مصر – في السادس عشر من فبراير عام 1923، أنهى هوارد كارتر، عالم الآثار البريطاني، صمت التاريخ، وفتح الحجرة الداخلية لمقبرة توت عنخ آمون.

لم يكن ذلك مجرد كشف أثري عابر، بل كان موعد الحضارة المصرية القديمة مع الخلود في ذاكرة العالم الحديث. بين كنوز المقبرة الذهبية، كان القناع الجنائزي للفرعون الصبي يتألق، ليغدو أيقونة ثقافية عالمية، ونافذة يطل منها المعاصرون على عظمة مصر الخالدة.

كان توت عنخ آمون، الذي يُلقب أحيانا بـ”الفرعون الطفل”، قد اعتلى العرش في العاشرة من عمره، ومكث عليه تسع سنوات فقط، بين عامي 1332 و1323 قبل الميلاد. حكم في زمن سابق لحرب طروادة بنحو قرنين، وقبل تأسيس روما بستة قرون. مع هذه المكانة التاريخية، ظل طي النسيان لقرون طويلة، لا يُذكر إلا في النادر. لم يشتهر في العصر الحديث بفتوحاته أو تماثيله الضخمة، بل بمقبرته الوحيدة التي بقيت بعيدة على النهب والعبث.

في الرابع من نوفمبر 1922، عثرت بعثة كارتر على مدخل المقبرة التي تحمل الرمز “كي في 62″، وكان بابها مسدودا بالأختام الأصلية، في مشهد مهيب كأن الزمن تجمّد احتراما لساكنها. بعد أشهر، وفي السابع عشر من فبراير 1923، جرى فتح حجرة الدفن بحضور مسؤولين من دائرة الآثار والسلطات المصرية، في إجراء أراد له كارتر أن يكون علنيا، حتى لا يلتبس الأمر على أحد. ما إن انفتح الممر، حتى توهج جدار ذهبي لحجرة كبيرة زاد طولها عن الخمسة أمتار. كان الجدار يطوّق التابوت ويشغل معظم الفراغ، فلا يتسع الممر حوله لأكثر من 65 سنتيمترا، ما جعل الاقتراب منه شبه مستحيل للكثيرين.

لم تكن القطع التي عثر في المقبرة كلها طقسية أو مخصصة للدفن، كما كان يعتقد سابقا. بل أثبتت الأبحاث أن كثيرا منها كان مستخدما في حياة توت عنخ آمون اليومية، وهو ما قلب فكرة قديمة عن طقوس الدفن المصرية.

من تلك القطع سوار مرصّع بخنفساء الجعران، والخنجر الأسطوري الذي صنع نصلُه من حديد نيزكي، وتبين بالتحليل أن نسبة النيكل فيه تبلغ نحو 11 بالمئة، علاوة على الكوبالت، وهي عناصر لا توجد مجتمعة إلا في النيازك. خلف هذا الخنجر، الذي جاء من الفضاء، قصة عشق أبدي بين الفرعون وعناصر الكون.

ضمت المقبرة أيضا أربعة توابيت وثلاثة توابيت داخل بعضها، مصنوعة من معادن نفيسة، حفظت جثمان الفرعون المحنّط. إلى جانبها، وُضعت الأواني الكانوبية من المرمر، بغطاء على شكل رأس إنسان أو حيوان، استُخدمت لحفظ الأحشاء المستأصلة في التحنيط. في زوايا الحجرة، اكتملت العدّة الجنائزية بأربعمئة وثلاثة عشر تمثالا صغيرا من الأوشابتي، مصنوعة من الحجر والخشب والخزف، كانت ترافق المتوفى لتؤدي عنه الأعمال في العالم الآخر. عُثر أيضا على نحو مئة وثلاثين سلة من الخوص، لا تزال تحتفظ بآثار المكسرات والتمور والبذور، كأن الموتى لا يزالون ينتظرون موائدهم.

الأكثر إثارة، والأشد التصاقا بالذاكرة الشعبية، هو تلك الأسطورة التي تسمى “لعنة الفراعنة”. مع اكتشاف المقبرة، بدأت الصحف الأوروبية تروي حكايات مروّعة عن وفاة اللورد كارنارفون، ممول البعثة، في ربيع 1923، بعد أن لدغته بعوضة. وانساقت الأقلام خلف الخيال، حتى تحولت الحادثة إلى سلسلة طويلة من الأساطير التي ربطت الموت بمن ينتهك حرمة الفراعنة. غير أن كل التحقيقات العلمية ووثائق البعثة تنفي هذه الخرافات جملةً وتفصيلا. لم يُعثر على أي نص لعنة داخل المقبرة، بل على العكس: الجدران كانت تزدان بالأدعية وأسماء الآلهة التي استُدعيت لحماية الفرعون في رحلته الأبدية. والأهم أن هوارد كارتر نفسه، الذي أمضى سنوات في المقبرة، عاش حتى عام 1939، وأمضى عمرا مديدا بعد اكتشافه الفريد.

هكذا، لا تزال كنوز توت عنخ آمون تسكن وجدان الإنسانية، لا كلعنة تحوم فوق الرؤوس، بل كأثر ينبض بالحياة، ويحكي قصة حضارة آمنت بالخلود، فصنعته بيدها من ذهب الأرض وحديد السماء.

المصدر: RT

المصدر

المصدر: صحيفة المرصد الليبية

كلمات دلالية: توت عنخ آمون

إقرأ أيضاً:

هيئة الكتاب تصدر ديوان “مدن الجراح” للشاعر أحمد عباد

الثورة نت /..

صدر مؤخرًا عن الهيئة العامة للكتاب ديوان شعري بعنوان “مدن الجراح” للشاعر أحمد عباد.

وأكد رئيس الهيئة العامة للكتاب عبدالرحمن مراد، في مقدمته للكتاب، أن الشاعر البديع أحمد عباد، يُقدِم في مجموعته الشعرية “مدن الجراح”، نصًا حماسيًا مقاومًا لثنائية الهيمنة والخضوع التي يرغب الآخر في فرضها على اليمن.

وأشار إلى أن الدوائر الدلالية في النص الشعري لا تكاد تخرج عن صنعاء كرمز للعلو، ورمز للثبات التاريخي، والقدس كقضية، والشهيد باعتباره ذروة التحول الحضاري وروح البذل والتضحية.

واعتبر مراد، مجموعة عباد، تؤسس لهوية جمعية واضحة، تذوب فيها “الأنا” في عالم الكل برابط البعد العقائدي، وهي مجموعة تنتمي إلى الشعر التعبوي الحماسي، ولعل ظلال الظرف السياسي الذي مرّت به اليمن، كان واضحاً على مضامينها، يتضح ذلك من خلال الرؤية العقائدية الصلبة التي تؤمن بالحسم ولا تفسح مجالًا للشك أو التردد.

وقال “الشاعر أحمد عُباد في هذه المجموعة “مدن الجراح”، يُقدِم نفسه كشاعر قضية، وهو شاعر جزل العبارة، محكم السبك، يملك أدواته بقوة ومعرفة واقتدار”، مؤكدًا أن هذه المجموعة، تشكل لبنة أساسية في الشعر العربي المقاوم للهيمنة، من حيث الموضوع، والرؤية، والفن، والأسلوب.

وأضاف “يسرنا في الهيئة العامة للكتاب والترجمة والنشر والتوزيع أن تكون هذه المجموعة ضمن إصداراتها، وبما يوثق للمرحلة الموقف الشعري والإبداعي والإصرار على البقاء رغم الظروف التي تركها العدوان على اليمن، بكل طيفه وتعدده، في مرحلة صراع الوجود مع قوى الاستكبار العالمي”.

مقالات مشابهة

  • “لنقي”: الاستقرار في ليبيا قادم لا محالة
  • تعليقاً على حوار نصر طه مصطفى: حين تروي السلطة قصة انهيار “الدولة”
  • وزير الخارجية الأمريكي يلتقي عددًا من نظرائه على هامش اجتماع “الآسيان”
  • استهداف جديد لمنفذ “العبدلي” الحدودي بين العراق والكويت
  • هيئة الكتاب تصدر ديوان “مدن الجراح” للشاعر أحمد عباد
  • العثور على جثة طالب مقتول في ظروف غامضة بجامعة الجزيرة
  • حفل توقيع كتاب “على هذه الأرض” للكاتبة أفنان العديني
  • إنفوجرافيك | معادلة “الحصار بالحصار”.. أبعاد ودلالات التصعيد الجديد في بيان القوات المسلحة اليمنية
  • الرفادي: إعلان حكومة من جنيف “بلطجة سياسية”.. والشرعية لا تُصنع من الفنادق
  • شركة “AJet” التركية تعلن خصومات تصل إلى 30% على الرحلات الدولية.