غزة: رفوفٌ ممتلئة ولكن بماذا؟ لماذا تتوفر الكماليات ويغيب الدواء وحليب الأطفال والوقود؟
تاريخ النشر: 18th, February 2026 GMT
يوزع برنامج الأغذية العالمي حصة غذائية لكل أسرة بمعدل مرة كل شهرين، تتكوّن من الطحين وزيت الطهي وكميات محدودة من الأرز والبقوليات. المشكلة لا تتعلق فقط بتوفر السلع، بل أيضًا بغياب السيولة النقدية لدى معظم الأسر.
من يزور أسواق قطاع غزة هذه الأيام، قد لا يبدو له للوهلة الأولى أن القطاع يعيش تحت الحصار.
مع دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ في تشرين الأول أكتوبر 2025، أُعلنت مرحلة "تخفيف إنساني" تشمل فتح المعابر، وتدفق المساعدات، وإدخال الوقود ومواد الإيواء، بهدف نقل القطاع من حافة المجاعة إلى حد أدنى من الاستقرار.
Related الصحة العالمية : "في غزة مجاعة جماعية صنعها الإنسان" وارتفاع الوفيات بسبب الجوع إلى 117لكن الأرقام تشير إلى فجوة بين ما أُعلن وما تم تنفيذه حتى الآن. فبحسب المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، دخل القطاعَ منذ بدء الهدنة وحتى مطلع شباط فبراير 2026 نحوُ 29,603 شاحنات من أصل قرابة 69 ألف شاحنة كان يُفترض دخولها، أي بنسبة تقارب 43%. أما كمية الوقود التي وصلت فلم تتجاوز نسبتها 14% من الحصص المتفق عليها، وهو ما انعكس مباشرة على تشغيل المستشفيات، ومحطات المياه، والمخابز، والخدمات الأساسية. وحتى الآن، لم يصدر تعليق فوري من الجانب الإسرائيلي على هذه الأرقام.
وفي السياق ذاته، أشار مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية OCHA إلى أن تلبية الحد الأدنى من الاحتياجات الإنسانية في القطاع تتطلب تدفقًا يوميًا ومستقرًا للوقود والمواد الغذائية والمستلزمات الطبية، مؤكدًا أن حجم ما يدخل من مساعدات لا يغطي الاحتياجات المتزايدة في ظل الدمار الواسع للبنية التحتية والخدمات.
كما تشير الجهات المحلية إلى أن الخيام والبيوت المتنقلة لم تدخل بالكميات المعلنة، ولم يُفعّل معبر رفح بآلية مستقرة، ما أبقى مئات آلاف النازحين في ظروف إيواء مؤقتة رغم مرور أشهر على إعلان الهدنة.
Related "صرنا نحلم بخيمة ما تتمزق".. نازحو غزة يواجهون مأساة جديدة مع اقتراب الشتاء من المعابر إلى الخيامهذا الخلل لا يظهر فقط في البيانات، بل في تفاصيل الحياة اليومية. تقول تهاني أبو عبيد، نازحة من شمال قطاع غزة، "ما زلنا نعيش في الخيام كما خرجنا من بيوتنا. لا نشعر بأن هناك هدنة حقيقية. المواد التي قيل إنها دخلت لا نراها في حياتنا اليومية".
وتعكس شهاداتٌ مشابهة شعورًا عامًا بأن أثر التهدئة لم يصل إلى المخيمات بالشكل المتوقع، في ظل استمرار نقص الخدمات الأساسية وغياب الاستقرار.
في ظل هذا الواقع، تعتمد شريحة واسعة من السكان على المساعدات الإنسانية. ويؤكد برنامج الأغذية العالمي أنه يوزع حصة غذائية لكل أسرة بمعدل مرة كل شهرين، تتكوّن من الطحين وزيت الطهي وكميات محدودة من الأرز والبقوليات، مشيرًا إلى أن المشكلة لا تتعلق فقط بتوفر السلع، بل أيضًا بغياب السيولة النقدية لدى معظم الأسر.
وتواصل وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين، الأونروا، تقديم خدمات الإيواء داخل المدارس ومراكز النزوح، إلى جانب توزيع مواد غذائية وأغطية ومستلزمات أساسية، بينما توفر اللجنة الدولية للصليب الأحمر دعمًا طبيًا وإمدادات طارئة لبعض المستشفيات. غير أن هذه الجهود تبقى، وفق عاملين في المجال الإنساني، دون مستوى الاحتياجات المتراكمة.
"الموجود في السوق أغلبه كماليات. الأشياء الضرورية إما مفقودة أو أسعارها مرتفعة جدًا. حليب الأطفال مثلًا صعبٌ إيجاده، وإن وُجد لا يستطيع كثيرون شراءه" سائد أبو الكاس نازح، مخيم البريجرغم عودة بعض السلع إلى الأسواق، إلا أن طبيعتها تثير تساؤلات عدّة. فبينما تتوفر المشروبات الغازية والمسلّيات وبعض السلع الكمالية، تعاني الأسواق نقصًا في موادّ أساسية مثل زيت الطهي، والسكر، والأرز، والبقوليات، والبيض، واللحوم الطازجة، وحليب الأطفال، إضافة إلى الأدوية ومواد البناء.
يقول سائد أبو الكاس، من مخيم البريج، "الموجود في السوق أغلبه كماليات. الأشياء الضرورية إما مفقودة أو أسعارها مرتفعة جدًا. حليب الأطفال مثلًا صعبٌ إيجاده، وإن وُجد لا يستطيع كثيرون شراءه".
Related ارتفاع جنوني في الأسعار في غزة.. القطاع بين الحصار الإسرائيلي والاحتكار المحليولا تقتصر المشكلة على طبيعة السلع، بل تمتد إلى القدرة الشرائية، في ظل فقدان معظم السكان مصادر دخلهم خلال الحرب. ووفق بيانات صادرة عن الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، تجاوز معدل البطالة في قطاع غزة 75%، فيما سجلت بطالة الشباب نسبًا أعلى من ذلك، ما يجعل توفر السلع في حد ذاته غير كافٍ لضمان الوصول إليها.
ويقول أحمد عارف، من دير البلح، إن الأزمة تتجاوز الغذاء إلى الطاقة، مضيفا " الأسعار مازالت مرتفعة جدًا، وحتى لو توفرت بعض السلع فليس كل الناس قادرين على شرائها. الكهرباء غائبة والاعتماد على البطاريات أو مصادر الطاقة البديلة مكلف جدًا. الناس لا تعود إلى الحياة الطبيعية، بل تحاول البقاء"
Related غزة بلا وقود: أزمة الغاز تتحول إلى كارثة إنسانية.. ونازحون يطبخون على الحطب والورق! اقتصاد مشوّه وتآكل في القوة الشرائيةيرى الخبير الاقتصادي محمد أبو جياب أن ما يحدث في أسواق غزة لا يعكس تعافيًا اقتصاديًا حقيقيًا، بل إعادة تشكيل للسوق تحت القيود. ويقول إن حصر عمليات الاستيراد بعدد محدود من الشركات، تعمل غالبًا عبر وسطاء، أدى إلى تركّز السوق وارتفاع الأسعار، فيما سُمح بتدفق بعض المواد غير الأساسية مقابل استمرار نقص السلع الحيوية.
ويشير تحليل صادر عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية إلى أن الأسر في غزة أنفقت نحو 3.7 مليارات دولار على الاستهلاك النهائي بين تشرين الأول أكتوبر 2023 وتشرين الأول أكتوبر 2025، إلا أن القيمة الحقيقية لهذا الإنفاق، وفق أسعار ما قبل الحرب، لا تتجاوز 1.07 مليار دولار، ما يعني تآكلًا بنحو 71% في القوة الشرائية نتيجة التضخم وارتفاع الأسعار.
Related مرضى عالقون خلف البوّابة المغلقة.. كيف حوّل إغلاقُ معبر رفح العلاجَ في غزة إلى انتظار قاتل؟ويرى خبراء أن أي انخفاض مؤقت في أسعار بعض السلع بعد إعلان وقف إطلاق النار يبقى هشًا، في ظل استمرار القيود على المعابر وتقنين إدخال البضائع، ما يجعل السوق عرضة لتقلبات حادة.
انعكس نقص الوقود والمستلزمات الطبية بوضوح على القطاع الصحي. وتشير بيانات رسمية في غزة إلى أن نسبة توفر الأدوية الأساسية تقلّ عن 40 بالمئة، فيما تعاني المستشفيات من نقص في المستهلكات الطبية والوقود اللازم لتشغيل المولّدات. كما تفيد مصادر طبية بأن أكثر من 60 بالمئة من أسرّة المستشفيات العامة مشغولة، في ظل صعوبة تحويل المرضى إلى القطاع الخاص بسبب التكلفة المرتفعة.
وتحذر جهات صحية من أن استمرار القيود على إدخال الوقود والمستلزمات يهدد بمزيد من التراجع في قدرة النظام الصحي، خاصة مع ارتفاع معدلات الأمراض المزمنة وسوء التغذية بين الأطفال.
تُظهر المعطيات أن تدفق السلع بعد وقف إطلاق النار لم يترافق مع استعادة حقيقية لدورة الاقتصاد أو الخدمات الأساسية. وبين مخيّمات ما تزال تعاني نقص الإيواء الملائم، وأسواق تتوفر فيها سلعٌ غير أساسية مقابل ندرة في المواد الحيوية، يبقى أثر الترتيبات الإنسانية محدودًا على الحياة اليومية في القطاع، ما يعكس فجوة مستمرة بين الالتزامات المعلنة والواقع الميداني.
انتقل إلى اختصارات الوصول شارك محادثة
المصدر
المصدر: euronews
كلمات دلالية: إيران غرينلاند الصراع الإسرائيلي الفلسطيني الحرب في أوكرانيا محادثات مفاوضات الذكاء الاصطناعي إيران غرينلاند إيران غرينلاند الصراع الإسرائيلي الفلسطيني الحرب في أوكرانيا محادثات مفاوضات الذكاء الاصطناعي إيران غرينلاند برنامج الأغذية العالمي وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين أونروا حصار مستشفيات إسرائيل إيران غرينلاند الصراع الإسرائيلي الفلسطيني الحرب في أوكرانيا محادثات مفاوضات الذكاء الاصطناعي رمضان دونالد ترامب إسرائيل روسيا الصحة تكنولوجيا وقف إطلاق النار بعض السلع إلى أن فی غزة فی سوق
إقرأ أيضاً:
مستشفى الرنتيسي يحذّر: أمراض معدية وسوء تغذية تهدد أطفال غزة
الثورة نت /..
حذّر رئيس قسم الأطفال في مستشفى الرنتيسي بمدينة غزة، الدكتور شريف مطر، من تدهور خطير في الوضع الصحي للأطفال في قطاع غزة، في ظل تصاعد انتشار الأمراض المعدية وتفاقم حالات سوء التغذية، بالتزامن مع انهيار المنظومة الصحية وتراجع المساعدات الإنسانية.
وقال مطر، في تصريح لـ وكالة “سند للأنباء”، اليوم الخميس، إن المستشفيات، وعلى رأسها مستشفى الرنتيسي، تسجل ارتفاعًا كبيرًا في أعداد الإصابات بفيروس الجدري، لا سيما في المحافظات الجنوبية من القطاع.
وبيّن أن أقسام الأطفال تستقبل مئات الحالات الجديدة يوميًا، فيما اقترب عدد الإصابات المسجلة منذ مطلع يوليوالجاري من 10 آلاف حالة.
وأوضح أن هذا الانتشار الواسع للأمراض يرتبط بتدهور الظروف الصحية والبيئية، نتيجة الاكتظاظ داخل مراكز الإيواء، ونقص المياه النظيفة، وتراجع خدمات الصرف الصحي والنظافة العامة، وهي عوامل ساهمت في توفير بيئة ملائمة لانتقال العدوى بين الأطفال.
ولفت مطر إلى تصاعد حالات الطفح البكتيري في القطاع، معتبرًا أنه أكثر خطورة من الجدري بسبب ما يسببه من التهابات جلدية حادة ومضاعفات قد تؤدي إلى تدهور سريع في الحالة الصحية للأطفال، مشيرًا إلى أن رقعة انتشاره باتت تتسع مع ارتفاع أعداد المصابين.
وأضاف أن الطواقم الطبية رصدت عودة حالات التهاب الكبد الوبائي، بعد ظهوره خلال العام الماضي، وسط مخاوف من توسع دائرة الأمراض الوبائية بفعل استمرار تدهور الأوضاع الصحية والبيئية.
وفي ملف سوء التغذية، ذكر مطر أن المستشفيات تستقبل أعدادًا متزايدة من الأطفال الذين يعانون من سوء تغذية حاد، نتيجة تفاقم أزمة الغذاء وتراجع كميات المساعدات الواصلة إلى السكان، إضافة إلى إغلاق عدد من التكايا التي كانت توفر وجبات غذائية.
وأضاف أن تأثيرات سوء التغذية لم تعد تقتصر على فقدان الوزن والهزال، بل بدأت تظهر في صورة مضاعفات صحية خطيرة، موضحًا تسجيل حالات إصابة بتضرر أعصاب الأطراف المصحوب بالشلل، بسبب النقص الحاد في العناصر الغذائية والفيتامينات الأساسية.
وبيّن أن مستشفى الرنتيسي سجل ست حالات من هذه الإصابات، فيما سُجلت خمس حالات في مستشفى أصدقاء المريض، وسبع حالات في مجمع ناصر الطبي.
وحذّر مطر من أن استمرار التدهور الغذائي والصحي قد يؤدي إلى عودة أمراض خطيرة كان يُعتقد أنها اختفت منذ عقود، نتيجة الانهيار المتواصل في منظومة الأمن الغذائي والرعاية الطبية.
وشدد على أن الحصار الصهيوني ونقص الأدوية والمستلزمات العلاجية، إلى جانب أزمة الغذاء والمياه، جعلت قطاع غزة بيئة خصبة لانتشار الأمراض المعدية والأوبئة، في وقت يبقى الأطفال الأكثر عرضة للخطر بسبب ضعف المناعة وسوء التغذية.
ودعا المجتمع الدولي والمؤسسات الصحية والإنسانية إلى التحرك العاجل لإنقاذ القطاع الصحي في غزة، وتوفير الأدوية واللقاحات والمكملات الغذائية، وضمان وصول المساعدات الإنسانية.
وختم مطر بالتحذير من أن استمرار الأوضاع الراهنة سيؤدي إلى تفاقم الكارثة الصحية واتساع رقعة الإصابات والوفيات بين الأطفال.