يختار رضا الله على نداء الهوى.
إنه شهرُ انتصارِ الإنسان على نفسه، وشهرُ تزكيةٍ تتجدَّد فيها العهود، فتسمو الروح، ويقوى العزم، ويخرج الصائم من مدرسته وقد تعلَّم أعظم دروس الحياة: أن من ملك نفسه ملك دنياه وآخرته.
يدع طعامه وشرابه من أجلي:
يقول تعالى في الحديث القدسي: «الصَّوْمُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَأَكْلَهُ وَشُرْبَهُ مِنْ أَجْلِي» [رواه البخاري]، وفي رواية أخرى: «يَدَعُ طَعَامَهُ وشَرابَهُ مِنْ أَجْلِي» [رواه أحمد]، عبارةٌ قصيرةُ الألفاظ، عظيمةُ المعاني، تفتح للقلب أبوابَ التأمل في سرِّ الصيام، وحقيقة الإرادة، وجوهر العبودية.
فالصائم حين تمتدُّ يده إلى الماء ثم يكفُّها، وحين تدعوه شهوةُ الطعام ثم يردعها، لا يفعل ذلك خوفَ رقيبٍ من البشر، ولا التزامًا بعادةٍ اجتماعية، وإنما يفعلُه لأن في قلبه يقينًا أن الله يراه، وهنا تتجلّى حقيقة الإرادة المهذَّبة، إرادةٌ لا يحكمها الجوع، ولا يقودها العطش، بل يوجِّهها الإيمان، إن النفس بطبعها ميّالةٌ إلى اللذة، فإذا استطاع الإنسان أن يقول لها: توقّفي -لا عجزًا بل طاعةً- فقد ارتقى من مرتبة الانقياد للشهوة إلى مرتبة السيادة عليها، وإلى هذا المعنى يشير القرآن الكريم بقوله: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَىٰ * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَىٰ﴾ [النازعات: ٤٠- ٤١]، فجعل الفوز الأبدي ثمرةً لنهي النفس، لأن تهذيب الإرادة هو الطريق إلى رضوان الله.
إن أعظم معركة يخوضها الإنسان هي معركته مع نفسه وهواه، يأتي رمضان ليقول لك: "أنت قادر".
إرادة الترك: إذا استطعت أن تترك الطعام والشراب الحلال بإرادتك طاعةً لله، فأنت أقدر على ترك الحرام والشبهات، فالصائم يمتلك "فرامل" قوية توقف شهواته عند حدود الله.
إرادة التغيير: كم من عادة سيئة (كالتدخين، الغيبة، ضياع الوقت،.. .) استعصت علينا طوال العام!، يأتي رمضان ليثبت لك أنك تملك الإرادة للتغيير، فمن صبر عن الماء البارد في ظهيرة حارة، قادر على أن يصبر عن المعصية.
ضبط الانفعالات: يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «فإن سَابَّه أَحَدُ أو قاتَلَهُ فليَقُل: إنِّي امْرُؤٌ صائمٌ»، هذه قمة الإرادة، أن تملك نفسك عند الغضب.
فحقيقة الإرادة في ميزان الإيمان ليست أن تفعل ما تشتهي، بل أن تملك نفسك حين تشتهي، ومن هنا كان الصوم مدرسةً ربانيةً تُعيد ترتيب الأولويات في القلب، حتى نتحقق بقول الله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُقَدِّمُواْ بَينَ يَدَيِ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ﴾ [الحجرات: ١]، يقول الإمام القرطبي: "أي لا تقدموا قولا ولا فعلا بين يدي الله وقول رسوله وفعله فيما سبيله أن تأخذوه عنه من أمر الدين والدنيا، ومن قَدَّم قوله أو فعله على الرسول صلى الله عليه وسلم فقد قدمه على الله تعالى، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم إنما يأمر عن أمر الله عز وجل" [الجامع لأحكام القرآن].
ويقول الحافظ ابن كثير: "هذه آداب أدَّب الله بها عباده المؤمنين فيما يعامِلون به الرسول صلى الله عليه وسلم من التوقير والاحترام والتبجيل والإعظام،.. .أي: لا تسرعوا في الأشياء بين يديه، أي: قبله، بل كونوا تبعا له في جميع الأمور" [تفسير القرآن العظيم].
الصوم يعلمك الصبر على الخَلْق، وتحمُّل أذاهم، والعفو عن زلاتهم، فعَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «الْمُؤْمِنُ الَّذِي يَخَالِطُ النَّاسَ، وَيَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ، أَعْظَمُ أَجْرًا مِنَ الْمُؤْمِنِ الَّذِي لاَ يُخَالِطُّ النَّاسَ، وَلا يَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ» [رواه ابن ماجه]، ويقول تعالى: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [سورة الشورى: ٤٣]، قال الطاهر بن عاشور: "والعزم: عقد النية على العمل والثبات على ذلك، والوصف بالعزم مشعر بمدح الموصوف، لأن شأن الفضائل أن يكون عملها عسيرا على النفوس لأنها تعاكس الشهوات، ومن ثم وصف أفضل الرسل بأولي العزم" [التحرير والتنوير].
الصوم يربيك على الصبر على أقدار الله والرضا بها، واليقين بأن ما كتبه الله على العباد كائن لا محالة.
الصوم قد اشتمل على أنواع الصبر الثلاث: الصبر على الطاعة، والمعصية وعلى قدر الله المتمثل في الجوع والعطش، فعَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ، قَالَ: عَقَدَ النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فِي يَدِهِ أَوْ فِي يَدِي فَقَالَ: «.. ، وَالصَّوْمُ نِصْفُ الصَّبْرِ» [رواه أحمد].
ولذا كان حظ الذي يرخي لنفسه العنان، ويطلق لنظره وجوارحه اللجام فتتناول ما حرم الله، أنه ليس من صيامه إلا الجوع والعطش، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «رُبَّ صَائِمٍ حَظُّهُ مِنْ صِيَامِهِ الْجُوعُ وَالْعَطَشُ، وَرُبَّ قَائِمٍ حَظُّهُ مِنْ قِيَامِهِ السَّهَرُ» [رواه أحمد بسند حسن].
إذا كانت الإرادة تتجلّى في قدرة المؤمن على الامتناع عما يشتهي، فإن الكرم يتجلّى في قدرته على العطاء وهو يحبّ المال حبًّا جمًّا، فالصائم حين يمسك عن شهواته نهارًا، إنما يدرّب قلبه على الانقياد لأمر الله، فإذا جاء وقت البذل كان أقرب إلى السخاء، لأن النفس التي تعلّمت الإرادة، يسهُل عليها الإنفاق.
وقد كان سيد الكرماء محمد صلى الله عليه وسلم القدوة العليا في هذا الباب، فقد ثبت في الصحيحين عن عبد الله بن عبّاس رضي الله عنهما قال: "كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وَكَانَ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ الْقُرْآنَ، فَلَرَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَجْوَدُ بِالْخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ".
فاجتماع القرآن والصيام وقيام الليل يفتح أبواب الرحمة في قلبه، فيفيض جودًا وعطاءً، حتى شُبِّه بالريح المرسلة في سرعة بذله وسعته، قال حجة الإسلام الغزالي: "والمعنى في تخصيص رمضان بزيادة الجود وإكثار الصدقات تفريغ الصائمين والقائمين للعبادة بدفع حاجاتهم" [فتح العزيز بشرح الوجيز].
ويقول الإمام ابن الجوزي: "وَإِنَّمَا كثر جوده عَلَيْهِ السَّلَام فِي رَمَضَان لخمسة أَشْيَاء: أَحدهَا: أَنه شهر فَاضل، وثواب الصَّدَقَة يتضاعف فِيهِ، وَكَذَلِكَ الْعِبَادَات، وَالثَّانِي: أَنه شهر الصَّوْم، فإعطاء النَّاس إِعَانَة لَهُم على الْفطر والسحور، وَالثَّالِث: أَن إنعام الْحق يكثر فِيهِ، فَأحب الرَّسُول أَن يُوَافق ربه عز وَجل فِي الْكَرم، وَالرَّابِع: أَن كَثْرَة الْجُود كالشكر لترداد جِبْرِيل إِلَيْهِ فِي كل لَيْلَة، وَالْخَامِس: أَنه لما كَانَ يدارسه الْقُرْآن فِي كل لَيْلَة من رَمَضَان زَادَت معاينته الْآخِرَة، فَأخْرج مَا فِي يَدَيْهِ من الدُّنْيَا) [كشف المشكل من حديث الصحيحين].
ومن دلائل اقتران الإرادة بالكرم أن من استطاع أن يمسك يده عن الحرام، استطاع أن يبسطها بالحلال، فالصيام يذكّر الإنسان بجوع الفقراء، ويوقظ فيه حسّ المشاركة والرحمة، فلا يبقى الألم خبرًا يُسمع، بل تجربةً تُعاش، تدفع إلى التكافل والتراحم.
وجاء الحث الصريح على هذا المعنى في قوله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ فَطَّرَ صَائِمًا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ» [رواه الترمذي].
ففي هذا توجيه نبويّ عظيم إلى صناعة مواسم العطاء في رمضان، إذ لا يقتصر الأجر على الصائم وحده، بل يمتدّ إلى من أعانه وواساه وأدخل السرور عليه، قال الماوردي: " يُخْتَارُ لِلنَّاسِ أَنْ يُكْثِرُوا مِنَ الْجُودِ وَالْإِفْضَالِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ اقْتِدَاءً بِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَبِالسَّلَفِ الصَّالِحِ مِنْ بَعْدِهِ، وَلِأَنَّهُ شَهْرٌ شَرِيفٌ قَدِ اشْتَغَلَ النَّاسُ فِيهِ بِصَوْمِهِمْ عَنْ طَلَبِ مَكَاسِبِهِمْ، وَيُسْتَحَبُّ لِلرَّجُلِ أَنْ يُوَسِّعَ فِيهِ عَلَى عِيَالِهِ وَيُحْسِنَ إِلَى ذَوِي أَرْحَامِهِ وَجِيرَانِهِ، لَا سِيَّمَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْهُ، وَيُسْتَحَبُّ لِمَنْ أَمْكَنَهُ إِفْطَارُ صَائِمٍ أَنْ يُفَطِّرَهُ" [الحاوي الكبير].
عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه "أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم غَنَمًا بَيْنَ جَبَلَيْنِ فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ، فَأَتَى قَوْمَهُ فَقَالَ: أَيْ قَوْمِ، أَسْلِمُوا! فَوَاللهِ إِنَّ مُحَمَّدًا لَيُعْطِي عَطَاءً مَا يَخَافُ الْفَقْرَ، فَقَالَ أَنَسٌ: إِنْ كَانَ الرَّجُلُ لَيُسْلِمُ مَا يُرِيدُ إِلَّا الدُّنْيَا، فَمَا يُسْلِمُ حَتَّى يَكُونَ الْإِسْلَامُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا" [رواه مسلم].
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: «لَوْ أَنَّ لِيَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا سَرَّنِي أَنْ يَأْتِيَ عَلَيَّ ثَلَاثُ لَيَالٍ وَعِنْدِي مِنْهُ شَيْءٌ، إِلَّا شَيْءٌ أَرْصُدُهُ لِدَيْنِي» [رواه البيهقي في دلائل النبوة].
عن مُحَمَّدَ بْنَ جُبَيْرٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي جُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ رضي الله عنه: أَنَّهُ بَيْنَمَا يَسِيرُ هُوَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَمَعَهُ النَّاسُ، مَقْفَلَهُ مِنْ حُنَيْنٍ، فَعَلِقَهُ النَّاسُ يَسْأَلُونَهُ، حَتَّى اضْطَرُّوهُ -أي ألجؤوه- إِلَى سَمُرَةٍ -شجرة مزهرة- فَخَطِفَتْ رِدَاءَهُ، فَوَقَفَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: «أَعْطُونِي رِدَائِي، لَوْ كَانَ لِي عَدَدُ هَذِهِ الْعِضَاهِ -أي الشجر- نَعَمًا لَقَسَمْتُهُ بَيْنَكُمْ، ثُمَّ لَا تَجِدُونِي بَخِيلًا، وَلَا كَذُوبًا، وَلَا جَبَانًا» [رواه البخاري].
قال تعالى: ﴿لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ﴾ [البقرة: ١٧٧]، وقال تعالى: ﴿لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فَإِنَّ اللّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ٩٢].
فرمضان ليس شهر عبادةٍ فرديةٍ فحسب، بل هو موسمٌ تتجلّى فيه معاني الأمة الواحدة، ويُبعث فيه خُلُقُ التكافل حيًّا نابضًا في القلوب والبيوت والمجتمعات، ففيه يلتقي الغني بالفقير على مائدة الشعور، ويجتمع القوي والضعيف تحت ظلال الرحمة، فيتحقق قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ إِخۡوَةࣱ﴾ [الحجرات: ١٠].
وقد كان سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يواسي المحتاج، ويُطعم الجائع، ويُشعر الضعيف أنه جزء من جسد الأمة لا يُترك ولا يُنسى، فالتكافل في رمضان ليس صدقة عابرة، بل هو روح تسري في المجتمع كله.
قال الملا علي القاري: "ومنها: كونه -أي شهر رمضان- موجبًا للرحمة والعطف على المساكين، فإنه لمّا ذاق ألم الجوع في بعض الأوقات ذكر من هذا حاله في عموم الساعات، فتسارع إلى الرقة عليه، والرحمة حقيقتها في حق الإنسان نوع ألم باطن فيسارع لدفعه عنه بالإحسان إليه، فينال بذلك ما عند الله من حسن الجزاء، ومنها: موافقة الفقراء بتحمل ما يتحملون أحيانًا وفي ذلك رفع حاله عند الله" [مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح].
تتجلى مظاهر التكافل في رمضان في عدة جوانب، منها: إخراج زكاة المال، إذ يحرص كثير من المسلمين على إخراج زكاتهم في هذا الشهر المبارك.
ومنها: صدقة الفطر، وقد فرضها النبي صلى الله عليه وسلم طُهرةً للصائم وطُعمةً للمساكين، حتى لا يبقى في يوم العيد محتاجٌ.
ومنها: إفطار الصائمين، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ فَطَّرَ صَائِمًا كُتِبَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ» [رواه ابن حبان]، فكم من موائد تمتدّ في المساجد والطرقات، وكم من بيوتٍ تُفتح أبوابها لاستقبال عابر سبيل أو عاملٍ بعيدٍ عن أهله، فيتحول الإفطار إلى رسالة محبة وأخوّة، وتكون سببا لدخول الجنة، قال صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ فِي الْجَنَّةِ غُرْفَةً يُرَى ظَاهِرُهَا مِنْ بَاطِنِهَا، وَبَاطِنُهَا مِنْ ظَاهِرِهَا»، فَقَالَ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ: لِمَنْ هِيَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «لِمَنْ أَلَانَ الْكَلَامَ، وَأَطْعَمَ الطَّعَامَ، وَبَاتَ لِلَّهِ قَائِمًا وَالنَّاسُ نِيَامٌ» [رواه أحمد].
ومنها: الصدقات الجارية، وغير ذلك من ألوان العطاء التي تمثل تماسك المجتمع، وتراحمه وتعاطفه، استجابة لأمر الله وأمر رسول الله.
يتجلى في رمضان مظاهر إكرام المولى تبارك وتعالى لعباده المؤمنين، حيث تتضاعف الحسنات ويكثر الثواب، تتنزّل فيه الرحمات، وتُفتح فيه أبواب السماء، ويُغدق الله فيه على عباده من فضله ما لا يكون في غيره من الشهور، قال صلى الله عليه وسلم: «إِذَا دَخَلَ رَمَضَانُ فُتِّحَتْ: أَبْوَابُ الْجَنَّةِ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ، وَصُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ» [رواه مسلم].
قال القاضي عياض: "وقوله: «فتحت أبواب الجنة، وغلقت أبواب النار، وصفدت الشياطين»، قيل: يحتمل الحقيقة، وأن فتح أبواب الجنة وتغليق أبواب النار، علامة لدخول الشهر، وعظم قدره، وكذلك تصفيد الشياطين ليمتنعوا من أذى المؤمنين وإغوائهم فيه، وقيل يحتمل المجاز لكثرة الثواب والعفو.
وقد يكون فتح أبواب الجنة هنا: عبارة عما يفتح الله على عباده من الطاعات المشروعة فى هذا الشهر الذي ليست في غيره، من الصيام، والقيام، وفعل الخيرات، وأن ذلك أسباب لدخول الجنة، وأبواب لها، وكذلك تغليق أبواب النار، وتصفيد الشياطين عبارة عمّا يكفُّه الصوم، والشغل بفعل الخير فى هذا الشهر، وعظم قدره فى القلوب، وما جاء فى النهى فيه عن أن يرفث، أو يجهل، والكف فيه عن المحارم والمعاصى، وأن الصوم مانع عن كثير من المباحات، فكيف بما وراء ذلك، ومكفر للسيئات" [إكمال المعلم].
وهو شهر الغفران، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، أن رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، قال: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» [رواه البخاري].
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، أَن رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» [رواه البخاري].
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، أَن رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ يَقُمْ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» [رواه البخاري].
وهو شهر العتق من النيران، قال صلى الله عليه وسلم: «وللهِ عُتَقَاءُ من النَّارِ، وَذلكَ كُلَّ ليْلةٍ» [رواه الترمذي].
وفيه ليلة القدر، قال تعالى: ﴿وَمَا أَدراكَ مَا لَيلَةُ ٱلقَدرِ * لَيلَةُ ٱلقَدرِ خَير مِّن أَلفِ شَهر﴾ [سورة القدر: ١ -٢].
وقال صلى الله عليه وسلم: «وَفِيهِ لَيْلَةٌ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ، مَنْ حُرِمَهَا فَقَدْ حُرِمَ الْخَيْرَ كُلَّهُ، وَلَا يُحْرَمُ خَيْرَهَا إِلَّا مَحْرُومٌ» [رواه ابن ماجه].
وهو شهر مضاعفة الأجور، قال صلى الله عليه وسلم: «مَنْ تَقَرَّبَ فِيهِ بِخَصْلَةٍ مِنْ خِصَالِ الْخَيْرِ، كَانَ كَمَنْ أَدَّى فَرِيضَةً فِيمَا سِوَاهُ، وَمَنْ أَدَّى فِيهِ فَرِيضَةً، كَانَ كَمَنْ أَدَّى سَبْعِينَ فَرِيضَةً فِيمَا سِوَاهُ» [فضائل رمضان لابن أبي الدنيا].
خطوات إجرائية لتحقيق معنى الإرادة والكرم:
أولًا: تفعيل مفهوم صيام الجوارح
صيام العين: غضّ البصر عن الحرام، وتقليل النظر إلى ما يلهي عن ذكر الله.
صيام الأذن: تجنّب سماع الغيبة واللغو، واستبدالها بقرآن أو علم نافع.
صيام اللسان: حفظه من الكذب والجدال والشكوى، وإشغاله بالذكر والدعاء.
صيام اليد: كفّها عن الأذى، وتوجيهها إلى الخير والعطاء.
صيام القدم: تجنّب السعي إلى مواطن المعصية، والحرص على المشي إلى الطاعة.
مراجعة يومية للجوارح: محاسبة مختصرة قبل النوم: هل صامت جوارحي حقًّا؟
ثانيًا: تحقيق تزكية النفس عمليًّا
استحضار قوله تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [سورة الشمس: ٧ -١٠].
تحديد عادة سلبية والعمل على تقليلها تدريجيًّا طوال الشهر.
الإكثار من الاستغفار والدعاء بطلب تزكية النفس.
ربط كل عبادة بنيّة الإصلاح الداخلي لا بمجرد الأداء الشكلي.
ثالثًا: الحرص على العطاء في رمضان
تفطير صائم ولو بقدر يسير.
تخصيص صدقة يومية أو أسبوعية ثابتة.
مساعدة محتاج في محيط الأسرة أو الجيران.
المشاركة في عمل تطوعي أو مبادرة خيرية خلال الشهر.
اقرأ أيضاً«خطبة الجمعة اليوم 25 شعبان 1447هـ».. دعوة لحسن استقبال شهر رمضان
بعنوان استقبال شهر رمضان.. نص موضوع خطبة الجمعة 13 فبراير 2026
متحدث الأوقاف: تأهيل الأئمة قبل رمضان يواكب المستجدات العالمية ويعزز فقه الصيام
المصدر
المصدر: الأسبوع
كلمات دلالية: وزارة الأوقاف خطبة الجمعة شهر رمضان موضوع خطبة الجمعة نص موضوع خطبة الجمعة موضوع خطبة الجمعة المقبلة أول جمعة في رمضان النبی صلى الله علیه وسلم قال صلى الله علیه وسلم ی صلى الله علیه وسلم موضوع خطبة الجمعة رواه البخاری رضی الله عنه هذا الشهر قال تعالى فتح أبواب فی رمضان ى الله ع ول الله النبی ص ر م ض ان على أن فی هذا ی صائم على ال
إقرأ أيضاً:
فتاوى وأحكام| هل خلع الحجاب بعد أداء العمرة يبطل ثوابها.. هل من ترك رمي الجمرات في الحج عليه فدية؟..إيه السبب إن ربنا مش بيستجيب دعائي؟..هل دعاء العائد من الحج مستجاب 40 يومًا؟
فتاوى وأحكامهل من ترك رمي الجمرات في الحج عليه فدية؟
إيه السبب إن ربنا مش بيستجيب دعائي؟
هل دعاء العائد من الحج مستجاب 40 يومًا؟
هل ارتكاب المعاصي تسقط ثواب الطاعات؟
نشر موقع صدى البلد خلال الساعات الماضية عددا من الفتاوى والأحكام التى تشغل أذهان كثيرا من المسلمين نستعرض أبرزها فى التقرير التالى.
فى البداية، تلقت دار الإفتاء المصرية سؤالا عبر موقعها الرسمي مضمونة:"ما الحكم لو نسي الحاج رمي الجمار في بعض أيام الرمي أو لم يتمكن منه؟ هل يجوز له أن يتداركه في يوم آخر؟".
وأجاب الدكتور نظير عياد مفتي الجمهورية، موضحًا:" أن وقت رمي الجمار للحاج يبدأ من يوم النحر وينتهي بغروب شمس اليوم الثالث من أيام التشريق، بحيث يرمي الحاج في يوم النحر جمرة العقبة بسبع حصيات، وفي كل يوم من أيام التشريق يرمي الجمرات الثلاث -الصغرى والوسطى والكبرى- كل واحدة بسبع حصيات، فإن لم يرم حتى خرج وقت الرمي وجبت عليه فدية.
وتابع المفتي: أمَّا إن فاته رمي ما أُمر برميه من الجمار فإنه يجوز أن يتداركه فيما بقي من أيام التشريق، مع وجوب الترتيب بين الرمي المتروك ورمي يوم التدارك بأن يبدأ بما فاته أولًا، ويقع ما تداركه أداءً لا قضاءً.
وتابع: تركُ الرمي بالكُلِّية بدون عذر حتى يخرج وقته يُوجِب على صاحبه فدية، ويخرج وقت الرمي بغروب شمس اليوم الثالث من أيام التشريق، قال الإمام ابن عبد البر في "التمهيد" (17/ 255، ط. وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية المغربية): [أجمع العلماء على أن من فاته رمي ما أُمر برميه من الجمار في أيام التشريق حتى غابت الشمس من آخرها وذلك اليوم الرابع من يوم النحر وهو الثالث من أيام التشريق، فقد فاته وقت الرمي ولا سبيل له إلى الرمي أبدًا، ولكن يجبره بالدم أو بالطعام على حسب ما للعلماء في ذلك من الأقاويل] اهـ.
وأجاب الشيخ عويضة عثمان، أمين الفتوى بدار الإفتاء المصرية، عن سؤال ورد من سيدة، بشأن قيام والدها بالتوكيل لرمي الجمرات عنه وعن والدتها، لكنه نسي الرمي لهما، وما الحكم في هذه الحالة.
ما حكم نسيان رمي الجمرات؟وأوضح أمين الفتوى بدار الإفتاء المصرية، خلال تصريحات تلفزيونية، اليوم الثلاثاء، أن نسيان رمي الجمرات لا يترتب عليه إثم، لأنه وقع عن غير عمد، ولكن يلزم فيه فدية.
وأشار أمين الفتوى بدار الإفتاء إلى أن الحكم في هذه الحالة هو ذبح شاة عن كل من لم يتم الرمي عنه، سواء كان عن نفسه أو عن زوجته، لافتًا إلى أن الفدية واجبة في حال ترك هذا النسك.
وأضاف أمين الفتوى بدار الإفتاء أنه في حال عدم القدرة على الذبح أو توكيل من يقوم به، يجوز الصيام بدلًا من ذلك، حيث يصوم كل واحد عشرة أيام.
وأكد أمين الفتوى بدار الإفتاء أن هذه الأحكام تأتي في إطار التيسير، مع الحفاظ على أداء المناسك بشكل صحيح، مشددًا على أهمية الحرص والانتباه أثناء أداء مناسك الحج.
قال الشيخ محمد متولي الشعراوي، إمام الدعاة، رحمة الله عليه، إن الله تعالى لا يرد دعاء المضطر فكثير من الناس يظنون أن دعاءهم غير مستجاب، والسبب فى ذلك أنهم يدعون وأنهم ليس في حالة اضطرار.
لماذا لا يستجاب الله دعائي؟ وتابع قائلا: "أتحدى أن يكون إنسان قد وصل إلى حال الاضطرار وفقد كل الأسباب ثم دعا الله ولم يستجب له، مستشهدا بقوله تعالى {إِذَا دَعَانِ}.
وأشار إلى أن الاستجابة للدعاء لها شرط ودليلها في ذلك الآية: {فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي}، أي أن على العبد أن يستجيب لله أولا حتى يستجاب له.
وأشار الى انه لا يليق بالعبد أن يتعامل مع الله وكأنه موظف عنده ينفذ المطلوب في الحال، بل قد يؤخر الله الاستجابة لحكمة، فإذا تأخر الدعاء فليعلم العبد أن الخير في هذا التأخير حتى لو ظن أن المطلوب خير عاجلا.
لماذا لا يستجاب الله دعائي رغم اني اقيم الليل واصلي الفجر حاضر كل يوم ؟
إن الله تعالى لا يقضي على المؤمن قضاء إلا كان خيراً له، وأنه لا يزال البلاء بالمؤمن حتى يمشي على وجه الأرض وليس عليه خطيئة، وأنه ما من عبد يدعو الله في الأرض بدعوة إلا أعطاه بها إحدى ثلاث خصال: إما أن يعجل الله له دعوته، أو يصرف عنه من الشر مثلها، أو يدخرها له أحوج ما يكون إليها.
فعلى الإنسان منّا أن يحسن الظن بالله عز وجل الذي خلقه ورزقه وهو جنين في بطن أمه، ويثق أنه تكفل برزقه حتى تموت، فإن روح القدس نفث في روع النبي صلى الله عليه وسلم وأنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها وأجلها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب.
وعلى كل إنسان دعا الله كثيراً أطمئن فدعواتك لم تذهب سدى، وأن الله يؤخر الإجابة لحكمة، ولمصلحة العبد أحياناً، فإن من عباد الله من لا يصلحه إلا الفقر، فلو أغناه لطغى. ولعل الله عوضه بصحة في بدنه، أو دفع بلاء لم تعلمه، وأراد أن يستنبط من قلبه عبوديته من دعاء وخوف ورجاء، فاصبر، وقل خيراً، وظن بالله خيراً، فإنه عند ظن عبده به. وإياك أن تسأم من الدعاء، فإنه لب التوحيد، ولو لم يكن لك من هذه المعاناة إلا تحصيل فضل الدعاء لكفى، فإنه ليس شيء أكرم على الله من الدعاء، وعليك بتقوى الله، فإنها أوسع أبواب الرزق، (ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شيء قدراً).
هل دعاء العائدين من الحج مستجاب؟ سؤال أجابته دار الإفتاء المصرية، حيث أكدت أن زيارة العائدين من أداء فريضة الحج والتماس الدعاء منهم والتبرك به أمرٌ مستحبٌّ شرعًا؛ على ألَّا ينشغل القادم من الحج باستقبال الزائرين والضيوف عن القيام بمهامه وتكليفاته المنوطة به؛ وخاصة أداء الصلاة جماعة في المسجد -كما ورد في السؤال-، بل عليه أن يحافظ على أداء الصلاة جماعة في المسجد، ويحصل فضل الجماعة له بصلاته في بيته مع مَن حَضَر معه.
هل دعاء العائدين من الحج مستجاب؟وقالت الإفتاء إن الحج ركن من أركان الإسلام وفرض من فروضه على كلِّ مسلمٍ مُكَلَّف قادر مستطيعٍ في العمر مرةً واحدةً، قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: 97].
وأخرج الإمام البخاري في "صحيحه" عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «بُنِيَ الإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالحَجِّ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ».
وقد بينت نصوص الشرع الشريف أجرَ الحج المبرور وثوابه، منها: ما أخرجه البخاري ومسلم في "صحيحيهما" عن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «العُمْرَةُ إِلَى العُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا، وَالحَجُّ المَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلَّا الجَنَّةُ».
حكم استقبال العائدين من الحج وطلب الدعاء منهم، وأوضحت الشخص الذي أكرمه الله تعالى بأداء فريضة الحج، ثم عاد إلى وطنه سالمًا، فإنه يُرجى له أن يكون مُجابَ الدعاء؛ وذلك لما حصله من الأجر العظيم والثواب الجزيل بمغفرة ذنوبه، ورجوعه من الحج كيوم ولدته أمه، لذا فإن عادة بعض الناس في استقبال العائدين من الحج؛ ليسألوهم الدعاء وليتبركوا بقدومهم من بيت الله الحرام -أمر مشروع، ولا حرج فيه؛ فقد بوَّب الإمام البخاري في "صحيحه" بابًا أسماه: "بَابُ اسْتِقْبَالِ الحَاجِّ القَادِمِينَ وَالثَّلَاثَةِ عَلَى الدَّابَّةِ"، وأورد فيه عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أنه قال: «لَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وآله وسلم مَكَّةَ، اسْتَقْبَلَتْهُ أُغَيْلِمَةُ بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ، فَحَمَلَ وَاحِدًا بَيْنَ يَدَيْهِ، وَآخَرَ خَلْفَهُ».
قال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" (3/ 619): [وكون الترجمة لتلقي القادم من الحج، والحديث دال على تلقي القادم للحج، ليس بينهما تخالف؛ لاتفاقهما من حيث المعنى، والله أعلم] اهـ.
وقال الإمام بدر الدين العيني في "عمدة القاري شرح صحيح البخاري" (10/ 133، ط. دار إحياء التراث العربي): [وقال صاحب "التوضيح": وفيه: تلقي القادمين من الحج إكرامًا لهم وتعظيمًا؛ لأنه صلى الله عليه وآله وسلم لم ينكر تلقيهم، بل سُرَّ به لحمله منهم بين يديه وخلفه.. نعم، يُمكن أَن يُؤْخَذ مِنْهُ تلقي القادمين من الْحَج، وَكَذَلِكَ فِي مَعْنَاهُ مَن قَدِم مِن جِهَادٍ أَو سفرٍ، لِأَن فِي ذَلِك تأنيسًا لَهُم وتطييبًا لقُلُوبِهِمْ] اهـ.
ومما يؤكد جواز تلك العادة المستحبة -استقبال القادمين من الحج- ما أخرجه الإمام الحاكم في "المستدرك على الصحيحين"، عن أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها قالت: «أَقْبَلْنَا مِنْ مَكَّةَ فِي حَجٍّ، أَوْ عُمْرَةٍ، وَأُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ يَسِيرُ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم، فَلَقِيَنَا غِلْمَانٌ مِنَ الْأَنْصَارِ كَانُوا يَتَلَقَّوْنَ أَهَالِيَهُمْ إِذَا قَدِمُوا».
وقد أخرج الإمام البيهقي في "شعب الإيمان"، عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: «لَوْ يَعْلَمُ الْمُقِيمُونَ مَا لِلْحُجَّاجِ عَلَيْهِمْ مِنَ الْحَقِّ، لَأَتَوْهُمْ حِينَ يَقْدَمُونَ حَتَّى يُقَبِّلُوا رَوَاحِلَهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ وَفْدُ اللهِ مِنْ جَمِيعِ النَّاسِ».
وهو ما جرت عليه عادة بعض البلاد؛ كما قال الإمام بدر الدين العيني في "عمدة القاري شرح صحيح البخاري" (10/ 133) في تلقي القادمين من الحج: [وتلك العادة إلى الآن يتلقى المجاورون وأهل مكة القادمين من الركبان] اهـ.
قال الشيخ محمَّد الخَضِر الجكني الشنقيطي في "كوثر المعاني الدراري في كشف خبايا صحيح البخاري" (14/ 49، ط. مؤسسة الرسالة): [«لِأَنَّهُمْ وَفْدُ اللهِ مِنْ جَمِيعِ النَّاسِ»، وما للمنقطع حيلة سوى التعلق بأذيال الواصلين] اهـ.
تلقى الشيخ محمد وسام، أمين الفتوى بدار الإفتاء المصرية، سؤالاً عبر الصفحة الرسمية للدار على منصة يوتيوب، يستفسر فيه السائل عن مدى تسبب ارتكاب معصية معينة في إبطال وإحباط أثر باقي العبادات والطاعات التي يقوم بها المسلم.
وأوضح الشيخ محمد وسام في إجابته أن مسألة الثواب والقبول هي أمر بيد الله سبحانه وتعالى وحده، مؤكداً في الوقت ذاته أن العبد المطيع لله يكون عمله دائماً أقرب إلى القبول مقارنة بالمسلم العاصي.
وأشار إلى أن العبد إذا خلط في حياته بين فعل المعاصي وأداء الطاعات، وأتى بمزيج من الحسنات والسيئات، فإن أعماله كافة توزن بميزان العدل يوم القيامة؛ فمن رجحت كفة حسناته على سيئاته فهو من السعداء الناجين، ومن رجحت كفة سيئاته فهو تحت مشيئة الله تعالى وعفوه، إن شاء عذبه بقدر ذنبه وإن شاء غفر له وتجاوز عنه.
وشدد على أهمية الوعي بأن الحسنات يذهبن السيئات، وفي المقابل فإن بعض السيئات الكبيرة لها أثر سلبي في إحباط الطاعات وإذهاب أجرها وثوابها.
وتابع أمين الفتوى أن من أدى فريضة الصلاة على وجهها الصحيح، أو صام كما أُمِر، أو تصدق بصدقة وفق الوجه المشروع، قُبلت منه عبادته وصحت، وكانت مسقطة للفرض والواجب عليه فلا يُطالب بقضائها أو إعادتها مرة أخرى، لكنه إذا جاء يوم القيامة بسيئات عظيمة توازن تلك الطاعات، فقد تذهب هذه السيئات بثواب وأجر طاعته في الميزان.
هل خلع الحجاب بعد أداء العمرة يبطل ثوابها ؟في ذات السياق، أجاب الشيخ عبد الله العجمي، أمين الفتوى بدار الإفتاء، على سؤال آخر ورد عبر قناة الدار الرسمية، من سائلة استفسرت عن موقف عمرتها قائلة: "أديت مناسك العمرة وبعدما انتهيت منها خلعت الحجاب فهل بذلك سقطت العمرة؟".
وأكد الشيخ عبد الله العجمي في رده أن حكم ترك الحجاب معلوم للجميع ولا يحتاج إلى تفصيل، مشدداً على أن العبادة الصحيحة المستوفية للأركان لا تسقط ولا تبطل بارتكاب معصية بعدها، وتساءل مستنكراً: “لو صلى رجل فريضة العشاء ثم شرب سجائر بعدها فهل تسقط صلاة العشاء من عليه؟”.
وأضاف: "لو كانت الذنوب والمعاصي تبطل أجر العبادات السابقة بالكلية ما كان بقي للمسلمين أي عمل صالح".
واختتم فتواه مؤكداً للسائلة أن لها أجر وثواب العمرة كاملة طالما أُديت صحيحة، وعليها في المقابل إثم وذنب ترك فريضة الحجاب.