رمضان في عُمان أيام زمان.. أحداث عظام وقعت في رمضان
تاريخ النشر: 18th, February 2026 GMT
ناصر أبوعون
يظل رمضان موئل الذكريات، وحافظة التاريخ العُمانيّ بوجه خاص، والعربيّ بوجه عام، ولا يزال العُمانيون إلى يومنا هذا يعتزوّن بالتقويم الهجريّ يؤرخون به أحداثهم، وينظمُون على شهوره يوميّاتهم، وينسبون إلى شهوره وأيامه مواليد عظمائهم وسادتهم، ويسبقون بالميلاديّ إرثًا وتقليدًا صارًا عُمانيًّا خالصًا، فهُم بيضة الإسلام وشأفته، يستمسكون بدينهم ولا يفرّطون في تاريخهم، ويرونه تراثهم الذي لا يزول وجوده، ولا يرضون الدنيّة فيه؛ وأخذوا منه سمتهم في ملابسهم وسمات شخصياتهم، أُباةٌ لا ينال الزمان من هيبتهم، وبيض القلوب قبل الملابس، لا يضرهم من خالفهم أو خذلهم، السماحة زادهم الذي لا ينفد، والقيم ماءهم الذي لا ينضب، والرزانة بضاعتهم التي لا تفسد، مسالمون ولا يستعلون بقوتهم، ومسلمون لا يرضون الدنية في عقيدتهم، ومؤمنون لا يضرهم من خذلهم أو خالفهم.
وفي هذه الإطلالة كل يوم نتذكر سويًا سراجًا لا تخبو شعلته من التاريخ العُماني، ونطوف في خارطة الزمان والمكان لنكتشف قبسًا من نور حضارته، ونتمثل برجالهم ونسائهم قدوةً لا يمَّحي أثرها، ولا تنطفئ مصابيحها..
مبايعة الجُلَنْدَى بن مسعود بن جَيْفَر بالإمامة في رمضان
بويع الإمام الجلندى بن مسعود إمامًا مُهابًا في شهر رمضان عام 132 من الهجرة النبويّة؛ وفق التنظيم السياسي والدينيّ الشوريّ الذي وضعه أهل الحل والعقد في هذا الزمان، الذين يولّون عليهم وفق مبدأ الاختيار الذي يرى في (الأكفأ عدْلًا وعلمًا)، وهو الأولى في عقيدتهم باعتلاء سُدّة الحكم. وقد شهدت عُمان في عهد الجلندى حالة من الاستقلالِ السياسيّ النسبيّ عن مراكزِ الخلافة العباسيّة، غيرَ أنَّ هذا الاستقلالَ لم يَدُم طويلًا، وقد جاءت إمامة الإمام الجلندى جامعة بين الدين والسياسة، وملتزمة بشروط العدل وأحكام الشريعة، ودام حكمه عامين اثنين في الفترة ما بين (132-134هـ / 749-751م)، وذلك على إثر صِدامٍ مع الخلافة العباسية، وقد شهدت عُمان في عهده حالة من الاستقلال السياسيِّ النسبيِّ عن مراكزِ الخلافة، وبعده واجهت الإمامة الإباضية حملة عسكريةً عباسية بقيادة خازم بن خزيمة، انتهت بسقوطِ الإمامةِ واستشهادِ الإمامِ الجُلَنْدَى سنةَ 134هـ.
وفاة السلطان تركي بن سعيد البوسعيدي في رمضان 1888م
يُعد السلطان السلطان تركي بن سعيد بن سلطان بن أحمد بن سعيد البوسعيدي من الحكام البارزين في تاريخ سلطنة عُمان الحديث، وقد ارتقى سُدّة الحكم في الفترة بين (1871 - 1888م)، في مرحلة كانت فيها الدولة العُمانية تواجه تحديات داخلية وخارجية، وتتطلب توطيد السلطة وبناء علاقات دبلوماسية وتجارية مع الدول الأوروبية. بعد حكم دام سبعة عشر عامًا قضى السلطان تركي بن سعيد نحبه وصعدت روحه إلى ربه في الرابع والعشرين من رمضان سنة 1305هـ، الموافق الثالث من شهر يونيو سنة 1888م. صعد السلطان تركي بن سعيد إلى سُدّة الحكم بعد وفاة والده السلطان سعيد بن سلطان، وكانت الإمبراطورية العُمانية آنذاك منقسمة بين عُمان والساحل الشرقي لأفريقيا وزنجبار، ورغم التحديات. حافظ السلطان تركي على علاقة طيبة مع أخيه السلطان برغش بن سعيد حاكم زنجبار، وهو ما كاد أن يثمر عن إعادة توحيد شطري الإمبراطورية العُمانية، إلا أن الظروف السياسية والإقليمية حالت دون تحقيق الوحدة الكاملة بين عُمان وزنجبار. وقد شهد عهد السلطان تركي تطور العلاقات العُمانية الهولندية، حيث تم توقيع إعلان تجاري بين الدولتين سنة 1877م، مما ساهم في توسيع رقعة التجارة البحرية، وتعزيز النفوذ العُماني في المحيط الهندي وخليج عُمان، وإضفاء مزيد من الشرعية الدولية على الدولة العُمانية.
وفاة البطاشي شيخ المحققين العُمانيين في رمضان
في الثالث والعشرين من رمضان، سنة 1347 للهجرة الموافق الخامس من مارس عام 1929م، أبصر النور الشيخ سيف البطاشي في قرية إحدى بـ(شرقية عُمان)، فقد نشأ في بيئةٍ كان فيها العلم هو الزاد، والقرآن هو البداية، والسؤال هو الطريق. وفي مطلع شبابه، هاجر إلى شرق أفريقيا، ليس طلبًا للمال، ولا بحثًا عن تجارة، بل بحثًا عن كنوزٍ لا تصدأ: الكتب والمخطوطات. وصل الشيخ القاضي سيف البطاشي إلى زنجبار في السادس عشر من شهر ربيع الآخر 1370هـ الموافق 23 يناير 1951م، موثقًا وصوله برسالةٍ بخط يده لا تزال شاهدةً على بداية رحلة علمية فريدة. وهناك عمل ليتكسّب من يده لشتري الكتب، ويجمع نفائس المخطوطات مثل: (شرح النيل، تاج العروس، شرح القاموس)، وبعد أربع سنوات، عاد إلى عُمان عام 1955م محملًا بالعلم لا بالبضائع، ولم يكن الشيخ سيف البطاشي مقلدًا، بل باحثًا، مناقشًا، مراسلًا للعلماء، حيث أرسل المسائل، وناقش الآراء، وأحيانًا كان يجيب قبل أن يُسأل، بتواضع العالم وثقة الباحث. ومن أقدم أسئلته الموثقة تعود إلى العاشر من شهر المحرم عام 1375هـ، وكانت تلك الفترة نواة مسيرته الفقهية العميقة، واحتفظ بالكثير من المراسلات، لأنه كان يعلم: (أن العلم تاريخ، وأن السؤال وثيقة)، وبعد عودته إلى الوطن، تولّى القضاء في ولايات عدة؛ نذكر منها: (ضنك، ودما والطائيين، وجعلان بني بو حسن، وبوشر، وإبراء، وقريات، والسيب). فقد كان قاضيًا يحكم بالعلم، ويزن الأمور بالتاريخ، ويجمع بين النص والواقع، ثم عمل في وزارة التراث القومي والثقافة فاشتغل بتصحيح المخطوطات، ومراجعة المطبوعات، ثم انتقل بعدها إلى ديوان البلاط السلطاني في مكتب المستشار الخاص للشؤون الدينية والتاريخية، وظل طوال حياته قريبًا من الكتاب حتى آخر الطريق. وقد خلّف الشيخ سيف البطاشي مؤلفاتٍ راسخة، نذكر منها: (إرشاد السائل إلى معرفة الأوائل)، و(تاريخ المهلب القائد وآل المهلب)، و(إتحاف الأعيان في تاريخ بعض علماء عُمان)، و(الطالع السعيد في تاريخ الإمام أحمد بن سعيد)، و(إيقاظ الوسنان وفتح الرحمن في جوابات الشيخ سلطان البطاشي) وهذه الكتب لم تؤرخ أشخاصًا فحسب، بل حفظت ذاكرة وطن. وفي صباح يوم الخميس، 28 جمادى الأولى 1420هـ الموافق 9 سبتمبر 1999م، ترجل الشيخ سيف البطاشي عن الدنيا، لكن أثره… ما زال حيًا بين السطور.
وفاة السلطان ثويني بن سعيد آل بوسعيدي في 27 رمضان 1282هـ
وُلد ثويني بن سعيد عام 1821م في عُمان، وهو الابن الثالث للسلطان سعيد بن سلطان آل بوسعيدي، الذي كان يحكم إمبراطورية واسعة تشمل عُمان وأجزاء كبيرة من شرق أفريقيا، وخاصة زنجبار، ثم توفي في الحادي عشر من فبراير 1866م (الموافق 27 رمضان 1282هـ) بقلعة صحار.
ومنذ شبابه كان السلطان ثويني، يشارك في إدارة شؤون الحكم في عُمان، إذ عُيّن من قِبَل والده نائبًا عنه في البلاد أثناء غيابه الطويل في زنجبار، مما أكسبه خبرة واسعة في السياسة والإدارة. وفي 1856م، بعد وفاة والده في زنجبار، أصبح السيد ثويني بن سعيد سلطانًا على مسقط وعُمان، بينما تولّى أخوه السيد ماجد الحكم في زنجبار. وعلى الرغم من أن فترة حكمه لم تدم طويلاً، إلا أنه ظل شخصية محورية في التحوّلات الكبرى التي مرت بها سلطنة عُمان بعد انقضاء عهد والده، وظلّ يمثّل محورًا مهمًّا في فهم تاريخ الصراع على السلطة في عُمان خلال القرن التاسع عشر.
دخول أهل شيراز في رمضان وهزيمتهم على أسوار بهلا
يُشير عددٌ من المصادر التاريخية إلى خروج جماعة مسلّحة من أهل شيراز ببلاد (فارس) إلى أرض عُمان في عهد السلطان عمر بن نبهان، وذلك في سنة 674هـ (1275م تقريبًا) بحسب مخطوطات التاريخ العُماني، فقد ضمّت هذه الجماعة نحو 4500 جندي، يقودهم فخر الدين أحمد بن الداية وشهاب الدين، وكان خروجهم ذا طابعٍ استعماريّ غير واضح الهدف السياسي؛ إذ ارتبط بالأوقات التي كان فيها الاضطراب السياسي والعسكري في المنطقة يفتح المجال لتحركات وجماعات خارجية. ولم يتمكّن هؤلاء المرتزقة من اقتحام (قلعة وولاية بهلا) رغم محاولاتهم المتكررة، وهي الولاية التي اشتهرت بتحصيناتها وقوة دفاعاتها. وقد توفي قائدهم (فخر الدين أحمد بن الداية) أثناء هذا الحصار، وقد كان يتألّف جيشهم من مجموعات متباينة من الفرسان والمرتزقة، مما أدّى في النهاية إلى تفكك جحافلهم وانكسرت شوكتهم، وعودة النظام النسبيّ إلى الأقاليم العُمانية بعد هذه المحنة.
المصدر
المصدر: جريدة الرؤية العمانية
إقرأ أيضاً:
حكم مَن فاته رمي الجمرات في بعض أيام الرمي
يبدأ وقت رمي الجمار للحاج من يوم النحر وينتهي بغروب شمس اليوم الثالث من أيام التشريق، بحيث يرمي الحاج في يوم النحر جمرة العقبة بسبع حصيات، وفي كل يوم من أيام التشريق يرمي الجمرات الثلاث -الصغرى والوسطى والكبرى- كل واحدة بسبع حصيات، فإن لم يرم حتى خرج وقت الرمي وجبت عليه فدية.
حكم مَن فاته رمي الجمراتأمَّا إن فاته رمي ما أُمر برميه من الجمار فإنه يجوز أن يتداركه فيما بقي من أيام التشريق، مع وجوب الترتيب بين الرمي المتروك ورمي يوم التدارك بأن يبدأ بما فاته أولًا، ويقع ما تداركه أداءً لا قضاءً.
حكم رمي الجمار في الحج ووقته
رمْيُ الجمار واجبٌ من واجبات الحج، و"الْأُمَّة أَجْمَعَتْ عَلَى وُجُوبِهِ"، وأيام الرمي أربعة هي: يوم النحر -العاشر من ذي الحجة- حيث تُرمَى جمرة العقبة بسبعِ حصيات، وأيام التشريق: هي الأيام الثلاثة التي تلي يوم النحر، فهي: يوم الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر من شهر ذي الحجة. حيث تُرمى الجمرات الثلاث -الصغرى والوسطى والكبرى- كل واحدة بسبع حصيات متعاقبات، وذلك في كل يوم من أيام التشريق.
حكم ترك رمي الجمار في الحج
تركُ الرمي بالكُلِّية بدون عذر حتى يخرج وقته يُوجِب على صاحبه فدية، ويخرج وقت الرمي بغروب شمس اليوم الثالث من أيام التشريق، قال الإمام ابن عبد البر في "التمهيد" (17/ 255، ط. وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية المغربية): [أجمع العلماء على أن من فاته رمي ما أُمر برميه من الجمار في أيام التشريق حتى غابت الشمس من آخرها وذلك اليوم الرابع من يوم النحر وهو الثالث من أيام التشريق، فقد فاته وقت الرمي ولا سبيل له إلى الرمي أبدًا، ولكن يجبره بالدم أو بالطعام على حسب ما للعلماء في ذلك من الأقاويل] اهـ.
ودليل ذلك ما ورد عن ابن عباس رضي الله عنهما، أنَّه قال: «مَن نَسِيَ مِنْ نُسُكِه شيئًا أو تَرَكَه فلْيُهْرِقْ دمًا» أخرجه موقوفًا الإمام مالك في "الموطأ"، والبيهقي في "السنن" و"معرفة الآثار" واللفظ له.
أمَّا مَن فاته رمي يومِ النحر أو رمي أحدِ أيام التشريق الأولى، فللفقهاء تفصيل في ذلك، فذهب الحنفية أنَّه يرمي في الليلة التي تلي ذلك اليوم الذي أخَّر رميه ويقع أداء، ولا فدية عليه حينئذٍ؛ لأنَّ الليلة تابعة لليوم قبلها، وإن أخَّر الرمي إلى ما بعد طلوع الفجر فهو قضاء وتلزمه الفدية عند الإمام أبي حنيفة، خلافًا للصاحبين أبي يوسف ومحمد اللذين ذهبا إلى عدم لزوم الفدية.
قال العلامة الميداني الحنفي في "اللباب في شرح الكتاب" (1/ 210، ط. المكتبة العلمية): [(ومن ترك رمي الجمار في الأيام كلها فعليه دم) واحد؛ لأن الجنس متحد، والترك إنما يتحقق بغروب الشمس من آخر أيام الرمي، وهو اليوم الرابع، وما دامت باقية فالإعادة ممكنة فيرميها على الترتيب، ثم بالتأخير يجب الدم عند الإمام، خلافًا لهما] اهـ.
قال العلامة ابن عابدين الحنفي في "رد المحتار" (2/ 521- 522، ط. دار الفكر): [لو أخر الرمي في غير اليوم الرابع يرمي في الليلة التي تلي ذلك اليوم الذي أخر رميه وكان أداء؛ لأنها تابعة له، وكره لتركه السنة، وإن أخره إلى اليوم الثاني كان قضاء ولزمه الجزاء، وكذا لو أخر الكل إلى الرابع ما لم تغرب شمسه، فلو غربت سقط الرمي ولزمه دم، وقد ظهر بما قررناه أن ما ذكره الشارح تبعًا للبحر، وغيره من أن انتهاءه إلى طلوع الشمس ليس بيانًا لوقت الأداء فقط، بل يشمل وقت القضاء لأن ما بعد فجر الرابع وقت لرمي الرابع أداء، ولرمي غيره من الأيام الثلاثة قضاء فافهم] اهـ.
وذهب المالكية إلى أنَّه إذا خرج النهار رمى الحاج ليلًا أو بعده، ويقع قضاء؛ لخروج وقت الأداء وهو النهار، وتلزمه الفدية.
قال العلامة الدردير المالكي في "الشرح الصغير" (2/ 63، ط. دار المعارف): [(أو) تأخير (رمي حصاة فأكثر) من الجمار (الليل) لخروج وقت الأداء وهو النهار الواجب فيه الرمي، ودخول وقت القضاء وهو الليل، فأولى إذا أخر ليوم بعده وعليه دم واحد في تأخير حصاة فأكثر. (وفات) الرمي لجمرة العقبة أو غيرها من جمار الثاني والثالث والرابع، (بالغروب من) اليوم (الرابع، فقضاء كل) تفريع على ما قبله؛ أي فعلم من قوله: "أو رمي حصاة" إلخ. أن قضاء كل من العقبة وغيرها إن أخره لعذر أو غيره ينتهي (إليه) أي إلى غروب الرابع. (والليل) عقب كل يوم (قضاء) لما فاته بالنهار يجب به الدم] اهـ.
بينما ذهب الشافعية في الأظهر والحنابلة إلى أنه يجوز له أن يرمي فيما بقي من أيام التشريق الأُولَى، ويكون أداء لا قضاء ولا فدية عليه، ومُدرَكهم في ذلك أن أيام منى كلها وقت جواز للرمي، كاليوم الواحد، وكل يوم لرميه إنما هو وقت اختيار، فمن رمى عن يوم منها في يوم لاحق آخر منها أجزأه ولا شيء عليه، وكذلك يجوز جمع الرميات كلها لليوم الأخير، مع وجوب الترتيب بين الرمي المتروك وبين رمي يوم التدارك؛ فيرمي أولًا ما فاته ثم يرمي ليومه.
قال الإمام النووي في "منهاج الطالبين" (ص: 90، ط. دار الفكر): [وإذا ترك رمي يوم تداركه في باقي الأيام على الأظهر، ولا دم، وإلا فعليه دم] اهـ.
وقال الإمام ابن حجر الهيتمي الشافعي في "تحفة المحتاج" (4/ 138، ط. دار إحياء التراث العربي): [[(وإذا) (ترك رمي)، أو بعض رمي (يوم) للنحر، أو ما بعده عمدًا، أو غيره (تداركه في باقي الأيام) ويكون أداء (في الأظهر)؛ لأنَّه صلى الله عليه وسلم جَوَّز ذلك للرعاء، فلو لم تصح بقية الأيام للرمي لتساوى فيها المعذور وغيره كوقوف عرفة ومبيت مزدلفة، وقد علم أنه صلى الله عليه وسلم جَوَّز التدارك للمعذور فلزم تجويزه لغيره أيضًا] اهـ.
وقال العلامة الخطيب الشربيني الشافعي في "مغني المحتاج" (2/ 279، ط. دار الكتب العلمية): [إذا قلنا بالتَّدَارُك فتَدَارَك، فالأظهر أنه أداء] اهـ.
وقال الإمام أبو السعادات البُهُوتِي الحنبلي في "شرح منتهى الإرادات" (1/ 590، ط. عالم الكتب): [(وإن أخَّر رمي يومٍ، ولو) كان المؤخَّر رميُه (يوم النحر إلى غداةٍ أو أكثر) أجزأ أداءً (أو) أخَّر رمي (الكلِّ إلى آخِر أيام التشريق) ورماها بعد الزوال (أجزأ) رميُه (أداءً)؛ لأنَّ أيام التشريق كلَّها وقتٌ للرمي، فإذا أخَّره عن أول وقتِه إلى آخِره أجزأه، كتأخير وقوفٍ بعرفة إلى آخِر وقتِه، (ويجب ترتيبه) أي الرمي (بالنية) كمجموعتين وفوائت الصلوات، فإذا أخر الكل مثلا بدأ بجمرة العقبة فنوى رميها ليوم النحر، ثم يأتي الأولى، ثم الوسطى، ثم العقبة، ناويًا عن أول يوم من أيام التشريق ثم يعود فيبدأ من الأولى حتى يأتي الأخيرة ناويًا عن الثاني، وهكذا عن الثالث] اهـ.
وقال الإمام المرداوي الحنبلي في "الإنصاف" (4/ 46، ط. دار إحياء التراث العربي): [(وإن أخَّر الرمي كله، أي: مع رمي يوم النحر ورماه في آخر أيام التشريق: أجزأ) بلا نزاع، ويكون أداءً على الصحيح من المذهب] اهـ.
والدليل على ذلك ما ورد عن عاصم بن عدي العجلاني رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم «رَخَّصَ لِلرِّعَاءِ: أَنْ يَرْمُوا يَوْمًا، وَيَدَعُوا يَوْمًا» رواه ابن ماجه وأبو داود والترمذي والنسائي.
وفي لفظٍ آخر عند أبي داود: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «رَخَّصَ لِرِعَاءِ الْإِبِلِ فِي الْبَيْتُوتَةِ يَرْمُونَ يَوْمَ النَّحْرِ، ثُمَّ يَرْمُونَ الْغَدَ، وَمِنْ بَعْدِ الْغَدِ بِيَوْمَيْنِ، وَيَرْمُونَ يَوْمَ حطالنَّفْرِ».
ووجه الدلالة من هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم رخَّص لرعاء الإبل تأخير رمي الجمار مع تدارك الرمي فيما بقي من أيام التشريق، كما أفاده الإمام ابن عبد البر في "الاستذكار" (4/ 354، ط. دار الكتب العلمية).
وفي ذلك دليل أيضًا على أن أيام التشريق كاليوم الواحد؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما رخص للرعاء في تأخير رمي يوم إلى اليوم الذي بعده دل ذلك على أن اليوم الثاني وقت لرمي اليوم الأول.