موقع النيلين:
2026-07-23@19:58:36 GMT

إبراهيم شقلاوي يكتب: الدكتاتور المؤقت

تاريخ النشر: 19th, February 2026 GMT

بالأمس استند الاستاذ عثمان ميرغني رئيس تحرير صحيفة التيار، في عموده «حديث المدينة»، الذي جاء بعنوان “مطلوب نظام دكتاتوري” إلى فكرة الحاجة إلى نظام صارم لحماية مؤسسات الدولة من الفوضى، مشيرًا إلى أهمية «السيستم الدكتاتوري» كبديل عن الدكتاتور الفرد.

هذه الفكرة علي أهميتها تتقاطع مع ما طرحته سابقًا في «وجه الحقيقة» تحت عنوان «دعونا نصنع دكتاتورًا»، لكن من زاوية مختلفة، إذ دعوتُ إلى التمكين لقيادة مؤقتة واحدة وفعالة يجتمع فيها العزم والصرامة والوطنية وقيم الفداء، قيادة لا تعرف المجاملة، تتولى إدارة البلاد خلال مرحلة استثنائية محددة زمنيًا، لإعادة بناء مؤسسات الدولة وترسيخ سيادة القانون وإكمال إعادة الإعمار، تمهيدًا للعودة إلى التداول الديمقراطي.

من منظور نقدي، يتفق الطرحان على ضرورة وجود سلطة مركزية قوية في لحظة انهيار الدولة، لكنهما يختلفان في الإطار المؤسسي والزمني الذي يضبط هذه القوة. فربط الحزم بالنظام مهم، غير أن أي حديث عن “نظام صارم” يظل ناقصًا ما لم تُحدد مدته، وآليات مساءلته، وحدود صلاحياته، منعًا للانزلاق. الضرورة إلى استبداد دائم ،يعيق تطور الدولة ونهضتها.

السودان اليوم يمر بمرحلة انتقالية دقيقة، تتطلب قدرًا من الحزم لفرض سيادة القانون وحماية مؤسسات الدولة من الانهيار. غير أن الحزم شيء، والطغيان شيء آخر. السلطة الاستثنائية المشروعة المحكومة بالدستور والقوانين هي التي تُعرّف نفسها بوضوح: ما أهدافها؟ ما مدتها؟ من يراقبها؟ من يقيم اداؤها وكيف تسلّم السلطة بعد انتهاء مهمتها؟

في الفلسفة السياسية أشار هوبز إلى ضرورة السلطة القابضة لحماية المجتمع من الفوضى، بينما شدد روسو على أن أي سلطة لا تستند إلى العقد الاجتماعي تفقد مشروعيتها. أما هيجل فرأى في الدولة كيانًا أخلاقيًا يعبّر عن تطور المجتمع، لا أداة للهيمنة عليه. الجمع بين هذه الرؤى يفضي إلى تصور لسلطة استثنائية عقلانية: حازمة في حماية الأمن، لكنها مقيدة بمشروع وطني واضح، وبسقف زمني محدد، وبآليات محاسبة معلنة.

تجربة سنغافورة في ستينيات القرن الماضي تقدم مثالًا قابلًا للتأمل. فقد قاد لي كوان يو عملية إعادة بناء صارمة، ركزت على الانضباط المؤسسي ومحاربة الفساد وبناء الإدارة الحديثة. لم تكن التجربة نسخة من الدكتاتوريات العسكرية، بل نموذجًا لقيادة تنموية قوية تركت مؤسسات مستدامة. الدرس هنا ليس في استنساخ التجربة، بل في فهم أن الحزم إذا ارتبط ببناء المؤسسات لا بإلغاءها، يمكن أن يكون جسرًا نحو الاستقرار.

في السودان المطلوب ليس طاغية جديدًا، بل قيادة انتقالية مسؤولة، محددة المدة — ثلاث سنوات مثلًا — تعمل وفق برنامج معلن لإعادة بناء مؤسسات الدولة، إصلاح الخدمة المدنية، فرض سيادة القانون، ومكافحة الفساد و النفوذ والجريمة، مع خارطة طريق واضحة للانتقال الديمقراطي. سلطة تبني ولا تحتكر، تحمي العقد الاجتماعي ولا تصادره.

التاريخ السوداني يبيّن أن السلطة غير المقيدة — مهما بدأت بشعارات إصلاحية — تنتهي غالبًا إلى شخصنة الدولة وتآكل مؤسساتها. لذلك فإن الفرق الجوهري ليس بين “دكتاتور” ونظام”، بل بين سلطة استثنائية مقيدة بالمؤسسات، وسلطة فردية مطلقة لا تضبطها كوابح .

باختصار، السودان لا يحتاج إلى من يحكمه بالقوة والبطش ، بل إلى من يقوده بالعقل والحكمة، يختصر الأزمات، ويعيد بناء الثقة بين المواطن والدولة. ما أعنيه بـ«الدكتاتور المؤقت» ليس استبدادًا جديدًا، بل صيغة انتقالية منضبطة، تُستخدم فيها القوة لحماية القانون، لا لتعطيله، وتُمارس فيها السلطة من أجل تأسيس دولة تستمر بعد مغادرة صاحبها.

عليه وبحسب #وجه_الحقيقة فإن السلطة المؤقتة هنا ليست استبدادًا، بل أداة لإنقاذ الدولة وضمان استمرارها، مع الالتزام بالحدود الزمنية والمؤسسية. القيادة الوطنية العقلانية يمكن أن تحول مرحلة الانهيار إلى فرصة للنهوض و لإعادة الثقة بالمؤسسات، وبناء دولة قانون لا يستبد بها مزاج شخص او جماعة ، بل يحكمها مشروع وطني واضح، متوازن بين الحزم والحرية، ويترك إرثًا مؤسسيًا يبقى بعد انتهاء ولايته.

هذا هو جوهر «الدكتاتور المؤقت»: سلطةٌ انتقاليةٌ قابضةٌ لا رخوة، توظّف الحسم لبناء الدولة لا لتقويضها، وتُنشئ نظامًا مستدامًا غير طارئ، يفتح أفقًا واسعًا للطموح، ويحفّز الاستقرار، ويُكرّس وحدةً الوطن، و يعلي المصالحات المجتمعية، ويقيم الوزن بالقسط بين الناس.
إبراهيم شقلاوي
دمتم بخير وعافية.
الاثنين 16 فبراير 2026 م Shglawi55@gmail.com

إنضم لقناة النيلين على واتساب

Promotion Content

أعشاب ونباتات           رجيم وأنظمة غذائية            لحوم وأسماك

2026/02/19 فيسبوك ‫X لينكدإن واتساب تيلقرام مشاركة عبر البريد طباعة مقالات ذات صلة السودان يتفوَّق على أمريكا بميزة كبرى2026/02/19 الكتابة في زمن الذكاء الاصطناعي2026/02/19 حرب الإخوة2026/02/18 إسحق أحمد فضل الله يكتب: (والقاموس)2026/02/18 إبراهيم شقلاوي يكتب: السودان والسعودية.. خارج منطق الصفقات2026/02/18 هل يوجد أي حزب سوداني يؤمن بالديمقراطية ويطبقها داخل مكوناته وهياكله؟2026/02/14شاهد أيضاً إغلاق رأي ومقالات إبراهيم شقلاوي يكتب: بين الفوضى وإعادة التأسيس 2026/02/14

الحقوق محفوظة النيلين 2026بنود الاستخدامسياسة الخصوصيةروابطة مهمة فيسبوك ‫X ماسنجر ماسنجر واتساب إغلاق البحث عن: فيسبوك إغلاق بحث عن

المصدر

المصدر: موقع النيلين

كلمات دلالية: إبراهیم شقلاوی مؤسسات الدولة

إقرأ أيضاً:

الخارجية الأمريكية : الجيش السوداني استخدم الكيماوي في العام 2024

 

قال مكتب الشؤون الإفريقية في وزارة الخارجية الأميركية إن الولايات المتحدة خلصت إلى أن الجيش السوداني استخدم أسلحة كيميائية عام 2024، في انتهاك لاتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية.

الخرطوم ــ التغيير

وردا على بيان وزارة خارجية السلطة القائمة في بورتسودان، الذي رفض العقوبات الأميركية وأنكر استخدام الجيش السوداني أسلحة كيميائية، قال مكتب الشؤون الإفريقية، في منشور على منصة “إكس” اليوم: “للأسف، رفض السودان الإقرار باستخدامه للأسلحة الكيميائية، كما رفض اتخاذ الخطوات اللازمة لمعالجة الوضع، وامتنع عن العودة إلى الامتثال لأحكام الاتفاقية”.

وأكد المكتب أن اللجنة الداخلية التي شكلتها سلطة بورتسودان “لا تعد بديلا عن التحقق المستقل الذي تجريه منظمة حظر الأسلحة الكيميائية”.

وأضاف: “وبناء على ذلك، وعملا بالقانون الأميركي، أعلنا فرض عقوبات إضافية على الحكومة السودانية”.

كما دعت وزارة الخارجية الأميركية سلطة بورتسودان إلى الوفاء بالتزاماتها بموجب اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية، واتخاذ الخطوات اللازمة للعودة إلى الامتثال لأحكامها.

وكانت وزارة خارجية السلطة القائمة في بورتسودان قد أصدرت، قبل يومين، بيانا رفضت فيه العقوبات التي أعلنت الولايات المتحدة فرضها عليها، ونفت فيه استخدام الجيش السوداني أسلحة كيميائية.

وجاء ذلك بعد أن صعّدت الولايات المتحدة إجراءاتها العقابية ضد السلطة القائمة في بورتسودان، معلنة دخول المرحلة الثانية من العقوبات المنصوص عليها في قانون مكافحة الأسلحة الكيميائية والبيولوجية، إثر تأكيدها رسمياً، الأسبوع الماضي، أن الجيش السوداني استخدم أسلحة كيميائية، وأن السلطة القائمة في بورتسودان أخفقت، خلال المهلة القانونية، في استيفاء الشروط التي تتيح رفع تلك العقوبات.

الوسوماستخدم الكيماوي الجيش السوداني الخارجية الأمريكية انتهاك لاتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية في العام 2024

مقالات مشابهة

  • تعليقاً على حوار نصر طه مصطفى: حين تروي السلطة قصة انهيار “الدولة”
  • الخارجية الأمريكية : الجيش السوداني استخدم الكيماوي في العام 2024
  • سلطة النقد تحذر من تداعيات خطيرة لقطع العلاقات المصرفية المراسلة
  • أمجد فريد يكشف تفاصيل مباحثات مهمة في أنقرة بشأن السودان
  • بعد سنوات الانقسام.. هل تنجح دعوة العليمي في توحيد الصف لإنهاء الانقلاب؟
  • تعز تشهد حشدًا جماهيريًا دعمًا لمجلس القيادة الرئاسي ورفضًا للانقلاب الحوثي .. تقرير موسع
  • تأييدًا لقرارات القيادة اليمنية.. مسيرة جماهيرية حاشدة في تعز تطالب بفك الحصار واستكمال التحرير
  • بيانُ الميدانِ يكتبُ معادلةَ الحصارِ بلغةِ النار
  • آلاف المحتجين في تعز يجددون المطالبة باستعادة الدولة وإنهاء انقلاب الحوثيين
  • سلام: الحكومة اللبنانية تعمل على تأمين السكن المؤقت للعائدين إلى الجنوب