مدير الطاقة الدولية يحذر من تراجع أولوية المناخ جراء الانقسامات الدولية
تاريخ النشر: 18th, February 2026 GMT
تتسع الفجوة بين القوى الكبرى في مقاربتها لسياسات الطاقة والمناخ، في وقت يحذر فيه مدير وكالة الطاقة الدولية فاتح بيرول من أن "التصدع في النظام السياسي العالمي" بات ينعكس بوضوح على مشهد الطاقة.
ونقلت صحيفة "فايننشال تايمز" البريطانية عن بيرول قوله إن "تغير المناخ يتراجع على جدول السياسات الدولية"، مع استمرار أمريكا في التراجع عن التزاماتها المناخية في عهد الرئيس دونالد ترمب.
وأوضح بيرول، في مقابلة مع الصحيفة البريطانية أن "بلدانًا مختلفة تختار مسارات مختلفة في ما يتعلق بالطاقة وتغير المناخ"، مشيرا إلى أن الولايات المتحدة تتراجع عن تعهداتها، بينما تمضي أوروبا والصين قدما في مسار التحول للطاقة النظيفة وخفض انبعاثات الكاربون.
وأشارت فايننشال تايمز إلى أن ترمب ألغى الأسبوع الماضي قرارا رئيسيا كان يدعم سلطة وكالة حماية البيئة الأمريكية في تنظيم مجال الانبعاثات، وذلك بعد أسابيع من سريان انسحاب واشنطن من اتفاقية باريس للمناخ والمبرم في 2015.
وفي المقابل، خففت دول أوروبية طموحاتها المناخية، إذ قلّص الاتحاد الأوروبي في العام الماضي هدفه المعلن لخفض الانبعاثات لعام 2040، وخفف خططه للتخلص التدريجي من محركات الاحتراق بحلول 2035.
كما لفتت الصحيفة البريطانية إلى أن انبعاثات قطاع الطاقة في كندا ارتفعت، مع دعم رئيس الوزراء مارك كارني لقطاع النفط والغاز في مواجهة تهديدات تجارية من ترمب.
اجتماع باريس وتوتر أمريكيوجاءت تصريحات بيرول مع انعقاد الاجتماع الوزاري لوكالة الطاقة الدولية في باريس، حيث يناقش الوزراء قضايا أمن الطاقة والمواد الخام الحيوية وإجراءات المناخ. ونقلت "فايننشال تايمز" عن وزير الطاقة الأمريكي كريس رايت قوله خلال فعالية في باريس أمس الثلاثاء إن نماذج الحياد الصفري لعام 2050 التي أعدتها الوكالة "سخيفة"، مضيفًا أن على الوكالة أن تركز على "مهمتها الأساسية" في جمع البيانات وتعزيز أمن الطاقة.
إعلانوقال الوزير رايت، بحسب الصحيفة إن وكالة الطاقة الدولة "تقوم بعمل كمي ممتاز في مجال الطاقة، لكنها بحاجة إلى التركيز على تلك المهمة وليس… مجاملة سياسيين أوروبيين أو أمريكيين". وهدد رايت بسحب عضوية الولايات المتحدة إذا أصبحت الوكالة "مهيمنة ومشبعة بأمور المناخ".
من جهتها، دعت وزيرة الطاقة الهولندية صوفي هيرمانس، التي تترأس اجتماع باريس، إلى "نهج واقعي وبراغماتي" في التعامل مع تغير المناخ، مؤكدة أن الشركات تحتاج إلى وضوح في الاتجاه العام، لكنها أضافت أنه "في وضع جيوسياسي غير مستقر، يجب أن تكون مرنًا… لإعادة تشكيل سياساتك بما يتناسب مع الوضع".
ورغم التشكيك الأمريكي في المؤسسات متعددة الأطراف، أشار بيرول إلى أن دولًا جديدة تسعى للانضمام إلى الوكالة. ونقلت الصحيفة عن مصدر مطلع أن كولومبيا ستنضم كعضو كامل للمنظمة -التي تضم حاليًا 32 دولة- فيما تمضي الهند نحو نيل العضوية الكاملة، وتستعد البرازيل لبدء إجراءات العضوية، بينما ستصبح فيتنام عضوا مشاركا.
وفي ملف المواد الخام الحيوية، شدد بيرول على ضرورة تنويع الإمدادات قائلاً "نرى أن دولة واحدة اليوم لها دور مفرط في المعادن الحيوية.. من المهم العمل مع دول عديدة متشابهة في التفكير لتوفير التنويع"، في إشارة إلى دور الصين في مجال المعادن النادرة.
وبينما تتباعد المسارات بين القوى الكبرى، تستمر المناقشات في باريس حول كيفية الموازنة بين أمن الطاقة ومتطلبات التحول الأخضر، في مشهد يعكس عالمًا يتجه نحو تعدد المقاربات بدل الإجماع السابق حول سياسات المناخ.
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: وسم حريات دراسات الطاقة الدولیة وکالة الطاقة إلى أن
إقرأ أيضاً:
الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
يُخيَّل إلينا أحيانًا أن التاريخ تصنعه الجيوش، وأن خرائط العالم تُرسم بالقوة وحدها، وأن التحولات الكبرى لا تأتي إلا على وقع المدافع وصخب المعارك. غير أن قراءة متأنية لمسيرة البشرية تكشف حقيقة مختلفة؛ فقبل كل حدث عظيم كانت هناك فكرة، وقبل كل فكرة كانت هناك كلمة.
الكلمات ليست مجرد أصوات عابرة أو حروف مصطفة على الورق، بل هي القوة الأكثر حضورًا واستمرارًا في حياة الأمم. فالكلمة التي تُقال في لحظة فارقة قد تعيش قرونًا، وقد تمتد آثارها إلى ما هو أبعد من عمر أصحابها.
في القرن التاسع عشر، لم يكن اسم دي لسبس مرتبطًا بآلة حفر أو أسطول بحري بقدر ما ارتبط بفكرة استطاعت أن تتحول إلى مشروع غيّر حركة التجارة العالمية وبدّل أهمية الجغرافيا السياسية للمنطقة. كانت البداية كلمة ورؤية وإقناعًا، ثم أصبح الحلم واقعًا.
وبعد أكثر من قرن، وقف الرئيس محمد أنور السادات أمام العالم ليطلق كلماتٍ بدت آنذاك غير مألوفة في منطقة اعتادت لغة الصراع. لم تكن “كامب ديفيد” مجرد اتفاق سياسي، بل كانت تعبيرًا عن انتقال من مرحلة تاريخية إلى أخرى، بغض النظر عن المواقف المختلفة تجاهها أو تقييم نتائجها. لقد أثبتت تلك اللحظة أن كلمة واحدة قد تفتح أبوابًا ظلت مغلقة لعقود.
والأمثلة في التاريخ لا تُحصى. فكم من حرب بدأت بخطاب، وكم من سلام وُلد من كلمة، وكم من شعب نهض لأن قائدًا آمن بفكرة واستطاع أن يصوغها في عبارة لامست وجدان الناس.
إن عالمنا اليوم، بكل ما يملكه من تقدم علمي وتكنولوجي غير مسبوق، لا يعاني نقصًا في القوة بقدر ما يعاني نقصًا في الكلمات القادرة على جمع ما تفرّق، وبناء ما تهدّم، وإحياء الأمل حيث استوطن اليأس.
نحن نعيش زمنًا تتسارع فيه الأحداث وتتعاظم فيه التحديات، من الحروب والصراعات إلى الأزمات الاقتصادية والتغيرات الاجتماعية العميقة. وفي خضم هذا المشهد المضطرب، لا يزال العالم يبحث عن كلمة جديدة؛ كلمة تُعيد تعريف العلاقة بين الشعوب، وتمنح الإنسان سببًا إضافيًا للإيمان بالمستقبل.
فالتاريخ، في جوهره، ليس سجلًا للأحداث فقط، بل هو سجل للأفكار التي انتصرت، وللكلمات التي وجدت طريقها إلى العقول والقلوب. وما من تحول كبير إلا وكان في بدايته شخص آمن بكلمة قبل أن يؤمن بها الآخرون.
ولعل السؤال الأهم ليس: ما الكلمة التي غيّرت التاريخ في الماضي؟
بل: ما الكلمة التي يمكن أن تغيّر المستقبل؟
سؤال أتركه لكل قارئ، ولكل صاحب قرار، ولكل إنسان ما زال يؤمن بأن للكلمات قوة تفوق أحيانًا قوة السلاح، وأن التاريخ
قادم قد يبدأ من كلمة لم تُقَل بعد …..