ظاهرة العنف بين الذات الحضارية وعنف الحضارة الغربية.. مشاتل التغيير (58)
تاريخ النشر: 18th, February 2026 GMT
من الأهمية بمكان أن نشير إلى ظاهرتين؛ حَضرت بصددهما ندوتين متتابعتين: الأولى حول تصنيف الإخوان كجماعة إرهابية، والثانية كانت حول العنف واتهام الإخوان أيضا بارتكاب أعمال عنف هنا وهناك، سواء في التاريخ أو الآن. وهالني بحق أن يقام سوق الندوات حول الأمرين ضمن ثلاثة إدراكات اعتبرها قاصرة:
الأول: يتعلق بسياسات ردود الأفعال يحركنا حدثا غربيا بامتياز سواء التصنيف أو الاتهام بالعنف لنبادر بردود أفعال، وليس فعلا استراتيجيا، تأسيسيا، يحرك في ذات الوقت استراتيجية خطاب إسلامي واع ونقدي متكامل تتحرك ضمن فضاء العلاقات الداخلية والإقليمية والدولية، تخرج عن رد الفعل الذي يتخذ خطابا متراجعا دفاعيا بكل أشكاله وبذات أهدافه وغاياته.
الثاني: الإدراك المفاهيمي الواسع في سياق معارك المفاهيم التي تخوضها الأمة، فنحاول من خلال تصورات جزئية أو إدراكات ثقافية لا نلبث إلا أن ننطلق من تصورات خاطئة حول وسطية الإسلام، مغزاها دائما يعبر عن الموقف بين بين، أو نستسهل ذلك من خلال دفاع واندفاع دون التعرف على مفردات وأرضية التدافع في المطلوبات والواجبات، فبدا الخطاب متمركزا حول الحديث عن مضادات الاتهامات، فنقول إن الإسلام دين الرحمة، وهو حق لا امتراء أو افتراء أو تعسف أو تزيّد فيه، ولكنه حق لا نحسن القيام به، ولكن نستدعيه إذا ما اتهمونا بالعنف والإرهاب، قائلين: الإسلام هو دين السماحة والسلام ودين الرحمة، وإن قالوا إنه دين الإرهاب أو هو كذلك من أتباعه أكدنا أن الإسلام الوسطي يكافح الإرهاب ويقف ضده، وسرعان ما تقام اللجان وتعقد المؤتمرات، التي نظن أنها دفاع عن رؤية الإسلام وجوهر خطابه، ولكنها في حقيقة الأمر ليست إلا امتشاقا لصورة المحامي المدافع عن متهم، وخالت هذه اللعبة ضمن صناعة كبرى من الإسلاموفوبيا، والإخوان فوبيا.
كل ذلك تحت ضغط العقدة التي اصطنعها "مركز جون إم. أولين للدراسات الاستراتيجية" الذي دُشن في هارفارد برئاسة صموئيل هنتنجتون، وابتدر أعماله بمقالة حول نهاية التاريخ لفرانسيس فوكاياما، وتبعه مقال آخر لهنتنجتون حول صدام الحضارات، وقد تحولا من بعد ذلك إلى كتابين بعد صناعة أو اصطناع نقاش حولهما إن شئنا الدقة، وباتت العقدة مثل كل مرة تتحرك من مواقع الفكر الدفاعي الذي يشكل في أصله مراوحة في المكان ومداراة لا تنتهي ونستدرج إليها. ودائما الإسلام والمسلمون في دوائر الاتهام والتجريم، ونظل ضمن هذه الدوامة وفق عناصر استدراج منظمة ومنهجية، نخرج من واحدة لندخل في أخرى.
وقد كشفت معركة طوفان الأقصى مدى انخراط الغرب ورأس حربته التي تتمثل في الكيان الصهيوني في المنطقة وتصوراتهم عن التعامل معنا، وقد كان ارتكابهم لجريمة الإبادة الجماعية التي رآها كل أحد في المعمورة فاضحة عن هذه الرؤى، وتلازمت مع سيطرتهم على الأدوات الدولية والمسارات العالمية، وكيف أن المؤسسات الأممية رغم أنها تحركت صوب التجريم، ولكنها واجهت ضغوطا وخطابا عنصريا فاشيا منفلتا.
أما الإدراك الثالث الذي مثّل قصورا وتقصيرا استراتيجيا يتمثل في ضيق الأفق الذي يحصر الاهتمام في فصيل فينافح عنه، أو ينخرط في الدفاع عن قضية تستنزف فيها الطاقات الذهنية وتحصرها في زاوية لا تخرج عنها، مثلها مثل الملاكم المُستقوي الذي يحاصر خصمه في زاوية الحلبة ويكيل له اللكمات وينوّع الضربات والاتهامات بالأفعال والكلمات، فنظل في حالة الدفاع المقيتة التي لا تحرك رأيا أو رؤية والتي لا تؤصل موقفا استراتيجيا أو رؤية بنّاءة حول الإسلام وعالم المسلمين.
لقد كانت الثورات فعلا تغييريا مهما في مواجهة النظم الاستبدادية وفعل الطوفان في مواجهة الكيان العنصري الصهيوني الفاشي؛ آخر أشكال الاستعمار الاستيطاني الفاجر والفاضح في رعاية وكنف الحضارة الغربية التي دعمته وشجعته في كل سياساته، ثم كانت القاصمة في ملفات إبستين وجزيرته التي شكلت ماخورا يمارس فيه كل عمل مشبوه وكل عنف جنسي من نخبة الغرب؛ بمثقفيه وفنانيه وأكاديمييه وقادته السياسيين ورجال أعماله.
المسألة هنا كانت ترتبط بسقوط مدو لتلك الحضارة وفضيحة للحضارة الغربية لا تخطئها عين، فبرزت هذه الحضارات الفاجرة في إعانة وعون المستبدين والطغاة باعتبارهم وكلاء وعملاء، وفي عنصرية وهمجية ووحشية تمثلت في أخطر إبادة جماعية شهدها التاريخ الحديث والمعاصر، ثم كانت الفضيحة في نموذجها الشهواني الشارد والمتعة التي ارتكبت كل محرم يضاد الفطرة والقيمة الإنسانية.
وارتكبنا نحن القصور الأكبر حينما لم نتحرك في هذه اللحظات الكاشفة والفارقة والناقدة التي تشكل إرهاصا لأن تشكل لحظة فرقانية بانية، فلم نقدم الخطاب اللازم بأستاذية الإسلام والحضارة الإسلامية حينما تقدم المعنى الحق لهذه الأستاذية لعموم الإنسانية؛ في خطاب حضاري متماسك قادر على أن يخرج هذه الأمة من زاوية الاتهام أو من أي إجرام، ليحرر الأمر الذي يتعلق بهذه الحضارة الغالبة في زخرفها وزينتها التي حجبت حقيقتها، وقدمت صورة وهمية لحضارة خالية من قيم حقيقية إلا قيم اصطنعها الشيطان على عينه وفي تحالف متعمد ضد حقيقة الإيمان والعمران. نخوض هذا التدافع ضمن أصول الرؤية التوحيدية الاستخلافية العمرانية الفطرانية.
ومن هنا يمكن النظر إلى الظاهرة الإسلامية خاصة في بعدها الحركي وبعض الصور السلبية هي ربط الظاهرة الإسلامية بالعنف، مع الإقرار بأن هناك بعض الشواهد والمؤشرات التي تتعلق بارتكاب بعض هؤلاء من أعمال العنف، وتبني هذه الأعمال فيظل هذا مهما في إطار لماذا تقفز القاعدة وداعش -دائما- إلى صدارة المشهد ولا تظهر النماذج التي تتعلق بالتعارف الحضاري كعناصر من تلك الصورة.
نظن أن محاولة الغرب لتكريس المشاهد المتعلقة بظاهرة الإسلاموفوبيا يظل أمرا خطيرا ضمن التحيزات في معالجة هذه الظاهرة كذلك، فإن الموضوع المتعلق بالعنف يحتاج منا لمداخل لتفكيك هذه الظاهرة والتعرف على سياقاتها ومداخلها المختلفة التي يمكن أن تقوم بدور في تشكيل هذه الظاهرة وتراكمها بل وتطورها.
ومن هنا فإننا نشير إلى ظواهر تتعلق بالعنف الهيكلي، أي العنف الكامن في السياقات المجتمعية والثقافية والعنف المتعلق بالدولة والسلطة حينما تمارس عنفا غير مسبوق في تعاملها مع المعارضين ضمن أساليبيها الأمنية والبوليسية والفاشية، وهي غالبا ما تصنع ظواهر مستقبلية للعنف رغم أنها فيما يبدو تنظر إلى ذلك باعتباره مداخل للهيمنة والسيطرة وأن الأمور تحت تصرفها وتحت يديها، وفي حقيقة الأمر أن هذه التصور العليل بالنسبة لمثل تلك الظواهر التي تتولد عن هذه التصورات والإدراكات إنما يشكل مداخل لعنف مستقبلي محتمل؛ تكون فيه هذه الظواهر ضمن أشكال مستجدة لا تقوم السلطة بأي دور في فهم متغيراتها من منظور السياقات الاجتماعية والثقافية.
كما تمارس الدولة عنفها في الساحات والمساحات من الميادين إلى السجون من خلال تكميم الأفواه في مصر المخروسة وفي سياق استراتيجية بناء سجون جديدة تحكم سيطرتها عليهم في مصر المحبوسة، خصوصا بيئة السجون التي تشكل في حقيقة الأمر أكثر البيئات قابلية ومناسبة لصناعة العنف مستقبليا، وذلك ضمن سلوكيات خطيرة صارت تمارسها الدولة من باب إذلال المسجونين السياسيين والمعتقلين ضمن أشكال مختلفة، بالإضافة للجمع بين المتشددين وغيرهم، وكذلك المسجونين السياسيين والجنائيين، وغير ذلك من أمور قد تؤدي في النهاية إلى نشأة ظواهر مستجدة كامنة لا يُعرف مداها، وضمن سياقات معينة ينظر كذلك إلى أنماط من السلوك ضمن معادلات إقليمية ودولية لا تأبه بأي حال من الأحوال بمصالح المواطنين ومعايشهم، فيمكنها أن تقوم بمشروعات وتوافقات غالبا ما تكون على حساب المواطن العادي، وهو أمر أشارت إليه التقارير الحقوقية عن حالة سيناء على سبيل المثال، وما ترتب عليها من أشكال تتعلق بممارسة السلطة لكل أشكال العنف غير المبرر في مواجهة المواطن، وهو أمر أدى إلى صناعة ساحات محتملة للقيام بعنف أو على الأقل الانحياز لجماعات تمارس العنف.
هذه الرؤية أثرت على عسكرة الثورات؛ حيث اتخذت ظاهرة العسكرة شكلين خطيرين:
الأول، تحول الثورات إلى مواجهة مع العسكر تتعلق بمحاولة العسكر الاستئثار بالسلطة والتخطيط لذلك في ظل انعدام أي قواعد أو محاولات لما يسمى بالانتقال العسكري؛ وضبط العلاقات المدنية-العسكرية. ولا شك أن الحالة المصرية أوضح ما تكون في هذا المقام؛ بعد الحالة الانقلابية وفي ظل تخطيط الثورات المضادة لمواجهة الثورات بالحصار أو الالتفاف، وفي أحيان أخرى بالاستيلاء كما هو الحال في أحداث 30 حزيران/ يونيو والانقلاب العسكري في الثالث من تموز/ يوليو في الحالة المصرية تحت دعوى التحرك بغطاء شعبي؛ ومحاولة محاكاة ذات النموذج في ليبيا ضمن أدوار لخليفة حفتر.
والثاني، يتعلق بمواجهة النظم محل الثورات من قبل الشعوب وبعض الذين انشقوا من المؤسسات الأمنية للنظام بما فيها الجيش، إضافة إلى ما اصطنعته بعض التكوينات التي نشأت بمناسبة الثورات من ملحقات ذات طابع عسكري اتخذ مسار تسليح الثورات، وأدى ذلك إلى بروز لغة السلاح في معادلة التغيير، وهو أمر استُغل من قبل النظم المستبدة للاستعانة بدول خارجية واستخدام السلاح الذي تملكه تلك السلطات الطاغية بلا حد أو قيد، واستدرجت الثورات إلى حالة من الحروب الداخلية وفرضت على الثورات شكلا معينا من التعامل المعسكر، كما في الحالة السورية واليمنية والليبية، على اختلاف ما بين هذه الخبرات في مسألة العسكرة ومآلاتها وآثارها في تحول شكل هذه الثورات إلى حروب داخلية استغلها المستبدون. وهنا لا بد أن نشير إلى التقاء المصالح والعمل لحساب الخارج بين الداخلي والإقليمي والدولي، لتُحكم حلقة الاستبداد والطغيان في طبعة يتفاعل فيها الداخلي مع الخارجي.
بدت الحركات الإسلامية في الشكلين ترتكب جملة من الأخطاء التي مثلت أثرا سلبيا على مسيرة الثورات العربية في معظمها؛ من مقايضات ومساومات وتدخلات خارجية خضعت لتقديرات في ذلك الوقت شكلت منفذا لتدخلات خارجية واستخدام القوة المفرط وإقامة عملية تهجير واسعة، فضلا عن خيارات الانقلابات العسكرية التي أسهمت في إجهاض الثورات كما في الحالة المصرية كنموذج في هذا المقام، وحروب داخلية كما في سوريا وليبيا واليمن والسودان.
إنها المشاتل التي يجب أن نتعلم منها وعليها وأن نسبر أغوارها، فإن المرء قد يتعلم من الخطأ أكثر من الصواب؛ المشاتل مساحة وساحة للاختبار، والمختبر تتسع مساحاته بحجم الحدث واتساع مناطق تأثيره وامتداد آثاره. إن هذا الدرس يجعلنا دائما على وعي ناضج ومتكامل من معامل ومشاتل التغيير في العلاقة بين ظواهر لا يمكن الفصل فيها بين الداخل والخارج؛ ذلك أن الخارج لا يتمكن من الداخل إلا بمقدار ما يمُكّن له الداخل، وأن تغلب الخارج دائما مرهون بقانون الغلبة الخلدوني "المغلوب مولع أبدا بتقليد الغالب"؛ فهل تعلمنا منهج النظر لظواهر نحسبها داخلية محضة فإذا بها تصنع مادة وصورة في مصانع الغرب، وكذا من الظواهر ما تحسبه خارجيا تماما ولها من معاملات داخلية مثل ظواهر التبعية والذيلية؟ تدبروا في الإدراك والتصور من ممكنات الوعي، وأقبلوا على حركة ومسالك السعي الراشد.. استقيموا يرحمكم الله.
x.com/Saif_abdelfatah
المصدر
المصدر: عربي21
كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي مقالات قضايا وآراء كاريكاتير بورتريه العنف الغرب الحضارة اسلام عنف الغرب ثورة حضارة مقالات مقالات مقالات سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة
إقرأ أيضاً:
الجيش الأوكراني يحصل على قائد جديد.. من هو الجنرال الذي يراهن عليه زيلينسكي؟
منذ أكثر من 10 سنوات، عندما اندفعت عربة مدرعة أوكرانية لتحطم حاجزا نصبه "الانفصاليون" الموالون لـ روسيا في مدينة ماريوبول، تحول الضابط الشاب ميخايلو دراباتي إلى أحد رموز المقاومة الأوكرانية.
واليوم يعود الرجل نفسه إلى الواجهة، لكن في ظرف أكثر تعقيدا، بعدما اختاره الرئيس فولوديمير زيلينسكي قائدا أعلى للقوات المسلحة خلفا للجنرال أوليكسندر سيرسكي، في خطوة لا تعكس مجرد تغيير للأشخاص بقدر ما تمثل تحولا في فلسفة إدارة الحرب التي تخوضها أوكرانيا ضد روسيا.
اقرأ أيضا list of 2 itemslist 1 of 2عزلة القوة.. "الفراغ الأمريكي" يفاقم أزمة الشرعية الإسرائيليةlist 2 of 2الحرب التجارية تتجدد.. كيف تستعد الصين لجولة جديدة مع واشنطن؟end of listويرى تقرير نشرته صحيفة نيويورك تايمز ، وأعده الكاتب مارك سانتورا أن تعيين دراباتي يأتي في لحظة توصف بأنها من أكثر مراحل الحرب حساسية، إذ تتزامن مع انتقال عسكري وسياسي معقد، في وقت تواجه فيه أوكرانيا حرب استنزاف طويلة أصبحت التكنولوجيا، ولا سيما الطائرات المسيرة، العامل الأكثر حسما فيها.
ويشير سانتورا إلى أن القائد الجديد البالغ من العمر 43 عاما، ينتمي إلى جيل جديد من الضباط الأوكرانيين الذين نشأوا بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، ويؤمنون بأن مستقبل الحرب يعتمد على الابتكار والمرونة أكثر من اعتماده على أساليب القتال التقليدية.
ويوضح التقرير أن دراباتي يعد أحد أبرز مهندسي إستراتيجية "خط الطائرات المسيرة" التي تقوم على إنشاء نطاق قتالي متواصل خلف خطوط المواجهة يعتمد على الطائرات المسيرة الهجومية والاستطلاعية والأبراج الآلية، بدلا من الاكتفاء بخنادق ثابتة تتعرض باستمرار للهجمات الروسية.
وقد ساعد هذا الأسلوب -حسب الصحيفة- في إبطاء التقدم الروسي، ومنح القوات الأوكرانية فرصة لاستعادة زمام المبادرة في بعض الجبهات للمرة الأولى منذ سنوات.
غير أن التغيير العسكري لم يكن منفصلا عن أزمة سياسية داخلية، إذ يلفت سانتورا إلى أن قرار زيلينسكي بإقالة وزير الدفاع الإصلاحي ميخايلو فيدوروف، الذي كان يقود عملية تحديث الجيش وتوسيع استخدام الطائرات المسيرة والأنظمة الآلية، فجر احتجاجات في كييف ومدن أخرى، بعدما اعتبر كثير من العسكريين أن الرئيس انحاز في البداية إلى سيرسكي في خلافه مع الوزير حول مستقبل الحرب.
إعلانلكن اتساع الاحتجاجات، التي تحولت من المطالبة بإعادة فيدوروف إلى الدعوة لإقالة سيرسكي، دفع زيلينسكي في النهاية إلى تغيير القيادة العسكرية وتعيين دراباتي، المعروف بتأييده لرؤية فيدوروف القائمة على التكنولوجيا واللامركزية في اتخاذ القرار.
وترى صحيفة تايمز البريطانية -في تقرير لمراسلها مارك بينيتس- أن دراباتي لم يكتسب شهرته من مكتبه، وإنما من ساحات القتال.
ويستعيد بينيتس واقعة ماريوبول عام 2014، حين أمر دراباتي سائق المدرعة باقتحام الحاجز قائلا "انطلق بأقصى سرعة".
المهمة الجديدة للجنرال دراباتي تبدو أكثر تعقيدا بكثير من إنجازاته السابقة، إذ يتسلم منصبه وسط مجموعة من الأزمات المتشابكة، تبدأ من مشكلات التجنيد ونقص الأفراد، ولا تنتهي عند احتمال إطلاق روسيا موجة تعبئة جديدة
بواسطة مارك سانتورا
قائد جريءوتحول تسجيل تلك العملية إلى رمز متداول على وسائل التواصل الاجتماعي بعد إعلان تعيينه قائدا للجيش، باعتباره يجسد صورة القائد الجريء الذي يفضل المبادرة والمخاطرة على التردد.
وتضيف الصحيفة أن دراباتي واصل بناء سمعته خلال الحرب الحالية، إذ شارك في وقف التقدم الروسي نحو مدينة كريفي ريه، مسقط رأس زيلينسكي، وأسهم في تحرير خيرسون، قبل أن يتولى "قيادة القوات البرية" عام 2024، حين أعلن مباشرة عزمه على تنفيذ إصلاحات واسعة لمحاربة الفساد داخل المؤسسة العسكرية.
ورغم استقالة دراباتي بعد أشهر قليلة إثر مقتل عشرات الجنود في مراكز تدريب نتيجة ضربات روسية، معلنا أن القادة يجب أن يتحملوا مسؤولية إخفاقاتهم، فقد أعاده زيلينسكي بعد يومين فقط لقيادة القوات المشتركة، في خطوة عكست استمرار الثقة في قدراته العسكرية.
مهمات جديدة معقدةغير أن المهمة الجديدة تبدو أكثر تعقيدا بكثير من إنجازاته السابقة، إذ يقول تقرير نيويورك تايمز، إن دراباتي يتسلم منصبه وسط مجموعة من الأزمات المتشابكة، تبدأ من مشكلات التجنيد ونقص الأفراد، ولا تنتهي عند احتمال إطلاق روسيا موجة تعبئة جديدة، إضافة إلى حماية شبكة الطاقة الأوكرانية من الهجمات الشتوية، في وقت تتراجع فيه مخزونات الذخائر الخاصة بأنظمة الدفاع الجوي، فضلا عن ضرورة وقف التقدم الروسي البطيء في إقليم دونباس.
كما يواجه القائد الجديد تحديا سياسيا لا يقل صعوبة عن التحديات العسكرية، إذ سيكون مطالبا بالحفاظ على استقلالية القرار العسكري التي يدافع عنها الإصلاحيون، وفي الوقت نفسه التعامل مع ميل زيلينسكي إلى التدخل المباشر في إدارة العمليات الميدانية.
ويرى محللون -نقل عنهم كاتب التقرير مارك سانتورا- أن نجاح دراباتي لن يقاس فقط بما يحققه على الجبهات، وإنما أيضا بقدرته على إدارة هذه العلاقة الحساسة مع الرئاسة، ومنع تحول الخلافات السياسية إلى عبء إضافي على الجيش.
نهاية مرحلةفي المقابل، تقدم كارلوتا غال في صحيفة نيويورك تايمز قراءة موازية تركز على القائد المقال أوليكسندر سيرسكي، معتبرة أن إبعاده يمثل نهاية مرحلة كاملة في تاريخ الجيش الأوكراني.
وتقول غال إن سيرسكي كان أحد أبرز القادة الذين تصدوا للهجوم الروسي منذ الأيام الأولى للغزو عام 2022، وقاد معركة الدفاع عن كييف، ثم أشرف لاحقا على توسيع استخدام الطائرات المسيرة والروبوتات في ساحة القتال.
إعلانلكن الكاتبة ترى أن إنجازاته العسكرية لم تعد كافية لحمايته من الانتقادات المتزايدة، بعدما اتهمه كثير من الضباط باتباع أسلوب قيادة شديد المركزية، والإصرار على الاحتفاظ بمواقع عسكرية أصبحت غير قابلة للدفاع، وهو ما أدى -حسب منتقديه- إلى خسائر بشرية كبيرة.
صراع بين مدرستين
وتشير غال إلى أن الخلاف بين سيرسكي ووزير الدفاع السابق ميخايلو فيدوروف لم يكن مجرد نزاع شخصي، بل كان يعكس صراعا بين مدرستين مختلفتين في إدارة الحرب، الأولى تتمسك بقيادة تقليدية تعتمد على التسلسل الهرمي الصارم، والثانية تدعو إلى منح القادة الميدانيين حرية أكبر في اتخاذ القرار، وتسريع دمج التكنولوجيا والطائرات المسيرة والأنظمة الذكية في العمليات العسكرية.
وقد أدى هذا الصراع في النهاية إلى خروج الرجلين معا من المشهد، وإن كان تعيين دراباتي يوحي بأن رؤية فيدوروف الإصلاحية ما زالت تحظى بتأييد داخل دوائر صنع القرار.
وتضيف الصحيفة أن القائد الجديد يتبنى فلسفة تقوم على منح الوحدات المقاتلة صلاحيات أوسع للاستجابة السريعة لتغيرات الميدان، مع الاعتماد بصورة أكبر على البيانات الفورية وتقنيات الذكاء الاصطناعي والطائرات المسيرة.
أزمة الموارد البشريةويعتقد محللون أن هذه المقاربة قد ترفع كفاءة العمليات وتزيد من قدرة الجيش على مواجهة التفوق العددي الروسي، لكنها لن تكون كافية وحدها إذا لم تعالج أوكرانيا أزمة التجنيد المزمنة ونقص الموارد البشرية.
وتتفق صحيفة تايمز البريطانية مع هذا التقييم، لكنها تضيف بعدا سياسيا أوسع، إذ ترى أن تعيين دراباتي يمثل أيضا اختبارا للرئيس زيلينسكي نفسه، لأن الأزمة الأخيرة التي اندلعت عقب إقالة وزير الدفاع كشفت حجم التوتر داخل المؤسسة الحاكمة، وأظهرت أن الحرب لم تعد الساحة الوحيدة التي يواجه فيها الرئيس تحديات متزايدة.
وتنقل الصحيفة عن المحلل السياسي فولوديمير فيسينكو قوله إن ما جرى أبرز مرة أخرى أن السياسة الداخلية أصبحت نقطة الضعف الرئيسية في رئاسة زيلينسكي، وهو أمر قد ينعكس على مستقبله السياسي عندما تسمح الظروف بإجراء الانتخابات الرئاسية المؤجلة بسبب الحرب.