تبييض السفرة.. تقليد رمضاني متوارث يزين مائدة اليوم الأول في الساحل السوري
تاريخ النشر: 17th, February 2026 GMT
مع حلول اليوم الأول من شهر رمضان، لا تقتصر الاستعدادات في مدن وقرى الساحل السوري على روائح الطعام أو ألوان العصائر، بل يهيمن لون واحد على المائدة: الأبيض.
ففي صباح اليوم الأول، تتفقد الأمهات اللبن الطازج، ويحضّرن اللحم، وتحشى العجائن، في طقس يعيد إحياء تقليد متوارث يقضي بأن تكون مائدة الإفطار الأولى "بيضاء"، تفاؤلا بأن تمر أيام الشهر صافية ومباركة.
وفي محافظتي اللاذقية وطرطوس وريفهما، لا ينظر إلى هذا التقليد بوصفه مجرد اختيار لقائمة الطعام، بل كعادة رمزية راسخة في الذاكرة الجمعية، تعرف محليا باسم "تبييض السفرة".
ويرتبط اللون الأبيض في المخيال الشعبي بالخير والنقاء والبدايات الجديدة، وهي دلالات توارثتها الأجيال عن الجدات جيلا بعد جيل، حتى أصبحت جزءا من هوية استقبال الشهر الفضيل.
أطباق اليوم الأول الشاكريةتتصدّر الشاكرية مائدة الإفطار في كثير من بيوت الساحل، وهي طبق من اللحم المطهو يضاف إليه اللبن المطبوخ ويُنكّه بالثوم والكزبرة، ويقدّم عادة إلى جانب الأرز الأبيض.
ويحضر هذا الطبق بوصفه أكلة "معتبرة" تليق ببداية الشهر، وغالبا ما يُعدّ بكميات تكفي لتبادل الصحون مع بيوت الأقارب، في تعبير عن روح المشاركة والتكافل التي تميّز رمضان.
الشيش برك
أما الشيش برك، فهو عجائن صغيرة محشوة باللحم، تُسلق ثم تُطهى في اللبن، ويعد من الأطباق التي تتطلب وقتا وجهدا في التحضير. ولهذا، يتحول إعداده في كثير من الأحيان إلى نشاط عائلي تشارك فيه النساء قبل يوم أو يومين من رمضان، في طقس يجمع بين العمل المشترك واستحضار الحنين والذاكرة.
في القرى الساحلية، تحضر الكوسا بلبن وهو خيار شائع في اليوم الأول، وتطهى الكوسا في اللبن، وقد تحشى باللحم بحسب العائلة. ويمتاز هذا الطبق ببساطته واعتماده على مكونات متوفرة محليا، خصوصا في البيئات الزراعية.
الكبة اللبنية
ومن الأطباق التي لا تغيب عن المائدة الرمضانية في الساحل السوري أيضا الكبة اللبنية، وهي كرات من الكبة المحشوة باللحم تُطهى مباشرة في اللبن.
إعلانويجمع هذا الطبق بين قوام الكبة الغني وطراوة اللبن، ما يجعله من الأكلات المحببة خلال الشهر الكريم، ليس في اليوم الأول فحسب، بل في مناسبات رمضانية عدة.
ورغم تنوع طرق إعداد الكبة في سوريا، تبقى النسخة المطهوة باللبن الأقرب إلى مفهوم "الطبق الأبيض" الذي يرمز للبداية الطيبة.
اللافت أن هذا التقليد لا يستند إلى نص ديني أو فتوى شرعية، بل يعد عرفا اجتماعيا خالصا يعكس قدرة المجتمع على ابتكار طقوسه الخاصة خلال شهر رمضان ومنحها دلالات رمزية محلية.
ويشكّل "تبييض السفرة" في سوريا، في اليوم الأول من الشهر الفضيل، مثالا بارزا على هذا العرف المتوارث؛ فكما ترتبط أطباق بعينها بالأعياد والمناسبات في ثقافات متعددة، ارتبط اللبن في الساحل السوري ببداية رمضان بوصفه رمزا للصفاء والسلام وبشارة ببدايات نقية.
مع مرور أيام الشهر، تتنوع الموائد بين المحاشي والمشاوي والحلويات، لكن يبقى لليوم الأول طابعه الخاص. فالبياض في هذا السياق ليس لونا فحسب، بل رسالة ضمنية بأن تكون الأيام المقبلة أقل قسوة وأكثر بركة.
لكن هذا التقليد لا يقتصر على الساحل السوري وحده. فرغم أن محافظتي اللاذقية وطرطوس تعدان من أبرز المناطق التي تحافظ على "الأكلة البيضاء" في أول أيام رمضان، فإن العادة حاضرة أيضا في مدن ومحافظات سورية أخرى، وإن اختلفت التفاصيل.
في بعض أحياء دمشق وريفها، تميل عائلات إلى إعداد الشيش برك أو الكبة اللبنية في اليوم الأول. وفي مناطق من حمص وحماة، تحضر أطباق اللبن بوصفها "بداية مباركة"، حتى وإن لم يطلق عليها صراحة اسم "تبييض السفرة".
وهكذا، يكون اللبن قد أخذ مكانه في القدر الكبير ليس لأنه الأخف أو الأسرع، بل لأنه – في ذاكرة السوريين– بداية تليق بشهر ينتظره الناس عاما كاملا.
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: وسم حريات دراسات رمضان 2026 فی الیوم الأول الساحل السوری فی اللبن
إقرأ أيضاً:
خفر السواحل تُسقط طائرة تجسس حوثية في سماء الحديدة
أعلنت قوات خفر السواحل في قطاع البحر الأحمر، الخميس، إسقاط طائرة مسيّرة تجسسية تابعة لميليشيا الحوثي أثناء تحليقها في أجواء مديرية الخوخة، جنوبي محافظة الحديدة، في إطار الجهود الأمنية والعسكرية الرامية إلى حماية الساحل الغربي وإحباط محاولات الرصد والاستطلاع الحوثية.
وقالت مصادر ميدانية إن الطائرة المسيّرة أُسقطت في منطقة أبو زهر بمديرية الخوخة، أثناء تنفيذها مهمة استطلاعية لرصد التحركات الميدانية للقوات المنتشرة في المنطقة، مؤكدة أنه لم تُسجل أي خسائر بشرية جراء العملية.
وأضافت المصادر أن عملية الإسقاط تأتي ضمن الإجراءات الأمنية التي تنفذها القوات لتأمين الساحل الغربي ومنع الميليشيا من استخدام الطائرات المسيّرة في جمع المعلومات الاستخباراتية أو دعم عملياتها العسكرية.
وأكدت المصادر أن قوات خفر السواحل وبقية التشكيلات العسكرية العاملة في الساحل الغربي تواصل رفع مستوى الجاهزية وتعزيز التنسيق بين مختلف الوحدات العسكرية، بما يضمن سرعة التعامل مع أي تهديدات محتملة، والحفاظ على أمن المناطق المحررة وخطوط الملاحة القريبة من الساحل الغربي.