توت عنخ أمون بين “لعنة” غامضة وخنجر من خارج الأرض!
تاريخ النشر: 17th, February 2026 GMT
مصر – في السادس عشر من فبراير عام 1923، أنهى هوارد كارتر، عالم الآثار البريطاني، صمت التاريخ، وفتح الحجرة الداخلية لمقبرة توت عنخ آمون.
لم يكن ذلك مجرد كشف أثري عابر، بل كان موعد الحضارة المصرية القديمة مع الخلود في ذاكرة العالم الحديث. بين كنوز المقبرة الذهبية، كان القناع الجنائزي للفرعون الصبي يتألق، ليغدو أيقونة ثقافية عالمية، ونافذة يطل منها المعاصرون على عظمة مصر الخالدة.
كان توت عنخ آمون، الذي يُلقب أحيانا بـ”الفرعون الطفل”، قد اعتلى العرش في العاشرة من عمره، ومكث عليه تسع سنوات فقط، بين عامي 1332 و1323 قبل الميلاد. حكم في زمن سابق لحرب طروادة بنحو قرنين، وقبل تأسيس روما بستة قرون. مع هذه المكانة التاريخية، ظل طي النسيان لقرون طويلة، لا يُذكر إلا في النادر. لم يشتهر في العصر الحديث بفتوحاته أو تماثيله الضخمة، بل بمقبرته الوحيدة التي بقيت بعيدة على النهب والعبث.
في الرابع من نوفمبر 1922، عثرت بعثة كارتر على مدخل المقبرة التي تحمل الرمز “كي في 62″، وكان بابها مسدودا بالأختام الأصلية، في مشهد مهيب كأن الزمن تجمّد احتراما لساكنها. بعد أشهر، وفي السابع عشر من فبراير 1923، جرى فتح حجرة الدفن بحضور مسؤولين من دائرة الآثار والسلطات المصرية، في إجراء أراد له كارتر أن يكون علنيا، حتى لا يلتبس الأمر على أحد. ما إن انفتح الممر، حتى توهج جدار ذهبي لحجرة كبيرة زاد طولها عن الخمسة أمتار. كان الجدار يطوّق التابوت ويشغل معظم الفراغ، فلا يتسع الممر حوله لأكثر من 65 سنتيمترا، ما جعل الاقتراب منه شبه مستحيل للكثيرين.
لم تكن القطع التي عثر في المقبرة كلها طقسية أو مخصصة للدفن، كما كان يعتقد سابقا. بل أثبتت الأبحاث أن كثيرا منها كان مستخدما في حياة توت عنخ آمون اليومية، وهو ما قلب فكرة قديمة عن طقوس الدفن المصرية.
من تلك القطع سوار مرصّع بخنفساء الجعران، والخنجر الأسطوري الذي صنع نصلُه من حديد نيزكي، وتبين بالتحليل أن نسبة النيكل فيه تبلغ نحو 11 بالمئة، علاوة على الكوبالت، وهي عناصر لا توجد مجتمعة إلا في النيازك. خلف هذا الخنجر، الذي جاء من الفضاء، قصة عشق أبدي بين الفرعون وعناصر الكون.
ضمت المقبرة أيضا أربعة توابيت وثلاثة توابيت داخل بعضها، مصنوعة من معادن نفيسة، حفظت جثمان الفرعون المحنّط. إلى جانبها، وُضعت الأواني الكانوبية من المرمر، بغطاء على شكل رأس إنسان أو حيوان، استُخدمت لحفظ الأحشاء المستأصلة في التحنيط. في زوايا الحجرة، اكتملت العدّة الجنائزية بأربعمئة وثلاثة عشر تمثالا صغيرا من الأوشابتي، مصنوعة من الحجر والخشب والخزف، كانت ترافق المتوفى لتؤدي عنه الأعمال في العالم الآخر. عُثر أيضا على نحو مئة وثلاثين سلة من الخوص، لا تزال تحتفظ بآثار المكسرات والتمور والبذور، كأن الموتى لا يزالون ينتظرون موائدهم.
الأكثر إثارة، والأشد التصاقا بالذاكرة الشعبية، هو تلك الأسطورة التي تسمى “لعنة الفراعنة”. مع اكتشاف المقبرة، بدأت الصحف الأوروبية تروي حكايات مروّعة عن وفاة اللورد كارنارفون، ممول البعثة، في ربيع 1923، بعد أن لدغته بعوضة. وانساقت الأقلام خلف الخيال، حتى تحولت الحادثة إلى سلسلة طويلة من الأساطير التي ربطت الموت بمن ينتهك حرمة الفراعنة. غير أن كل التحقيقات العلمية ووثائق البعثة تنفي هذه الخرافات جملةً وتفصيلا. لم يُعثر على أي نص لعنة داخل المقبرة، بل على العكس: الجدران كانت تزدان بالأدعية وأسماء الآلهة التي استُدعيت لحماية الفرعون في رحلته الأبدية. والأهم أن هوارد كارتر نفسه، الذي أمضى سنوات في المقبرة، عاش حتى عام 1939، وأمضى عمرا مديدا بعد اكتشافه الفريد.
هكذا، لا تزال كنوز توت عنخ آمون تسكن وجدان الإنسانية، لا كلعنة تحوم فوق الرؤوس، بل كأثر ينبض بالحياة، ويحكي قصة حضارة آمنت بالخلود، فصنعته بيدها من ذهب الأرض وحديد السماء.
المصدر: RT
المصدر
المصدر: صحيفة المرصد الليبية
كلمات دلالية: توت عنخ آمون
إقرأ أيضاً:
برنامج خبراء الإمارات يطلق “مسار الذكاء الاصطناعي” يونيو الجاري
يطلق برنامج خبراء الإمارات- “مسار الذكاء الاصطناعي” – في شهر يونيو الجاري، اتساقاً مع استراتيجية الإمارات الوطنية للذكاء الاصطناعي 2031، الهادفة إلى دمج حلول الذكاء الاصطناعي في مختلف العمليات الحكومية والقطاعات الاستراتيجية الحيوية.
ويدعم “مسار الذكاء الاصطناعي”، ضمن برنامج خبراء الإمارات خمسة أهداف رئيسية في استراتيجية الإمارات الوطنية للذكاء الاصطناعي 2031، تتمثل في تعزيز مكانة الإمارات كمركز عالمي للذكاء الاصطناعي، وتعزيز التنافسية في القطاعات الحيوية عبر توسيع تطبيقات الذكاء الاصطناعي، وتسريع تبني الذكاء الاصطناعي في الخدمات الحكومية، وتطوير الكفاءات الإماراتية لشغل وظائف تعتمد على الذكاء الاصطناعي، وربط البحث المتقدم والبنية التحتية بالتطبيق الواقعي.
ومن المقرر أن يضم “مسار الذكاء الاصطناعي”، نخبة من الكوادر الوطنية ضمن 25 قطاعاً حيوياً؛ حيث سيلتحق المنتسبون بتدريبات مكثفة في مجالات عدة من بينها أنظمة الذكاء الاصطناعي والحوكمة والقيادة، والمشاركة في عدد من الرحلات الدراسية الدولية، والعمل على مشروعات تخرج مصممة لمواجهة تحديات حقيقية على المستوى الوطني، بإشراف مباشر من الموجهين.
وقال سعادة أحمد الشامسي، مدير برنامج خبراء الإمارات: “نجحت دولة الإمارات في ترسيخ مكانتها الرائدة كبيئة حاضنة للذكاء الاصطناعي على مستوى العالم، ومع انطلاق مسار الذكاء الاصطناعي؛ سيتم التركيز الآن على الانتقال من تبني تقنيات الذكاء الاصطناعي إلى توظيفها بكفاءة وقيادة تطويرها، بما يسهم في إعداد كوادر وطنية قادرة على صياغة السياسات وتعزيز تنافسية الدولة عالمياً لعقود قادمة”.
وأضاف: “يأتي انطلاق مسار الذكاء الاصطناعي ضمن برنامج خبراء الإمارات تزامناً مع الإعلان عن المنظومة الجديدة لحكومة الإمارات، والتي تهدف لتحويل 50% من قطاعات وخدمات وعمليات الحكومة لتطبيق نماذج الذكاء الاصطناعي ذاتية التنفيذ والقيادة خلال عامين”، موضحاً أنه بخلاف الأنظمة التقليدية؛ تتسم تلك النماذج بقدرتها على تنفيذ المهام وإدارة العمليات المعقدة بصورة مستقلة، إذ يركز مسار الذكاء الاصطناعي على إعداد كوادر وطنية قادرة على التعامل مع هذه الأنظمة وإدارتها بمسؤولية داخل قطاعات وبيئات تشغيلية حيوية.
وفي سياق متصل؛ تضمنت عملية اختيار المنتسبين إجراء مقابلات معمقة مع عدد من خبراء الذكاء الاصطناعي، إلى جانب زملاء وخريجي برنامج خبراء الإمارات.
وقالت البروفيسورة هدى الخزيمي، المتحدثة باسم برنامج خبراء الإمارات “مسار الذكاء الاصطناعي”: “خلال المقابلات ومناقشات الاختيار، برز لدى العديد من المرشحين وعي متقدم باستراتيجية الإمارات الوطنية للذكاء الاصطناعي 2031، وفهم واضح بأن المرحلة المقبلة تعتمد على التطبيق المؤسسي الفعّال للذكاء الاصطناعي منوهة بالمستوى الاستثنائي من الطموح والكفاءة لدى عدد من المرشحين، وإمكاناتهم العالية لإحداث أثر محلي وعالمي وإضافة قيمة حقيقية للقطاعات وتعزيز تنافسية الدولة.
تجدر الإشارة إلى أن إطلاق “مسار الذكاء الاصطناعي”، ضمن برنامج خبراء الإمارات، هو امتداد للزخم الذي تشهده دولة الإمارات في مجال تبني التكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي، حيث صنّفتها مؤشرات دولية حديثة ضمن الدول الرائدة عالمياً في الجاهزية المؤسسية وتبني الذكاء الاصطناعي على مستوى الحكومات، وتشكل الاستثمارات في البنية التحتية الرقمية وبناء القدرات الوطنية قاعدة أساسية لدعم هذا المسار وتطوير مخرجاته المستقبلية. وام