الامتداد البحري العُماني قديمًا وحديثًا
تاريخ النشر: 18th, February 2026 GMT
حمد الناصري
لا شك أنّ بلاد السند منطقة تاريخية وذات جغرافية واسعة حول نهر السند، وتاريخيًا تُعرف الهند كجزء من البلاد التي تشترك مع دول أخرى بهذا النهر، وتعتبر جغرافية الهند جغرافية شبه قارة في اتساعها، وقد عُرفت لدى الفرس باسم الهند "نسبة إلى النهر الذي يشمل البلاد الواقعة على وادي السند" وهو ما يُعرف أيضًا بـ"Indus River"؛ إذ كان غرب الهند يُمثل حدودًا لهذا النهر، كما عُرفت الهند قديمًا باسم "بهارات Bhārat" نسبة إلى الملك الأسطوري "بهاراتا".
وعُرفت أيضًا باسمها الحديث وفقًا لمرجعية "هندوستان" الملك الأسطورة ثم أطلق عليها اسمًا من شقين"سندو" تعني نهر السند، اسم أطلقه الفرس كما أطلق الاغريق عليها اسم إندوس "Indos". وقد تطوّر الاسم ليصبح لدى الأوروبيين "إنديا " India" وظل الامتياز لاسم بهارات القديم الذي استخدمه رئيس وزراء الهند في قمة مجموعة العشرين عام 2023. وقد اعتبر البعض أنّ رئيس الوزراء الهندي بتطرّقه لاسم الهند القديم "بهارات" بأنه يُحَضِّر لإعادة اسم الهند الحالي إلى اسمها القديم.
ولا غرو أنّ نهر السند موطن الحضارات القديمة، فقد عُرفت بلاد نهر السند منذ العصر البرونزي، من عام 1300 ق.م إلى 3300 ق.م، والسند القديمة هي "الهند الحالية" التي فتحها المسلمون بقيادة محمد بن القاسم الثقفي في عهد الخليفة الوليد بن عبد الملك عام 92 هجرية، 711م.
وفي معركة القادسية التي انتصر فيها المسلمون في عهد الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، طلب الفرس مدّ العون والتحالف من "الراجا داهر" وأوردت بعض المصادر أنّ "يزدجرد" الفرس الساساني طلب من ملك الصين دعمًا لكن الأخير- كما يُقال- نصحه بأن يبقى في ظلهم.
ولا ريب أن الهند الحالية تمتلك تاريخيًا بحريًا ممتدًا لأكثر من 5 آلاف عام نظرًا لما حظيت به من حضارة قديمة 2300 ق م، وعلاقات تجارية وبحرية امتدت إلى بلاد ما بين النهرين، وكانت الموانئ بها، مثل بومباي وكوشين مراكز رئيسة لتجارة التوابل والمنسوجات ممّا جعلها قوة امتداد بحري وتجاري في البحر العميق، الذي كان له تأثير ثقافي واسع في جنوب شرق آسيا.
ونظرًا لأن عُمان القديمة والحديثة تتشارك مع الهند في هذه المساحة البحرية المُمتدة؛ وذلك يتأتى لأنّ لعُمان امتدادًا بحريًا إلى أقصى شرق افريقيا، وقد سَمّى العُمانيون الأرض التي اختاروا انطلاقة حضارتهم الافريقية منها بزنجبار، دار السلام، التي أسسها السلطان ماجد بن سعيد في عام 1865م، وجعلها عاصمة ومقرًا ومركزًا لسلطنته، فازدهرت البلاد الافريقية في عهد العُمانيين تجاريًا واقتصاديًا وكانت دار السلام ملاذا آمنًا لكل شرق افريقيا.
وسيطرت عُمان القديمة على طرق التجارة البحرية فوصل نفوذها التجاري إلى موانئ الهند، خاصة الموانئ الواقعة على الساحل الغربي للهند، مثل مالابار وبومباي، وذلك يعني أنّ عُمان كانت لها هيمنة بحرية وتجارية مُستندة على اسطولها البحري الضخم، وكان لها تبادل تجاري على الساحل الغربي الهندي، وكان التبادل التجاري مشتركًا بين عُمان والهند فكانت عُمان تصدر لها اللبان. والتمور. والخيول. وتستورد من الهند التوابل والأخشاب. وكانت الريادة العُمانية في تلك الموانئ الهندية، منذ الالفية الثالثة قبل الميلاد.
كلّ ذلك يُبين أن موقع عُمان في البحر المفتوح ودورها كان بارزًا جدًا بشهادة المُستكشفين عبر القرون حتى آخر انحسار لتلك الحضارة الماجدة 1964 ميلادي.
وكان للملاح العُماني أحمد بن ماجد الملقب بـ"أسد البحار" دورًا محوريًا في الملاحة البحرية قاطبة؛ بل إنّ الوثائق التاريخية تُشير في مُجملها إلى دوره الكبير في ارشاد المُستكشف البرتغالي فاسكو دا جاما عبر المحيط الهندي إلى الهند عام 1498م. وساهمت خبرته البحرية في نجاح رحلة فاسكو دا جاما البرتغالي للاستدارة من نقطة رأس الرجاء الصالح ليستكشف المسلك البحري الجديد. وقد وضع الملاح العُماني أحمد بن ماجد عدة مؤلفات عدة في علم البحار منها "الفوائد" التي تشرح فنون البحر والملاحة الفلكية والرياح الموسمية، فكان أهم قباطنة ومُسْكتشفي البحار العميقة قاطبة.
والسؤال لماذا لا يكون لعُمان مُحيط مائي بحري من جهتها الشرقية المُتصلة ببحر العرب؛ لتكون مياهًا بحرية عُمانية تُعرف باسمها كما عُرفت الهند بها.
وتُعد اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار (UNCLOS) لعام 1982 هي الإطار القانوني الدولي الرئيسي لتحديد حقوق الدول في البحار والمحيطات، التي يُشار إليها بـ"دستور المحيطات"؛ حيث تُقسم الاتفاقية المناطق البحرية إلى مياه داخلية، بحر إقليمي حتى 12 ميلًا بحريًا منطقة "متاخمة" ومنطقة اقتصادية خالصة حتى 200 ميل بحري؛ ممّا يمنح الدول حقوق سيادية لاستكشاف واستغلال الموارد.. وإلى حد يومنا هذا، فعُمان التاريخية برغم ما لها من هيمنة بحرية وامتداد تاريخي ورغم وصُول سيطرتها إلى بلدان واقعة على سواحل المياه العميقة للمحيط، ورغم أنّ واجهتها الشرقية واقعة قُبالة المُحيط البحري العميق لكنها لم تحظ بمياه بحرية باسمها كغيرها، رغم امتداد سواحلها إلى أكثر من 3165 كم، بشريط ساحلي طويل من مضيق هرمز في الشمال (مسندم)، وحتى حدود اليمن جنوبًا. كما إنها مُطلة على الخليج العربي من الشمال ومُطلة على بحر العرب من الجنوب، لكن جهتها الشرقية والجنوبية مفتوحة دون تخصيص يُشير على أنها مياه عُمانية بينما تُشرف عليها عُمان وتُعتبر مصبّا للبحار الستة، وظلت هذه المساحة خارج ملكيتها البحرية.
المصدر
المصدر: جريدة الرؤية العمانية
إقرأ أيضاً:
نموذج صيني متقدم للاستزراع المائي البحري باستخدام الطاقة المتجددة والتقنيات الرقمية
تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق
تتجه مدينة فوتشو، عاصمة مقاطعة فوجيان الصينية، نحو تطوير نموذج متقدم للاستزراع المائي في عرض بحر الصين الشرقي، يعتمد على منصات عائمة ذكية تعمل بتقنيات منخفضة الانبعاثات الكربونية، وتدار جزئيًا عبر أنظمة رقمية وتطبيقات الهاتف المحمول، في خطوة تعكس تحولًا نوعيًا في قطاع إنتاج الغذاء البحري.
وذكرت صحيفة China Daily اليوم الإثنين، أن هذه المنصات البحرية الذكية تنتج أكثر من 2200 طن سنويًا من المأكولات البحرية، بقيمة تقدّر بنحو 44 مليون دولار، ضمن منظومة تشغيل متكاملة تضم 13 منصة حاليًا، مع خطط للتوسع إلى 15 منصة بحلول نهاية عام 2026، عبر إضافة وحدات جديدة من سلسلة “يونهاي”.
وتعتمد هذه المزارع البحرية على مزيج من الطاقة الشمسية وطاقة الرياح لتشغيل أنظمتها، ما يجعلها منخفضة الانبعاثات الكربونية، كما تحتوي كل منصة على عشرات المستشعرات الذكية التي تراقب درجات الحرارة ونسبة الأكسجين والتيارات البحرية، بما يتيح إدارة رقمية شبه كاملة لعمليات الإنتاج.
وتتميز المنصات بقدرتها على تربية أنواع بحرية عالية القيمة، مثل القاروص الأصفر الكبير وسمك الآبالون، باستخدام أنظمة تغذية ومراقبة مؤتمتة بالكامل، إضافة إلى تصميم هندسي يسمح بتحمل الظروف البحرية القاسية بما فيها الأعاصير الشديدة.
كما تعتمد هذه الأنظمة على تقنية الدوران الذاتي للأقفاص البحرية بزاوية 360 درجة كل عدة أيام، بهدف تنظيف الهياكل من التكلسات الحيوية وتحسين جودة المياه، ما يقلل من الحاجة إلى عمليات صيانة تقليدية مكلفة.
وأكد القائمون على المشروع أن هذا النموذج يسهم في رفع جودة الإنتاج مقارنة بالمزارع الساحلية التقليدية، نتيجة الاعتماد على التيارات البحرية الطبيعية التي تعزز صحة الأسماك ونشاطها، ما ينعكس إيجابًا على جودة المنتج النهائي.
ويمثل هذا النموذج تحولًا مهمًا في صناعة الاستزراع المائي، من خلال الجمع بين التقنيات الرقمية والطاقة النظيفة والإنتاج واسع النطاق، بما قد يسهم في إعادة تشكيل مستقبل قطاع الغذاء البحري خلال السنوات المقبلة.