لجريدة عمان:
2026-06-03@04:34:28 GMT

(عبود).. العزف على وتر الألم الإنساني

تاريخ النشر: 19th, February 2026 GMT

ناقش العديد من الأفلام السينمائية ثنائية الحرب والسلم، وفي مقتبل حياتنا، عندما كانت الحرب بالنسبة لنا صورا، ومقاطع فيديو، وأفلاما، وروايات، قبل أن نعيشها ميدانيا، كثيرا ما كانت تستهوينا أفلام الحروب، لما فيها من (أكشن)، وتعزيز لقيم البطولة والشجاعة، وحين كبرنا صارت الحروب تشاركنا يومياتنا، فنشرات الأخبار تكاد لا تخلو من ذكر أنباء الحروب، وغالبا ما تعرض لنا القنوات الإخباريّة مشاهد من حروب تقع في أنحاء متفرقة من العالم، فصرنا ندير ظهورنا لمثل هذه الأفلام، فحياتنا عموما لا تخلو من (الأكشن)، والفائز في حروب اليوم ليس الشجاع، أو البطل، بل الذي يجيد التعاطي مع التكنولوجيا، ويحرّك الآلة، فلكلّ إنسان في كلّ عصر وسائله في الدفاع عن نفسه، والهجوم على عدوّه.

ورغم معرفتنا أنّ للأفلام السينمائية التي تناولت الحروب دورا في إظهار بشاعتها، وتؤكّد هذه الأفلام أنّ خلاص البشرية يكمن في السلام، وهذا ما رأيته في فيلم (عبود) الذي كتبه وأخرجه مسعود رسام، فقد عزف على وتر الألم الإنساني المشترك.

يبدأ المشهد الأول بلقاء الطفل (علي رضا) وهو في الطريق إلى منزله بطفل يبكي، وحين يسأله عن سبب بكائه نطق بلغة لا يفهم منها سوى أنها لغة غريبة غير مفهومة بالنسبة له، وبعد محاولات معه فهم أنه طفل تائه عن ذويه في مكان لا يفهم لغته، وعرف أن اسمه هو (عبود)، ويجد صعوبة في التواصل مع المحيط، فيعطيه نصف رغيف خبز، وفي اليوم التالي، ولم ينته الأمر عند هذا كما ظنّ، فعندما ذهب للمدرسة صباحا وجد الطفل في مكانه، فتألّم له، واصطحبه معه إلى المدرسة، مدّعيا أنه ابن خالته، فتحدث له مشكلة مع وكيل المدرسة، الذي يرفض دخول الطفل الغريب إلى الصف، ويضطرّ إلى مغادرة المدرسة إلى البيت، والطفل معه، فتفاجأ الأم به، ثم تتقبّله حين تعرف حكايته، وتطلب من ولدها إبلاغ المخفر، لكنه يرفض خوفا من أخذه، وشيئا فشيئا يصبح فردا من أفراد العائلة الصغيرة التي فقدت الأب في الحرب، وبقي اختلاف اللغة يشكّل عائقا في التفاهم، فتحلّ لغة الإشارة محلّ النطق، ويعرف (علي رضا) من معلم اللغة العربية أن (عبود) ينتمي لدولة مجاورة، فقد والده حياته في الحرب معها، ويهجم عليه، ثأرا لوالده، دون أن يعلم (عبود) سبب هجومه ذلك، لكن معلّمه يفكّ الاشتباك، ويفهمه أن (عبود) هو أيضا ضحية من ضحايا الحرب، وما نزوحه إلّا بسبب إصابة والده في الحرب إصابة بالغة، فنقل إلى إيران لتلقّي العلاج في المستشفى، وخلال ذلك وجد (عبود) نفسه ضائعا في الطريق، ويتفهم (علي رضا) ذلك، وتستمرّ حياتهما في البيت، بعلم مركز الشرطة، حتى يتمّ عثور (عبود) على ذويه، وخلال ذلك كانت كوابيس الحرب تقضّ مضجعه، ويتواصل البحث عن أسرته، حتّى تتمّ معرفة اسم المستشفى الذي يتلقّى والده العلاج به، لكن يكون الأوان قد فات ويموت الأب، وفي مشهد شديد القسوة يحاول (علي رضا) أن يخبر (عبّود) أن والده توفّي وأنه صار يتيما مثله، ولكن كيف ينقل إليه هذا الخبر الفاجع من دون معرفته للغة يتفاهم بها معه، وهنا نرى براعة الأداء للطفل الموهوب (محمد شاداني) الذي أدّى دور (علي رضا)، فيحاول أن يوصل المعلومة بالإشارات، فيحدّثه من خلالها عن والده، وبسالته في القتال، مستخدما لعبة على شكل بندقية بلاستيكيّة، فيسحب (عبود) البندقية التي تذكّره بالحرب، ويدوسها بقدميه، وهو يصرخ، في إشارة تدين الحروب، وصنّاعها، ويتصاعد إيقاع المشهد، فيجد (علي رضا) الفرصة سانحة، ليقول له (أبي في السماء وأبوك أيضا صار في السماء) فيطلق (عبود) صرخة مدوية، فيحضنه (علي رضا) ويبكيان، في مشهد نفّذ بطريقة مؤثّرة، وينتهي الفيلم بوصول عمّ (عبود) إلى بيت (علي رضا) فيصطحبه معه، وسط بكاء الأم والطفل (علي رضا) الذي يبقى مع معلمه الذي يحدّثه عن الألم المشترك الذي يجمع البشر.

أهم ما يلفت في الفيلم العفوية في أداء الأطفال، وخصوصا الطفل علي رضا (محمد شاداني)، وكذلك البساطة في التعبير، ولعبت المؤثّرات الصوتيّة دورا في شدّ المشاهد إلى الشاشة، نجح المخرج في صناعة فيلم قائم على البلاغة في الصورة معتمدا على لغة الكاميرا، فقدّم وثيقة إنسانية تدين الحروب، عاقدا الأمل على الجيل الجديد الذي شهد مآسيها مبرزا حاجة البشرية إلى العيش في مجتمع آمن يسوده السلام.

المصدر

المصدر: لجريدة عمان

كلمات دلالية: علی رضا

إقرأ أيضاً:

لغز الفيوم العظيم.. الملك المفقود الذي يروي مجد الدولة الوسطى وصراعاتها

تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق

في عمق تاريخ مصر القديمة، وتحديدًا خلال عصر الدولة الوسطى في الأسرة الثانية عشرة (نحو 1985–1773 ق.م)، خرجت إلى الوجود واحدة من أكثر القطع النحتية غموضًا وإثارة في تاريخ الفن المصري القديم: تمثال ضخم لملك مجهول الهوية بدقة، يُعتقد أنه أحد ملوك هذه المرحلة العظيمة مثل سنوسرت الثالث أو سنوسرت الثاني، وربما امتدت احتمالاته إلى أمنمحات الرابع.

هذا التمثال، الذي اكتُشف في منطقة هيراكليوبوليس ماغنا قرب الفيوم، لا يمثل مجرد عمل فني، بل هو وثيقة سياسية ودينية تعكس تحولات كبرى في مفهوم الحكم والسلطة والخلود في الحضارة المصرية.

ملوك الدولة الوسطى.. بناء دولة مركزية قوية

شهدت الدولة الوسطى واحدة من أكثر مراحل مصر استقرارًا وازدهارًا، حيث أعاد ملوك الأسرة الثانية عشرة توحيد البلاد بعد فترات من الاضطراب، ونجحوا في بناء جهاز إداري قوي ودولة مركزية متماسكة.

برز من بين هؤلاء الملوك سنوسرت الثالث، المعروف بحملاته العسكرية في النوبة وإصلاحاته الإدارية الصارمة، إلى جانب ملوك آخرين مثل سنوسرت الثاني وأمنمحات الرابع، الذين أسهموا في ترسيخ قوة الدولة وتوسيع نفوذها.

وفي هذا السياق، جاءت التماثيل الضخمة لتكون أداة سياسية بصرية تعكس هيبة الملك وتؤكد طبيعته الإلهية.

فن يعكس التحول نحو الواقعية

يمثل هذا التمثال نموذجًا واضحًا للتحول الفني الذي ميّز عصر الدولة الوسطى، حيث ابتعد الفنانون تدريجيًا عن المثالية المطلقة التي كانت سائدة في العصور السابقة، واتجهوا نحو تصوير أكثر واقعية وصدقًا في ملامح الملوك.

فبدلًا من الوجوه الشابة المثالية، ظهرت تعابير أكثر جدية وصرامة، تعكس شخصية الملك كحاكم مسؤول عن حماية البلاد وإدارة شؤونها في عالم مليء بالتحديات.

ويُعتقد أن هذا الأسلوب بلغ ذروته في تماثيل سنوسرت الثالث، التي أظهرت ملامح تحمل مزيجًا من القوة والتجربة والرهبة، وكأنها تعكس ثقل الحكم ذاته.

لغز الهوية وإعادة الاستخدام الملكي

إحدى أبرز نقاط الغموض في هذا التمثال هي هويته الدقيقة، إذ يرى بعض الباحثين أنه قد يمثل سنوسرت الثالث، بينما يرجح آخرون أنه يعود إلى أمنمحات الرابع، بسبب محدودية المعلومات المتاحة عن فترة حكمه القصيرة.

كما أن التمثال يحمل دليلًا مهمًا على إعادة استخدامه في عصر لاحق، خلال الفترة الرعامسية، وربما في عهد مرنبتاح، ابن رمسيس الثاني. وقد كانت إعادة النقش وإعادة توظيف التماثيل ممارسة شائعة في مصر القديمة، حيث كان الملوك اللاحقون يربطون أنفسهم بإنجازات أسلافهم لتعزيز شرعيتهم السياسية.

الأميرات إلى جانب الملك.. رمزية العائلة والسلطة

ما يجعل هذا التمثال أكثر تميزًا هو وجود شخصيات صغيرة لأميرات بجوار الملك، وهو عنصر نادر في النحت الملكي المصري. هذه الإضافة لا تحمل بعدًا عائليًا فقط، بل تعكس أيضًا فكرة استمرار السلالة الملكية وترسيخ مفهوم الوراثة الإلهية للحكم.

كما تُظهر هذه التفاصيل كيف كان الفن المصري القديم وسيلة للتعبير عن السلطة بوصفها نظامًا متكاملًا يجمع بين الملك والعائلة الملكية والدين والدولة.

شاهد حجري على تاريخ متغير

اليوم، يقف هذا التمثال في المتحف المصري الكبير كطبقات متراكمة من التاريخ؛ فهو عمل فني من الدولة الوسطى، أعيد استخدامه في عصر لاحق، واكتشف في زمن حديث، ليصبح سجلًا مفتوحًا يروي قصة آلاف السنين من السياسة والدين والفن.

إنه ليس مجرد تمثال لملك مجهول، بل مرآة تعكس كيف كانت مصر القديمة تعيد تشكيل صورتها عبر الزمن، وكيف استطاعت أن تجعل من الحجر وسيلة لحفظ السلطة والهوية والذاكرة.

وهكذا، يبقى هذا التمثال الضخم شاهدًا على حقيقة واحدة: أن الملوك قد يرحلون، لكن الحجر الذي نُقشت عليه أسماؤهم يواصل الحديث عنهم إلى الأبد.

الملك المفقود 

مقالات مشابهة

  • مفوضية اللاجئين للأحرار: لا توطين للمهاجرين في ليبيا، وتركيزنا على الدعم الإنساني
  • د. أمل منصور تكتب : الأمان والونس والعفوية .. الثالوث الذي يحفظ الحب حيًا
  • اعرف عدوك.. الوجع الإسرائيلي الذي لم نقرأه
  • الدبلوماسية والحرب الإعلامية
  • عمرو محمود ياسين في ذكرى ميلاد والده: حضوره لا يغيب وقيمته ما زالت تعيش فينا
  • من الذي أوقف الحرب.. ولماذا الآن؟
  • لغز الفيوم العظيم.. الملك المفقود الذي يروي مجد الدولة الوسطى وصراعاتها
  • سلطنة عُمان ومركز الحوار الإنساني يستعرضان نتائج التعاون وخطط تعزيزه
  • الجمعة.. الأمم المتحدة تطلق النداء الإنساني العاجل المعدَل للبنان في جنيف
  • سلسلة ❙ ماذا لو؟!: أنتَ شمسُك.. ماذا لو علمتَ أنّك المركز الذي لم يبحث عنه أحد سواك؟