من المدهش والمستغرب أن ندرك حقيقة أن كل شيء في الوجود يتكلم، ويتواصل، ويدرك، أو يمتلك قدرا من الوعي بدرجات متفاوتة، ومع هذا التفاوت الملحوظ بين الموجودات والكائنات؛ فيمكن أن نقول إن الإنسان يمتلك الدرجات العليا من هذا الوعي الذي بواسطته استطاع أن يمتلك ملكة الكلام وبلاغته، ومن ثم حقق التفوق العقلي والمعرفي الذي أمكنه أيضا في اكتشاف الوجود وفك شفراته اللغوية والتواصلية المدهشة.
كذلك من المدهش أن نكتشف وجود لغات تخاطب بين الموجودات، على الأقل داخل الجنس الواحد؛ فتمتلك الطيور لغة تتخاطب بها فيما بينها، وكذلك الحيوانات مثل الذئاب والفيلة وغيرها، إذ تمتلك قدرات تخاطبية وتواصلية عبر لغات قائمة بالفعل، وهذا ما أثبته العلم وأكده. كذلك هناك لغات غير صوتية مثل الآلية التواصلية الكيميائية كما هو الحال لدى بعض الحشرات أو عبر سبل أخرى مثل التواصل الصامت غير المفسّر علميا بشكل قاطع كما سنرى لاحقا. لا يمكن أن نكون في هذا العالم العجيب من حولنا متفردين وحدنا بامتلاك خاصية اللغة وأسرارها التواصلية؛ فيمتلك الوجود ملكات وقدرات تواصلية متعددة بعضها يفوق قدرات الإنسان مثل قدرات بعض الحيوانات على التنبؤ المسبق بالكوارث الطبيعية الذي أرى أنها جزء من منظومة ملكة التواصل «الترددي» بين بعض هذه الكائنات والكون المحيط، ولعل كان الصوت أو الكلام أو اللغة هو العنصر الأقوى في عملية التواصل، ولذلك نمتلك نحن البشر هذه القدرة بأعلى درجاتها.
في هذا المقال أحاول أن أسرد شيئًا من هذا التخاطب أو التخاطر، ومن هذه اللغات التي تأتي بصورها المتعددة سواء المنطوقة أو الصامتة، والتي يترجم بعضها في سلوك بعض الطيور، وبعض الحيوانات، وفي الخلايا، وفي الدماغ، وكذلك على المستوى الكوانتمي، إضافة إلى ما يمكن أن نسميه بالترددات التخاطبية، وأعني ما أقوله عند ربط الترددات بالأصوات والتواصل؛ إذ تعتبر الترددات جزءًا رئيسًا في هذا الكون؛ فالبعض حين يستمع إلى أصوات معينة، تتغير مشاعره، وقد تتحسن أو تسوء، وكذلك الأمر عند الاستماع إلى الموسيقى أو أصوات الطبيعة من حولنا؛ حيث يتبدل المزاج والحالة النفسية نحو الأفضل أو الأسوأ، وهكذا، فإن الكون أيضا محاط بهذه الأصوات وبهذه الترددات.
رغم ما نجده من تفاوت في القدرات التواصلية وتغاير أنواعها من المنطوق إلى الصامت؛ فإن البشر بحيازتهم العقل الواعي المتفرّد بالقدرة اللغوية والخاصية التفكيرية والمعرفية؛ فلديه القدرة على فهم بعض السلوكيات الحيوانية، ونمتلك أيضا عبر المعرفة والعلم القدرة على إدراك -عبر تسخير العلم وأدواته- من وجود تخاطب وقدرات إدراكية تحدث في المحيط الذري وتحت الذري مثل الذي تدهشنا به فيزياء الكوانتم، أو ما يمكن تسميته بالتخاطب الكوانتمي؛ حيث أثبتت النظرية الفيزيائية الكوانتمية أن هناك أشكالا من التخاطب أو التفاعل الأقرب وصفا بالكوانتمي، لا ندركه بوسائلنا العادية أو بأساليبنا الكلاسيكية في الفهم، ويتجلى هذا الأمر في مظاهر فيزيائية كوانتمية بعيدة حتى عن المنهج العلمي التقليدي الذي اعتدنا عليه. يمكن أن نستبين ذلك في فهمنا -المختصر- لبعض من صور السلوك الكوانتمي للإلكترونات منها -وأهمها- سلوك الإلكترون في النطاق الكوانتمي عبر وصفه جسيما له كتلة وشحنة، ولكنه في أحيان أخرى يتبع سلوكا موجيا، فيتصرف كموجة. أُثبت هذا السلوك المزدوج عن طريق واحدة من أشهر التجارب الفيزيائية، وهي تجربة الشقين الصغيرين. في هذه التجربة، يقوم العلماء بإطلاق إلكترون واحد في كل مرة باتجاه حاجز يحتوي على شقين ضيقين، وخلف هذا الحاجز توضع شاشة رصد تسجل أماكن وصول الإلكترونات، ووفقا للفيزياء الكلاسيكية كان المتوقع أن يمر الإلكترون من أحد الشقين فقط، وأن تتشكل على الشاشة نقطتان تمثلان مساري المرور المحتملين كما لو كان جسيما صغيرا يتحرك في مسار محدد، ولكن ما يحدث يختلف تماما عن هذا التوقع؛ فعندما لا تحدث عملية المراقبة للشقين، تظهر على الشاشة ـ بعد تكرار التجربةـ خطوط متداخلة تُعرف بنمط التداخل، وهذا النمط هو نفسه الذي تنتجه الموجات مثل أمواج الماء أو الضوء. كذلك ومن المظاهر المدهشة الأخرى في السلوك الكوانتمي للإلكترونات إمكانية تشابكها كوانتميا، وهو ما يُعرف بـ«التشابك الكوانتمي»، ومثاله أن إلكترونين يمكن أن يرتبطا بحالة كوانتمية واحدة لو انفصلا عن بعضهما بعض بمسافات كبيرة؛ فما يحدث لأي إلكترون يحدث للآخر بنفس اللحظة. في هذا النوع من الارتباط، يؤدي قياس حالة أحد الإلكترونين إلى تحديد حالة الإلكترون الآخر في اللحظة نفسها، وكأن بينهما نوعا من «التواصل الكوانتمي» الذي لا يخضع لقوانين الزمان والمكان أو وفق المنطق العلمي التقليدي مثل الفيزياء الكلاسيكية وقوانينها المتوافقة مع المنهج الرياضي السائد.
أود أن أؤكد -وفق ما أتصوره- أن عالم اللغات والتواصل غير البشري من المجالات الجميلة التي تستحق أن نفهمها ونحتفي بها، خصوصا أنه حقل علمي يقل الحديث عنه ويكاد يندر. هنا يأتي العلم ليتحدث، ونحاول بواسطته أن نبرهن بعض هذه المظاهر ووجودها مستعينين بما يتيحه لنا من أدوات ومعارف. أما عن شغفي واهتمامي في هذا الحقل العلمي المدهش؛ فلم يكن وليد تجارب نظرية مجردة. فبدأت محاولتي الحقيقية بعد أن عملت لفترة طويلة في أبحاث الترددات، وهي أبحاث استعملتُ فيها الذكاء الاصطناعي في محاولة لترجمة الترددات، وكشفها، وفهمها، بوصفها لغة يمكن عن طريقها إدراك سلوكيات الآلات في المصانع، ولا سيما الآلات الميكانيكية، وتشخيص الأعطال والمشكلات التي تصيبها. امتد هذا العمل لاحقا إلى محاولة فهم جميع أنواع الترددات بما في ذلك الترددات التي ينتجها الجسم البشري مثل ترددات الدماغ والقلب، ولكن ظل التركيز الأكبر منصبا على الترددات الميكانيكية.
يمكنني أن أصف هذه الترددات -بعد سنوات طويلة من التمرس- بأنها تمتلك سيمفونية موسيقية خاصة بها، ومع الممارسة الطويلة والاستماع المستمر اكتشفت أنني أتعامل مع لغات طبيعية تنتجها هذه الآلات يمكن ترجمتها وفهمها، فيمكن أن يشير صوت معين أو تردد محدد إلى عطل بعينه أو إلى مشكلة محددة، وليس هذا الأمر غريبا. فيستطيع ميكانيكي السيارات -على سبيل المثال- بمجرد سماع الصوت أن يحدد نوع الخلل الذي تعاني منه السيارة. من هنا دخل الذكاء الاصطناعي بصفته أداةً لمحاولة فهم أعمق لهذه الأصوات الميكانيكية التي تتحول عند تحليلها إلى ترددات تُقاس بوحدة الهرتز، ومع هذا التعمق اكتشفت أن هناك عددًا هائلًا من الترددات التي تؤكد لنا أن الكون مليء بالترددات، وأنه مليء بالأصوات التواصلية والتخاطبية. فكأن حالي حين أتعامل مع آلة تئن باهتزازاتها الصوتية أنني أسمع صوتها، وأترجمه إلى تردد معين، وهذا التردد يشير إلى حقل محدد أتعامل معه مباشرة.
بعد هذه المحطة البحثية تولدت الأفكار، وبدأت أبحث في معاني هذه الترددات، فاكتشفت أن لها آفاقا وحدودا واسعة، فيمتلك الكون ذاته هذه الترددات. فأصوات الطبيعة ترددات، والموسيقى بأنواعها ترددات، والأصوات التي ننتجها نحن البشر تحددها نبراتها، ولطافتها، وحدتها، وهي في صميمها أصوات وترددات في آن واحد. هناك الكثير من الظواهر التي نتعامل معها يوميا التي تولّد لنا الفرضيات المتعلقة بعلم الترددات والأصوات والارتباطات التواصلية؛ لنسعى بواسطتها إلى تحسين فهمنا بوجودنا وأشيائه.
تقودنا هذه المحاولة إلى القول: إننا نتعامل مع كون قادر على التخاطب فيما بينه، وكذلك نحن البشر نستطيع أن نتخاطب مع الموجودات
من حولنا، رغم أنها ليست من جنسنا البشري؛ فثمة قدرة شعورية ما، أو حسٌّ خفي، يدفعنا إلى هذا النوع من التخاطب، ووجدت عبر بعض الدراسات والظواهر المثبتة أن بعض الأشجار -بعد فترة من العناية بها والتعلّق بها- تستطيع أن تشعر بالإنسان الذي يعتني بها؛ فتتغير استجابتها، أو تنشط، أو تتذبذب تبعا لسلوك ذلك الإنسان، وهذه من المظاهر العجيبة في هذا الكون التي تُظهر لنا جانبا من فلسفة الجمال في وجودنا بجانب الخفايا العلمية التي نجهل كثيرا منها ومن أسرارها.
كذلك الحيوان يتمتع بهذه القدرة؛ فيستجيب للمخاطبة، ويستجيب للمشاعر الكامنة فيها، ولا سيما تلك المرتبطة بالصوت ونبرته وإيقاعه، ويعيدنا هذا كله إلى الفكرة المركزية: أن التردد، بوصفه لغة كونية، يمكن أن يكون أحد المفاتيح الخفية لفهم هذا الوجود، والتواصل معه على مستويات أعمق مما نتصور.
لعلنا نتساءل: كيف يحصل التواصل بالأسلوب اللغوي والصوتي فيما بين الموجودات بأنواعها وأجناسها المتغايرة؟ وهل هناك تواصل صامت يمكن أن نقول -كما ذكرنا آنفا- إنه تواصل له علاقة بالترددات التي لا ندرك ماهيتها، ولا نعي كيف تتحرك أو تنتقل، لكنها أقرب ما يمكن تفسيرها عبر السلوك الكوانتمي، الذي شرحناه في سطور سابقة؟ فمثلا، ثمة تواصل يحدث بين الإنسان والنبات، وبين الإنسان والحيوان، أحيانا بالصوت وأحيانا من دون صوت، وقد يصل هذا التواصل إلى مستوى التخاطر، ونعني به تخاطر يحدث حتى من مسافات بعيدة، ويتعمق هذا النوع من التواصل كلما كانت علاقة الإنسان بذلك الحيوان أكثر قربا وتجذرا، وهذا أمر أُثبت وكتب عنه الكثير؛ إذ تبين أن معدلات هذا التواصل تزداد كلما كانت العلاقة بين الإنسان وحيوان ما علاقة قوية -على غرار ما ذكرناه سابقا في العلاقة بين الإنسان والنبات وتأثيرها القائم- كما في حالة الحيوانات الأليفة، ويمكن وهنا الإشارة إلى ما ذكره الكاتب البريطاني «روبرت شيلدريك» في كتابه «وهم العلم» -كتاب يعنى بالبحث بالظواهر التي غفلت عنه قوانين العلم التقليدية، ويحاول أن يستنهض الباحثين في إدراك ماهيتها المبهمة- الذي تناول العديد من الحوادث فوق الحسية -التي لم تحضَ بالقدر الكافي من الفحص العلمي- عن طريق المشاهدات المرصودة والتجارب مع الإنسان والحيوان، وأكد أن هذه الظواهر تزداد بين الأفراد الأكثر قربا سواء عبر العلاقات الأسرية أو الروابط العاطفية القوية، ولاحظ «شيلدريك» أن التخاطر وقوة التواصل عن بُعد لا يقتصران على الإنسان فحسب؛ فيمتدان إلى عالم الحيوان أيضا؛ حيث أشار إلى ذلك عبر ما ذكره ضمن ملحوظاته المتعلقة بالتخاطر عند الحيوانات أنه سأل أفراد عائلته وأصدقاءه وجيرانه عن أي مشاهدات تتعلق بقدرة الحيوانات على التخاطر؛ فسمع قصصًا كثيرة، ومن بين هذه القصص ما رواه عن إحدى جاراته، وهي أرملة كانت تربي قطا شديد التعلق بابنها الذي يعمل في البحرية، وكان يغيب لفترات طويلة عن المنزل، وعندما يعود لم يكن يخبرها بموعد عودته ولا حتى باليوم الذي سيصل فيه حتى لا تشعر بالقلق في حال تأخر. مع ذلك، كانت تعلم بموعد عودته عبر سلوك غير اعتيادي يصدر عن القط المقرّب منه؛ إذ كان يجلس على السجاد أو قرب مدخل البيت، ويبدأ بالمواء لمدة ساعة أو ساعتين قبل وصول الابن. عبر هذا السلوك من القط، كانت المرأة تدرك أن ابنها على وشك الوصول؛ فتبدأ بتحضير الطعام وتجهيز غرفته. يدرك كثير منا -خصوصا أولئك القريبون من الحيوانات الأليفة- مثل هذه المشاعر التواصلية الأشبه باللغة الصامتة الآيلة إلى الترجمة والفهم المتبادل.
يرى «شيلدريك» أن مثل هذه المشاهدات والظواهر لا يمكن أن تكون وليدة المصادفات العشوائية أو العبثية، ولكنها علامات تدل على قدرة الحيوانات على التخاطر، وعلى التواصل مع الإنسان، ويمكن أن يعدّ مثل هذا النوع من التواصل من أعلى درجات التواصل؛ لأنه يتجاوز حدود المكان والصوت، ويقع ضمن ما يمكن تسميته بالتخاطر عن بُعد الذي يكون في حقيقته موجودا، ولكننا نجهله، ولا نمتلك بعد الأدوات المعرفية الكافية لفهمه أو تفسيره تفسيرا علميا قاطعا. هنا يبرز الجانب الفلسفي والجمالي في هذا الموضوع؛ فالمشاعر لها ذبذباتها الخاصة، وهذه الذبذبات التي تنطلق من المشاعر قد تتلاقى وتتفاعل فيما بينها. لعلنا يمكن -بحذر شديد- إدخال مفاهيم فيزياء الكوانتم والسلوك الكوانتمي في محاولة فهم هذه الظواهر. صحيح أن هذا الإقحام قد يبدو -من منظور علمي صارم- نوعا من المبالغة أو الإفراط في التأويل، ولكنه مع ذلك يظل مجالا يستحق التأمل والفهم لأنه يقف عند تخوم العلم والفلسفة؛ حيث تبدأ الأسئلة الكبرى عن طبيعة الوعي والتواصل في هذا الكون. لهذا من فضائل العلم أن يتيح لنا ولخيالنا أن يسبح في بحر المعرفة بالأفكار والتساؤلات المشروعة التي تصحبها الدهشة، والدهشة في ذاتها إلهام فلسفي يطرق أبواب العلم بكل شغف وجرأة.
د. معمر بن علي التوبي أكاديمي وباحث عُماني
المصدر
المصدر: لجريدة عمان
كلمات دلالية: هذه الترددات هذا النوع من بین الإنسان فیما بین یمکن أن ما یمکن فی هذا
إقرأ أيضاً:
اعرف عدوك.. الوجع الإسرائيلي الذي لم نقرأه
كلما دار حديث عن الإعلام الإسرائيلي تقفز إلى ذهني على الفور صورة الأستاذة الدكتورة راجية قنديل. كانت أستاذة الصحافة بكلية الإعلام جامعة القاهرة واحدة من الأسماء التي أسست مبكرًا لتيار عربي أكاديمي جاد يؤمن بأهمية دراسة إعلام العدو من داخله، وتشكيل مدرسة بحثية عربية تهتم ببحوث هذا الإعلام؛ حتى نفهم كيفية بناء الرواية الصهيونية، وصناعة الصورة، والدعاية الموجهة.
ولعل من الدروس التي لا أنساها قولها: «إن كل حدث يقع على الأرض يُولد مرة أخرى في اللغة والصورة التي يقدم بها للناس».
كانت د. قنديل تدرك قبل كثيرين أن معرفة حقيقة العدو تتطلب نزع الغموض الذي يحيط به نفسه. وكانت أول باحثة عربية تحصل على درجتي الماجستير والدكتوراه في الإعلام الإسرائيلي في وقت لم يكن هذا الطريق سهلًا. وكانت -متعها الله بالصحة والعافية- على قناعة تامة بأن هذا الإعلام هو مرآة لمشروع صهيوني كامل بكل مخاوفه وأساطيره وأدوات دفاعه عن نفسه يطمح في تحقيق إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات.
أتذكر أيضا في السياق نفسه الكاتب الصحفي الراحل أنيس منصور وسلسلة مقالاته الشهيرة «وجع في قلب إسرائيل» التي كان ينشرها في مجلة «أكتوبر» التي أسسها ورأس تحريرها بتكليف من الرئيس أنور السادات في العام 1976، وجمعت لاحقا في كتاب بالعنوان نفسه.
كان منصور يكتب عن إسرائيل دون أن يراها. ومن خلال ما كان يقرأه في صحافتها كان يلتقط قلقها الداخلي، ويتابع ما تقوله عن نفسها، ثم يقدمه للقارئ العربي في قالب أدبي فلسفي وصحفي وبعبارات ساخرة أحيانًا، لكنها عميقة الدلالة. وكان يعلم أن في قلب العدو ما يستحق أن يعرفه القارئ العربي.
في سنوات ما بعد كامب ديفيد، ووادي عربة، وأوسلو تحول هذا العدو في بعض العواصم العربية إلى صديق، وتراجع الاهتمام بدراسة إعلام العدو في جامعاتنا والكتابة عنه من الداخل في صحفنا. صرنا نرى إسرائيل وهي تقصف غزة وجنوب لبنان وبيروت ودمشق، وحين تغتال قادة المقاومة في الداخل المحتل وفي الخارج، حين تقتل الأطفال والنساء والشيوخ دون رحمة في حملات الإبادة الجماعية، وحين تعذب الأسرى وتكذب بوقاحة منقطعة النظير على الشاشات والمنصات الرقمية. لم يعد لدينا أحد مثل راجية قنديل أو أنيس منصور يتابع كيف تُحضّر إسرائيل أكاذيبها قبل أن تصبح نشرات أخبار، وكيف تُبنى المفردات قبل أن تصبح سياسة، وكيف يُوزع الخوف قبل أن يتحول إلى قبول شعبي بالحرب، فنحن كما يقول المثل «نرى الانفجار، ولا نرى اليد التي وضعت المتفجرات» في اللغة والصورة والذاكرة.
إن أبسط ما يمكن قوله عن الإعلام الإسرائيلي أنه إعلام منحاز بطبعه، لكن هذه العبارة على صحتها تظل فقيرة؛ فكل إعلام في لحظات الصراع يحمل انحيازًا ما. المشكلة في الإعلام الإسرائيلي أنه يعرف كيف يُلبس انحيازه ثوب المهنية. يعرف متى يصرخ، ومتى يخفض صوته. يعرف متى يظهر بصورة الضحية الصغيرة المحاصرة، ومتى يتحدث بلغة القانون والديمقراطية وحقوق الإنسان. يعرف كيف يجعل الخريطة خبرًا، والجندي ابنًا للعائلة، والقصف عملية دقيقة، والطفل الفلسطيني رقمًا يحتاج إلى تدقيق.
هذا الإعلام لم يولد في فراغ. هو ابن المشروع الصهيوني كما هو ابن الدولة. قبل قيام إسرائيل كانت الكلمة جزءًا من الحشد، وكانت الصحافة تساعد في تحويل الهجرة إلى «عودة»، والاستيطان إلى «خلاص»، وفلسطين إلى أرض تنتظر من يعيد إليها معناها القديم. وبعد 1948 صار الإعلام شريكًا في بناء الدولة الجديدة؛ إذ يجمع مهاجرين لا تجمعهم لغة واحدة بسهولة، فيمنحهم رواية مشتركة، ويضع الفلسطيني في خانة الغائب أو العائق أو الخطر.
لذلك تبدو إسرائيل من الخارج دولة فيها صحف كثيرة وقنوات عديدة ومواقع صاخبة وخلافات لا تنتهي. وهذا كله موجود فعلًا. هناك صحافة تنتقد الحكومة، وقنوات تهاجم رئيس الوزراء، ومقالات تفضح الفساد، ومحللون يتجادلون بعنف، لكن الاقتراب من الفلسطيني يغير المشهد كله.
عند هذه النقطة تضيق اللغة، ويتقدم الأمن، ويعلو صوت الجيش، وتصبح الحرية مشروطة بما لا يمس أصل الرواية الصهيونية. يمكن انتقاد الحكومة، ويمكن لوم الجنرالات، ويمكن الحديث عن سوء الإدارة، لكن السؤال الأخلاقي الأكبر يظل غالبًا خارج المشهد: ماذا عن الاحتلال نفسه؟
في الحروب يصبح المشهد الإعلامي الإسرائيلي أكثر تعقيدا. لا تبدأ الحرب إعلاميا مع أول قذيفة، وإنما قبل ذلك بكثير، وعبر تحويل العدو سواء كان الفلسطيني، أو اللبناني، أو السوري، أو الإيراني تدريجيًا إلى خطر داهم بلا ملامح. ومع تكرار مفردات التهديد والتصعيد والردع، يشعر الجمهور أن الحرب قادمة لا محالة.
وحين تشتعل الحروب الإسرائيلية -وما أكثرها!- لا تبقى وسائل الإعلام شاهدًا محايدًا، وتتلاعب بالتغطية لكي تحدد من يستحق أن يُرى، وتمنح الإسرائيلي اسمه ووجهه وبيته وخوف أطفاله، فيما تترك الفلسطيني واللبناني مجرد رقم في أعداد القتلى والأسرى.
وكما تتلاعب بالتغطية تتلاعب الوسائط الإعلامية الإسرائيلية أيضا بالكلمات والمفردات، فالقصف الذي تمارسه على الآخرين ليس قصفا، ولكن استهداف، والاجتياح عملية، والاغتيال تحييد، والحصار إجراء أمني، والضحايا المدنيون أضرار جانبية. وهذه بالطبع ليست مجرد كلمات بريئة. إنها تنظف الفعل قبل أن يصل إلى المتلقي، وتمنح العنف اسمًا أكثر لطفًا، وتمنح القاتل مسافة من صورته الحقيقية. فمن يملك القدرة على ارتكاب الجريمة -كما يقولون- قد يمتلك أيضا القدرة على تبريرها، أو تخفيف وقعها النفسي على الآخرين عبر صياغتها بطريقة معينة.
بعد الحرب وعندما تصمت المدافع قليلًا يبدأ الإعلام الإسرائيلي معركة أخرى، ويتحول اتجاه برامج التلفزيون ومقالات الكتاب إلى التركيز على الردع، والدروس المستفادة، ويتجادل السياسيون حول الإخفاق والنجاح، ويُسأل الجيش عن كفاءته وليس عن شرعية أفعاله، ويصبح السؤال هو هل أُديرت الحرب جيدًا؟
ولأن إسرائيل تعرف أن العالم لا يتحدث العبرية؛ فقد طورت خطابًا كاملًا للآخرين تسميه دبلوماسية عامة أو شرحًا أو «هسبَرة». والهدف أن تظهر إسرائيل دائمًا كدولة صغيرة محاصرة، وأن يظهر جيشها مضطرًا إلى مواجهة أعداء يحيطون بها، وأن يظهر الفلسطيني خطرًا يحتاج إلى ضبط. وحين تخاطب العرب بالعربية فإنها تستهدف التسلل إلى الوعي، وتختلط في هذا الخطاب الذي يقدمه المتحدثون العسكريون رسائل التحذير والتخويف وتحميل المسؤولية للضحايا، ومحاولة شق صفوف المقاومة. ليس المطلوب من الإعلام العربي أن يكتفي بالغضب من الجرائم الإسرائيلية مهما كان الغضب مشروعًا؛ فالغضب وحده لا يهزم رواية تُصنع بعناية شديدة. ولا تكفي الكلمات الرنانة الكبيرة حين يكون الخصم قادرًا على إنتاج صورة صغيرة تؤثر في ملايين الناس. المطلوب أن نعود إلى الدرس الأول: أن نبحث، ونرصد، ونفكك، ونتابع، ونفهم كيف تتحرك آلة الحرب الإعلامية الصهيونية.
كانت راجية قنديل تعرف ذلك مبكرًا. وكان أنيس منصور بطريقته المختلفة يعرف أن قلب إسرائيل ليس مغلقًا تمامًا أمام من يقرأ جيدًا. في ذلك القلب خوف وتناقض وغطرسة وارتباك وأسطورة تحاول أن تحمي نفسها كل يوم. ونحتاج إلى قراءة هذا كله بدافع الضرورة؛ فالقضية التي لا تمتلك روايتها تترك صورتها لخصمها، والخصم الذي يكتب صورتك لن يمنحك وجهًا عادلًا.
هكذا تعود عبارة «اعرف عدوك» اليوم لتفرض نفسها علينا؛ فالمعرفة تبدأ من فهم الطريقة التي يصنع بها المحتل روايته، واللغة التي يستخدمها لتخفيف أثر عنفه وهمجيته، والخبر الذي يدفع الضحية إلى الهامش ويمجد القاتل. إن عدم قراءة الإعلام الإسرائيلي بوعي يجعلنا أسرى لرواية عدونا. لذلك يحتاج الإعلام العربي إلى أن يدرك أن الدفاع عن القضايا العربية قد يبدأ من التفتيش في قلب الإعلام الإسرائيلي الذي ما زال وسيبقي يعاني من الوجع.