رمضان... بين اعتدال الأرض وانتظام السماء
تاريخ النشر: 18th, February 2026 GMT
تتجدد في شهر رمضان المعاني الإيمانية، وتتكشف فيه -لمن يتأمل- دقة التوقيت الكوني وانتظام حركته. فحين نقرأ التقويم ونحسب المواقيت فإننا في الحقيقة نقرأ أثر حركة الأرض حول الشمس، ودوران القمر حول الأرض، في لوحة زمنية بالغة الإتقان مصداقا لقوله تعالى:
«إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ» .
في منتصف هذا الشهر المبارك، وتحديدا يوم 13 من رمضان الموافق 3 من مارس يشهد العالم خسوفا كليا للقمر. يدخل القمر كاملا في ظل الأرض، فيُحجب عنه ضوء الشمس المباشر، ولا يصل إليه إلا ما انكسر من أشعة الشمس عبر الغلاف الجوي للأرض، فتتشتت الألوان القصيرة ويبقى الأحمر منها، فيتلون القمر بلون نحاسي مهيب يستمر قرابة 58 دقيقة في مرحلة الخسوف الكلي.
ورغم أن هذا الخسوف لن يكون مرئيا في سلطنة عُمان ولا في الوطن العربي ـ
إذ ستكون مناطق الرؤية في شرق آسيا وأستراليا والأمريكتين وأجزاء واسعة من المحيط الهادئ ـ إلا أن القدرة على تحديد لحظة بدايته ونهايته بدقة تامة تذكرنا بقول الله تعالى:
(لَا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ). (يس:٤٠)
إنه انتظام لا يتقدم ولا يتأخر لأن لكل جرم مداره وزمانه المحدد.
أما في مسقط فتتراوح مدة الصيام خلال رمضان تقريبا بين 12 ساعة و48 دقيقة في بدايته، وتصل إلى نحو 13 ساعة و25 دقيقة في نهايته.
في الأيام الأولى يكون الفجر قرابة الساعة 5:21 صباحا والمغرب حوالي 6:10 مساء ثم يتقدم الفجر تدريجيا إلى نحو 4:57 صباحا ويتأخر المغرب إلى قرابة 6:23 مساء مع اقتراب نهاية الشهر. هذا التغير اليومي في الدقائق يعكس اقترابنا من الاعتدال الربيعي؛ حيث يزداد طول النهار يوما بعد يوم في النصف الشمالي من الكرة الأرضية.
وداخل سلطنة عمان يظل الفارق في مدة الصيام محدودا لا يتجاوز غالبا 10 إلى 15 دقيقة تقريبا نتيجة اختلاف دوائر العرض. وتكون أقصر مدة صيام في محافظة مسندم لوقوعها في أقصى الشمال، بينما تكون أطول مدة في محافظة ظفار لوقوعها جنوبا، وهو فرق طفيف، لكنه يعكس أثر الموقع الجغرافي بدقة واضحة.
أما من الناحية المناخية فيأتي رمضان هذا العام في أجواء معتدلة نسبيا مقارنة بالصيف.
ويظهر أثر التنوع التضاريسي في بلادنا جليا؛ ففي المرتفعات مثل الجبل الأخضر تنخفض درجات الحرارة بشكل ملحوظ خاصة ليلا، بينما تبقى المناطق الداخلية والصحراوية أكثر دفئا نهارا مع برودة أوضح خلال ساعات الليل؛ تنوع في الأرض كما هو تنوع في المناخ، وكل ذلك يسير وفق سنن ثابتة.
وخلال السنوات القادمة سيبقى رمضان في فصل الشتاء وأوائل الربيع؛ حيث بدأ رمضان 1447هـ في 19 من فبراير، وسيتقدم كل عام بنحو 10 إلى 11 يوما بسبب قِصر السنة الهجرية عن السنة الميلادية. ومن المتوقع أن يأتي رمضان مرتين في السنة الميلادية 2030م (رمضان 1451هـ في يناير، ورمضان 1452هـ في ديسمبر)، وهي حالة نادرة نسبيا لكنها نتيجة طبيعية للفارق بين التقويمين، في دورة زمنية كاملة تستغرق نحو 33 سنة.
إن تأمل هذه المعطيات لا يقودنا إلى معرفة المواعيد فحسب، بل إلى إدراك المعنى؛ فبداية الشهر مرتبطة بحركة القمر، وكل ذلك يجري في نظام لا يختل. وحين نضبط أوقاتنا على الفجر والمغرب، فإننا في الحقيقة نعيش على إيقاع هذا النظام الكوني الدقيق.
رمضان 1447هـ يجمع بين ساعات صيام معتدلة، وأجواء مريحة نسبيا، وحدث فلكي عالمي مميز وإن لم يُشاهد في منطقتنا. وبين عبادة الصوم وتأمل السماء مساحة واسعة للتدبر؛ فكما أن للأجرام مدارات لا تحيد عنها، فإن للإنسان طريقا مستقيما إن أحسن النظر في آيات الله في كتابه وفي الكون من حوله.
نسأل الله أن يعيننا على صيام رمضان وقيامه، وأن يجعل لنا فيه نصيبا من صفاء القلب وعمق التدبر، وأن يجعله شهر خير وبركة على الجميع.
إبراهيم بن محمد المحروقي نائب رئيس الجمعية العمانية للفلك والفضاء
المصدر
المصدر: لجريدة عمان
إقرأ أيضاً:
الأكسجين يختفي من مياه الأرض.. علماء يحذرون من كارثة بيئية وشيكة
الولايات المتحدة – حذر علماء من أن الأكسجين المذاب في مياه المحيطات والبحيرات والأنهار يشهد انخفاضا بمعدلات مثيرة للقلق، بسبب الأنشطة البشرية، ما يهدد استقرار النظم المائية والغلاف الحيوي بأكمله.
ودعت دراسة نشرتها مجلة Limnology and Oceanography إلى إدراج “نضوب الأكسجين المائي” ضمن إطار “الحدود الكوكبية”، وهو نظام وضعه 28 عالما في 2009 لتحديد 9 عمليات حيوية تجاوزها البشر بالفعل، مثل تغير المناخ، وفقدان التنوع البيولوجي، وتحمض المحيطات، والتلوث الكيميائي.
وتوضح الباحثة إيريكا فيرر، المؤلفة الرئيسية من جامعة كاليفورنيا، أن صحة الكوكب تعتمد على صحة النظم المائية التي تحتاج الأكسجين لتعمل، مضيفة أن الدراسة تهدف إلى إبراز نضوب الأكسجين المائي كتهديد عالمي لا يعمل بمعزل عن غيره.
لكن كيف يستنزف البشر أكسجين المياه؟
الحقيقة أن الأكسجين المذاب في الماء يختلف عن الأكسجين المرتبط بجزيئات H2O، إذ إن الكائنات الحية تعتمد على الغاز المذاب للتنفس. وهناك عاملان رئيسيان وراء تراجع نسبته.
أولا: ارتفاع حرارة المياه. إذ مع زيادة انبعاثات الكربون وارتفاع متوسط درجة حرارة الأرض، ترتفع حرارة المسطحات المائية، والماء الدافئ يحمل أكسجينا مذابا أقل من الماء البارد. كما أن الطبقات السطحية الدافئة تمنع اختلاط الأكسجين مع الأعماق.
ثانيا: التلوث بالمواد المغذية. حيث تؤدي ممارسات الزراعة والصرف الصحي والصناعة إلى ضخ كميات كبيرة من النيتروجين والفوسفور في المياه، ما يغذي تكاثر الطحالب بشكل هائل، وعند تحللها تستهلك كميات كبيرة من الأكسجين. كما أن الحرارة والمغذيات الزائدة تحفزان استهلاك الميكروبات للأكسجين، ما يفاقم النقص.
ويحذر الباحثون من أن نضوب الأكسجين المائي يقترب من “منطقة خطر”، مع تأثيرات قد تكون غير قابلة للعكس خلال حياتنا.
ووفقا لمبادرة كوبرنيكوس الأوروبية، فقد المحيط العالمي نحو 2% من أكسجينه المذاب منذ الخمسينيات، ومن المتوقع أن يفقد 1% إلى 7% إضافية بحلول نهاية القرن. ورغم أن هذه النسب قد تبدو صغيرة، إلا أن أي نقص ولو بسيط يكفي لحرمان الكائنات الحية من احتياجاتها الأساسية وتعريض التوازن البيئي الدقيق للخطر.
وفي مراجعتهم، حلل الباحثون التفاعلات بين نضوب الأكسجين والحدود الكوكبية التسعة المعروفة، ووجدوا أنه يتفاعل مع تغير المناخ، وتحميل المغذيات، وفقدان التنوع البيولوجي، وتحميل الهباء الجوي، ما يجعله أزمة متشابكة مع بقية التحديات البيئية.
واقترح الباحثون 4 مؤشرات لتقييم حالة نضوب الأكسجين المائي وتحديد حد عالمي له، وهي: تركيز الأكسجين المذاب ومدى انتشار المستويات المنخفضة جدا، ومدى قرب الماء من سعة تشبعه بالأكسجين، والتغيرات في الكائنات الحية الحساسة للأكسجين، ومؤشر استقلابي يقارن احتياجات الكائنات من الأكسجين بالكمية المتاحة.
ويأمل الباحثون أن يؤدي إدراج نضوب الأكسجين المائي ضمن إطار الحدود الكوكبية إلى حشد الاهتمام العالمي بهذه الأزمة، وتوفير خريطة طريق لمعالجتها.
المصدر: Gizmodo