النخبة والامتياز: حين يتأخر القانون أمام النفوذ

ميرغنى الحبر/ المحامي

إذا كانت الفضيحة تكشف الشروخ، فإن تأخر العدالة يكشف عمقها.

فالقانون، في أي حضارة حيه ، ليس مجرد نصوص مكتوبة، بل هو تعبير عن مبدأ جوهري: المساواة أمامه. وعندما يظهر انطباع عام بأن هذا المبدأ يتباطأ أو يتردد أمام أصحاب النفوذ، فإن المسألة تتجاوز الواقعة إلى بنية السلطة ذاتها.

قضية جيفري إبستين أعادت طرح سؤال قديم متجدد:

هل تتساوى الأقدام عند عتبة القضاء، أم أن الثروة والعلاقات قادرة على إطالة المسافة؟

النخبة بين الدور والامتياز:

في النظرية السياسية الحديثة، النخبة ليست شراً في ذاتها.

فكل مجتمع يحتاج إلى طبقة قيادية — سياسية، فكرية، اقتصادية — تدير شؤونه وتتحمل مسؤولياته. لكن الخطر يبدأ حين تتحول القيادة إلى امتياز مغلق، لا يُسأل ولا يُراجع.

هنا تتبدل المعادلة:

من نخبة تُحتذى

إلى نخبة تُستثنى

والاستثناء هو البذرة الأولى لفقدان الشرعية.

لقد أشار المؤرخ أرنولد توينبي إلى أن الحضارات تنهض حين تقدم أقليتها المبدعة نموذجاً أخلاقياً، لكنها تبدأ بالانحدار حين تتحول تلك الأقلية إلى أقلية مهيمنة تعيش فوق النقد. وكذلك رأى أوزوالد شبنجلر أن الأفول يبدأ عندما تبقى المؤسسات بينما يتآكل مضمونها الروحي.

بطء العدالة: عرض أم بنية؟:

تأخر المحاسبة في القضايا التي تمس دوائر النفوذ يثير دائماً تساؤلات مزدوجة:

هل الخلل في الأفراد؟

أم في تشابك المصالح الذي يجعل المؤسسات أكثر حذراً حين تقترب من مراكز القوة؟

العدالة البطيئة قد تكون نتيجة تعقيد قانوني مشروع،

لكنها حين تتكرر في دوائر معينة، تتحول من إشكال إجرائي إلى أزمة ثقة.

والحضارات الحديثة قائمة — قبل كل شيء — على الثقة:

ثقة المواطن بأن القانون لا يفرق بين قوي وضعيف. فإذا تزعزعت هذه الثقة، فإن أثرها لا يقف عند حدود القضاء، بل يمتد إلى العقد الاجتماعي نفسه.

الامتياز كقابلية للانفصال عن المجتمع:

حين تشعر النخبة بأنها محصنة، تنفصل تدريجياً عن المزاج الأخلاقي العام.

وهذا الانفصال أخطر من الفساد ذاته؛ لأنه يخلق عالمين متوازيين:

عالم القواعد العامة

وعالم الاستثناءات الخاصة

ومتى ترسخ الشعور بوجود هذين العالمين، تبدأ الشرعية بالتآكل الصامت.

بين القانون والضمير:

القانون هو الضابط الخارجي،

لكن الضمير— أو المنظومة القيمية العليا — هو الضابط الداخلي.

فإذا ضعف الضبط الداخلي داخل النخبة، يصبح القانون آخر الحواجز.

وإذا تباطأ هذا الحاجز أو بدا متردداً، فإن الرسالة التي تصل إلى المجتمع خطيرة:

أن النفوذ قادر على شراء الزمن.

والزمن في قضايا العدالة ليس تفصيلاً؛ لأنه كلما طال، تراجعت القناعة بالمساواة.

خاتمة

ليست المشكلة في وجود نخبة، ولا في تعقيد الإجراءات القانونية،

بل في اللحظة التي يشعر فيها المجتمع بأن العدالة تتريث أمام القوي أكثر مما تتريث أمام الضعيف.

تلك اللحظة لا تسقط الحضارة فوراً، لكنها تفتح باب السؤال:

هل ما تزال النخبة جزءاً من العقد الأخلاقي العام،

أم بدأت تتحرك فوقه؟

وفي المقال القادم سننتقل خطوة أخرى:

كيف تتحول أزمة الثقة في النخبة إلى وقود للشعبوية والاستقطاب؟

وعلى توفيقه نمضي.

الوسومالامتياز الثروة الصمير العلاقات القانون القضاء القواعد العامة القيم العليا النخبة جيفري إبستين ميرغني الحبر المحامي

المصدر

المصدر: صحيفة التغيير السودانية

كلمات دلالية: الامتياز الثروة العلاقات القانون القضاء القواعد العامة القيم العليا النخبة جيفري إبستين

إقرأ أيضاً:

العدالة قبل الأرباح.. كتاب جديد يعيد التفكير في معنى النجاح الاقتصادي

سلطت الكاتبة الاقتصادية البريطانية هيذر ستيوارت الضوء، في قراءة مطولة نشرتها صحيفة "الغارديان" اليوم الثلاثاء، على الأفكار التي تطرحها الاقتصادية المعروفة ماريانا مازوكاتو في كتابها الجديد "اقتصاد الصالح العام: بوصلة جديدة" والذي يقدم تصوراً بديلاً للاقتصاد يقوم على توجيه النمو لخدمة أهداف مجتمعية كبرى، في طرح يتقاطع مع النقاشات الدائرة حول أداء حكومة حزب العمال البريطاني ومستقبل السياسات الاقتصادية في الغرب، وتطرح سؤالاً جوهرياً: ما الغاية من النمو إذا لم يكن موجهاً لتحقيق الصالح العام؟

الكتاب، الذي صدر حديثاً، يمثل امتداداً للمشروع الفكري الذي اشتهرت به مازوكاتو خلال السنوات الماضية، والقائم على إعادة الاعتبار لدور الدولة في توجيه الاقتصاد والابتكار، بعيداً عن التصورات النيوليبرالية التي تجعل السوق القوة الحاكمة الوحيدة لمسارات التنمية.

وتكتسب أطروحات مازوكاتو أهمية خاصة في السياق البريطاني، إذ سبق أن اعتُبرت من أبرز الملهمين الفكريين لفكرة "الحكومة القائمة على المهام" التي تبناها رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر خلال حملته الانتخابية، قبل أن تواجه حكومته انتقادات بسبب ما اعتبره مراقبون غموضاً في الرؤية وعجزاً عن ترجمة الشعارات إلى سياسات ملموسة.

الاقتصاد كمشروع جماعي

تنطلق مازوكاتو من نقد جذري للنظرة التقليدية للاقتصاد بوصفه ساحة تتنافس فيها مصالح فردية متعارضة، بينما تقتصر مهمة الحكومات على إصلاح الاختلالات الناتجة عن السوق.

في المقابل، تدعو إلى النظر إلى الاقتصاد باعتباره مشروعاً جماعياً موجهاً بأهداف واضحة، تشارك في صياغتها الدولة والقطاع الخاص والمجتمع المدني والمواطنون على حد سواء.

وترى أن التمويل والاستثمار والابتكار يجب أن تُسخّر لخدمة أهداف مجتمعية كبرى، مثل مواجهة التغير المناخي أو تحسين الصحة العامة أو تقليص التفاوت الاجتماعي، بدلاً من تركيزها على تحقيق الأرباح السريعة والعوائد قصيرة الأجل.

وبحسب المؤلفة، فإن الاقتصاد القائم على "الصالح العام" يتطلب مواءمة الأهداف بين مختلف الفاعلين الاقتصاديين، وتشجيع التعاون وتبادل المعرفة وتقاسم المخاطر والعوائد بصورة أكثر عدالة.

خمسة مبادئ لإعادة توجيه الاقتصاد

يقوم النموذج الذي تقترحه مازوكاتو على خمسة مبادئ أساسية تشكل ما تسميه "بوصلة الاقتصاد الجديد".

ويتمثل المبدأ الأول في وجود غاية أو اتجاه واضح للاقتصاد، بحيث لا يصبح النمو هدفاً بحد ذاته، بل وسيلة لتحقيق أهداف اجتماعية محددة.

أما المبدأ الثاني فهو المشاركة الشعبية في تصميم السياسات العامة، حيث تؤكد أن المواطنين يصبحون أكثر استعداداً لدعم السياسات عندما يشاركون في صياغتها بدلاً من فرضها عليهم من أعلى.

ويتعلق المبدأ الثالث بالتعلم الجماعي وتبادل الخبرات بين المؤسسات المختلفة، في حين يركز الرابع على تقاسم المنافع الاقتصادية بصورة أكثر عدالة بين جميع الأطراف المساهمة في خلق القيمة.

أما المبدأ الخامس فيتمثل في المساءلة والشفافية، بما يضمن خضوع الحكومات والشركات معاً للرقابة المجتمعية.

نقد للنمو التقليدي

من أبرز ما يميز الكتاب رفضه لفكرة أن النمو الاقتصادي وحماية البيئة هدفان متناقضان بالضرورة.

وتنتقد مازوكاتو بعض الخطابات البيئية التي تنظر إلى النمو بوصفه مصدراً للأزمات المناخية، مؤكدة أن المشكلة لا تكمن في النمو نفسه، بل في طبيعة الأهداف التي يوجه إليها.

وبهذا المعنى، تدعو إلى إعادة تعريف النجاح الاقتصادي بحيث يقاس بمدى مساهمته في تحسين جودة الحياة وتحقيق الاستدامة، لا بمجرد ارتفاع الناتج المحلي الإجمالي.

كما ترفض المؤلفة ما تسميه "منطق سد الثغرات"، أي التعامل مع الفقر أو التلوث أو التهميش باعتبارها آثاراً جانبية حتمية للنمو، يمكن معالجتها لاحقاً عبر برامج حكومية محدودة.

وترى بدلاً من ذلك أن العدالة الاجتماعية والاستدامة يجب أن تكونا جزءاً أصيلاً من عملية الإنتاج الاقتصادي نفسها.

إعادة توزيع الثروة أم إعادة توزيع الفرص؟

يحتل مفهوم "التوزيع المسبق" مكانة مركزية في الكتاب، وهو مفهوم يختلف عن إعادة التوزيع التقليدية التي تعتمد على الضرائب والتحويلات المالية بعد تحقيق الأرباح.

فمازوكاتو تدعو إلى تصميم القواعد الاقتصادية منذ البداية بما يضمن توزيعاً أكثر عدالة للعوائد.

ومن بين الإجراءات التي تقترحها فرض شروط على الشركات المستفيدة من التمويل العام، وضمان حصول العمال والمجتمعات المحلية على نصيب من الثروة الناتجة عن استغلال الموارد أو الابتكارات المدعومة حكومياً.

كما تبدي تأييداً لتوسيع الضرائب على الثروة واستخدام العقود الحكومية كوسيلة لتحقيق أهداف اجتماعية واقتصادية أوسع.

تحدٍ مباشر لتجربة حزب العمال

ورغم أن بعض أفكار مازوكاتو انعكست جزئياً في سياسات حكومة العمال، فإن الكتاب يتضمن نقداً ضمنياً للتجربة الحالية.

فهي ترى أن الهدف الذي رفعته الحكومة البريطانية والمتمثل في "إطلاق النمو الاقتصادي" لا يمكن اعتباره مهمة وطنية بالمعنى الحقيقي، لأنه يفتقر إلى سؤال الغاية النهائية.

وبحسب رؤيتها، فإن المهمة ليست تحقيق النمو في حد ذاته، بل تحديد الاتجاه الذي يجب أن يسير فيه الاقتصاد، والفوائد التي ينبغي أن يجنيها المجتمع من ذلك النمو.

ومن هنا، فإن الكتاب لا يقدم مجرد نقد للسياسات الاقتصادية البريطانية، بل يطرح رؤية أشمل لإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والسوق والمجتمع، في وقت تتصاعد فيه النقاشات عالمياً حول مستقبل الرأسمالية وأزمات عدم المساواة والتغير المناخي.

ما بعد منطق السوق

في نهاية المطاف، تدافع مازوكاتو عن فكرة بسيطة لكنها عميقة الأثر: الاقتصادات تنجح عندما تتوحد حول أهداف جماعية كبرى، كما حدث في تطوير اللقاحات خلال جائحة كورونا أو في برامج التحول البيئي واسعة النطاق.

ولذلك تدعو إلى استبدال السؤال التقليدي: "ما فشل السوق الذي نريد إصلاحه؟" بسؤال آخر أكثر جوهرية: "إلى أي اتجاه نريد أن يبحر اقتصادنا؟".

وهو سؤال يتجاوز حدود بريطانيا وحكومة العمال، ليطال جوهر النقاش العالمي حول طبيعة التنمية الاقتصادية في القرن الحادي والعشرين، وحدود النمو، ودور الدولة، ومعنى الصالح العام في عصر تتزايد فيه الأزمات والتحديات العابرة للحدود.

ولعل ما يجعل هذا النقاش لافتاً من منظور عربي هو أن الاقتصادات الغربية، رغم ما تواجهه من أزمات وتفاوتات، تشهد سجالاً فكرياً دائماً حول طبيعة النمو وأهدافه وحدود الرأسمالية نفسها، فيما لا يزال النقاش الاقتصادي في كثير من البلدان العربية أسير مؤشرات النمو والاستثمار والتصنيفات المالية، من دون أن يحظى سؤال العدالة الاجتماعية وتوزيع الثروة وجودة التنمية بالقدر نفسه من الاهتمام.

وفي هذا السياق، تبدو أطروحة مازوكاتو محاولة لإعادة السياسة والأخلاق إلى قلب الاقتصاد، عبر الانتقال من سؤال "كم ننتج؟" إلى سؤال أكثر عمقاً: "لصالح من ننتج؟"، وهو سؤال لا يخص بريطانيا أو الغرب وحدهما، بل يمتد إلى المجتمعات العربية التي تواجه بدورها تحديات البطالة والتفاوت الاجتماعي وتراجع الثقة في جدوى السياسات الاقتصادية التقليدية.

مقالات مشابهة

  • سقوط العدالة الدولية.. فلسطين تُعرّي الهيمنة الأمريكية وحتمية خيار المقاومة
  • البيت الأبيض يغلق أبواب التأشيرات.. وإقصاء النساء والأقليات من مواقع النفوذ
  • هل تتحول تهديدات ترامب إلى عمل عسكري ضد إيران؟
  • ست سنوات على اغتيال القعيطي.. أسئلة العدالة لا تزال بلا إجابة
  • الاحتلال يوافق على خطة بـ354 مليون دولار لإنشاء محاكم عسكرية لمعتقلي 7 أكتوبر
  • لولا وجودي لكنت في السجن .. الإعلام الإسرائيلي : أزمة ترامب ونتنياهو تكشف صراع النفوذ خلف الكواليس
  • مجلس الأمن: وسط انقسام ميداني حرب السودان تتحول إلى استنزاف
  • العلمين الجديدة تتحول إلى «جوهرة البحر المتوسط» ووجهة سياحية عالمية متكاملة
  • العدالة قبل الأرباح.. كتاب جديد يعيد التفكير في معنى النجاح الاقتصادي
  • ماذا وراء تعيين توماس باراك لدمشق وبغداد؟