مفتي الجمهورية: شهر رمضان هبة ربانية وموسم إيماني عظيم لإصلاح الأخلاق
تاريخ النشر: 19th, February 2026 GMT
أكد فضيلة مفتي الجمهورية الدكتور نظير عياد، أن شهر رمضان الفضيل هو هبة ربانية وموسم إيماني عظيم لإصلاح الأخلاق، وترميم العلاقات، وتعزيز قيم الرحمة والتكافل، داعيا الشعب المصري والأمة الإسلامية إلى استقبال هذا الشهر الكريم بروح التوبة الصادقة والعودة إلى الله سبحانه وتعالى عمّا مضى من تقصير أو خطأ، مشيرا إلى أن رمضان يجب أن يكون محطة حقيقية للمراجعة والتجديد، لا مجرد موسم عابر للعبادات، بل فرصة لإحياء القلوب، وتصحيح المسار، وبناء النفوس على الصدق والإخلاص، موضحا أن السعيد حقًا هو من يُحسن اغتنامه ليكون نقطة انطلاق نحو حياة أكثر قربًا من الله، وأكثر نفعًا للوطن والمجتمع.
وقال المفتي - في حوار خاص مع وكالة أنباء الشرق الأوسط اليوم /الخميس/ - إن شهر رمضان يظل في وجدان الأمة محطة إيمانية كبرى، تتجدد فيها معاني الصلة بالله سبحانه وتعالى، وتستعاد فيها القيم التي قد ترهقها ضغوط الحياة اليومية.
وفي ظل ما يشهده العالم من تحديات أخلاقية واجتماعية متسارعة، تزداد الحاجة إلى هذا الموسم الروحي الذي يعيد ترتيب الأولويات، ويمنح الإنسان فرصة للمراجعة والمحاسبة وتصحيح المسار.
وأضاف أن شهر رمضان والعبادات التي نتعبد إلى الله بها هي مدرسة عظيمة وعملية لتزكية النفس، وضبط السلوك، وتعزيز روح المسؤولية الفردية والجماعية، ويتعلم الإنسان معنى الصبر، ويذكره بحال المحتاجين، ويعيد إحياء قيمة التكافل الاجتماعي في المجتمع، فضلًا عن أنه فرصة عظيمة لمعالجة كثير من مظاهر الخلل الأخلاقي فهو شهر القرآن، وشهر ضبط اللسان، وكفّ الأذى، وتعزيز الروابط الأسرية.
وأوضح أنه حين يدرك الإنسان أن رمضان فرصة لمراجعة ذاته، ومحاسبة سلوكه، وإعادة ترتيب أولوياته، يتحول الشهر من طقوس شكلية إلى تجربة روحية عميقة، يتم خلالها استعادة روح رمضان الحقيقية التي تبدأ من التوبة وتصحيح النية وفهم المقصد من هذا الشهر الكريم، فالصيام لم يشرع ليكون موسمًا للاستهلاك أو التفاخر بالمظاهر ، وإنما ليكون مدرسة للتقوى، وضبط النفس، وتعميق الصلة بالله سبحانه وتعالى.
وأشار إلى أنه من المهم أن نعيد الاعتبار لقيمة البساطة وعدم التكلف في هذا الشهر؛ فالإفراط في الإنفاق والتوسع في المأكل والمشرب يتنافى مع جوهر الصيام الذي يعلمنا الإحساس بالمحتاجين وترشيد الرغبات وكبح الشهوات، والاعتدال في الاستهلاك، وتوجيه جزء من الإنفاق إلى الصدقات وأعمال البر، وهو أحد المفاتيح العملية لاستعادة المعنى الحقيقي لرمضان.
وقال عياد إن الصيام عبادة تحمل في جوهرها أبعادًا تربوية عميقة، تتجاوز الامتناع عن الطعام والشراب إلى بناء الإنسان أخلاقيًّا وسلوكيًّا ، فهو يرسخ قيمة الصبر حيث يدرب المسلم على احتمال الجوع والعطش، وضبط الشهوات، وكبح الانفعالات. وهذا الصبر ليس سلبًا أو ضعفًا، بل قوة داخلية تمكن الإنسان من التحكم في رغباته، وتجعله أكثر اتزانًا في مواقفه وقراراته.
وأوضح أن الصيام مدرسة للانضباط؛ فهو يعلم احترام الوقت، والالتزام بحدود واضحة، والقدرة على تأجيل الرغبة امتثالًا لأمر الله تعالى. وحين يتعود الإنسان على هذا الانضباط في أمر مباح كالأكل والشرب، يكون أقدر على ضبط نفسه في سائر شؤون حياته، سواء في العمل أو العلاقات أو تحمل المسؤوليات.
ولفت إلى أنه من ناحية التكافل الاجتماعي، فإن الصيام يحيي في النفس الشعور بالآخرين، خاصة الفقراء والمحتاجين. ولذلك ارتبط رمضان بالصدقات وزكاة الفطر وموائد الإطعام، لأن العبادة لا تنفصل عن البعد الاجتماعي، بل تترجم إلى رحمة عملية وتضامن حقيقي.
ودعا المفتي كل مسلم خاصة الشباب في رمضان إلى ترشيد استخدام التكنولوجيا، وأن يجعلها وسيلة للخير والمعرفة وصلة الرحم، وليس أداة لإهدار الوقت أو الوقوع في المخالفات الشرعية والمحرمات، فالهدف الأسمى من الصوم ليس الامتناع الظاهري عن المفطرات فحسب، بل هو تربية للنفس وضبط للسلوك، وقد جاء في الحديث الشريف: "من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه".. مشيرا إلى أن هذا يدل على أن المقصود من الصيام تهذيب الأخلاق وحفظ الجوارح، وليس مجرد الجوع والعطش".
وأوضح أنه إذا تحولت وسائل التواصل الاجتماعي إلى باب للغفلة، أو نشر الشائعات، أو الوقوع في الغيبة والسخرية أو النظر المحرم، فإن ذلك لا يُفطر من الناحية الظاهرية، لكنه قد ينقص أجر الصائم ويفرِغ العبادة من روحها.
وأشار إلى أن المسألة لا تقاس فقط بصحة الصوم، بل بمدى تحقق مقصده وثوابه، فالصيام عبادة غايتها تحقيق التقوى، وضبط النفس، وتحرير الإنسان من سلطان الشهوات والعادات، فإذا تحول المحتوى الرقمي إلى انشغال مفرط يضيع الوقت، أو يفوت الصلوات، أو يوقع في محرم كالنظر أو سماع ما لا يليق، فإنه بلا شك يؤثر في كمال الأجر وينقص من ثمرته الروحية، وإذا جاء المحتوى الرقمي على وقت الصائم وأبعده عن القرآن والذكر وصلاة الجماعة وبر الوالدين، فإنها قد تحرمه من عظيم الثواب الذي جاء به هذا الشهر المبارك.
وقال المفتي إن شهر رمضان نسعى فيه إلى أن يكون موسمًا للترشيد وضبط النفس، فالإسراف منهي عنه شرعًا، لقوله تعالى: {وكلوا واشربوا ولا تسرفوا}، والمبالغة في الاستهلاك تتنافى مع مقاصد الصيام التي تقوم على تهذيب الشهوة لا إطلاقها، وعلى الشعور بالآخرين لا التوسع في الترف.
وأوضح أن المؤسسات الدينية تلعب دورا محوريا وأساسيا في تعزيز الوعي الديني الصحيح خلال الشهر الفضيل، حيث يشهد هذا الشهر إقبالًا واسعًا من الناس على الأسئلة الشرعية والتعلم والعودة إلى الله تعالى. ومن ثم فإن مسؤولية هذه المؤسسات لا تقتصر على بيان الأحكام، بل تمتد إلى توجيه الوعي، وتصحيح المفاهيم، وترسيخ الفهم الوسطي للدين في نفوس الناس.
ولفت إلى دور دار الإفتاء مع الفتاوى في التعامل مع الفتوى المنتشرة على مواقع التواصل الاجتماعي دون سند علمي، من خلال منهج مؤسسي منظم، يقوم على الرصد العلمي والتحليل الموضوعي ثم البيان الرشيد.
وفي هذا السياق يقوم المرصد الإعلامي لدار الإفتاء برصد ما ينشر في الفضاء الرقمي ووسائل الإعلام من فتاوى أو أطروحات دينية، خاصة تلك التي تحمل طابعًا متطرفًا أو شاذًا، ويعمل المرصد على متابعة الاتجاهات العامة، وتحديد القضايا الأكثر تداولًا، وتحليل الخطاب المستخدم ومدى اتساقه مع المنهج العلمي الوسطي.
كما يضطلع المؤشر العالمي للفتوى بدور مهم في تحليل الفتاوى المنتشرة على المستوى المحلي والدولي، سواء من حيث مضمونها أو سياقاتها أو آثارها المجتمعية، وهو ما يتيح رؤية أشمل، وتساعد على فهم أنماط الخطاب الديني وتحولاته. ومن خلال هذا التحليل يتم إعداد دراسات وتقارير وبيانات إعلامية تسهم في بناء خطاب تصحيحي قائم على الأدلة والقواعد الفقهية الرصينة.
وقال إن الفتوى تتغير بتغير الزمان والمكان والأحوال والأشخاص، والموازنة بين ثوابت الشريعة ومتغيرات الواقع ليست مسألة توفيق ظاهري، بل هي جوهر العمل الإفتائي نفسه. فالشريعة الإسلامية قامت على أصول ثابتة لا تقبل التبديل، كالعقائد والعبادات القطعية والقيم الأخلاقية الكبرى، وفي الوقت ذاته جاءت بأحكام مرنة في دائرة المعاملات والاجتهاد، تراعي تغير الأعراف والأحوال وتنوع البيئات. ومن هنا فإن الفتوى المعاصرة تتحرك داخل هذا الإطار المنضبط.
وأشار إلى أنه يجب التمييز دائمًا بين ما هو ثابت بالنص القطعي والدلالة الواضحة، فهذا لا مجال لتغييره أو التلاعب به، وبين ما كان ظنيًّا أو اجتهاديًّا أو مرتبطًا بعرف أو مصلحة، فهنا يتسع له مجال النظر والاجتهاد.
وقال مفتي الجمهورية إنه في دار الإفتاء المصرية نعتمد في ذلك على منهج يجمع بين فقه النص وفقه الواقع، فندرس المسألة من جهة أدلتها الشرعية، ثم نحيط بظروفها المعاصرة وأبعادها الاجتماعية والاقتصادية والنفسية، وننظر في مآلاتها وآثارها على الفرد والمجتمع ، كما نستحضر مقاصد الشريعة الكبرى في حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال، حتى لا يكون الحكم منقطعًا عن غايته.
ورأى أن التجديد في الخطاب الإفتائي لم يعد ترفًا فكريًا، بل ضرورة تفرضها العصر وتغيراته وتحولات المجتمع، خاصة مع الأجيال الجديدة التي تنشأ في بيئة رقمية مفتوحة، تتعدد فيها مصادر المعرفة وتتسارع فيها الأحداث ، إلا أن هذا التجديد الذي ننشده لا يمس أصول الشريعة ولا ثوابتها، وإنما يتعلق بأسلوب العرض، ولغة الخطاب، وآليات التواصل.
وأوضح أن دار الإفتاء المصرية حرصت على تطوير أدواتها في هذا الاتجاه، من خلال التوسع في المنصات الرقمية، وتقديم محتوى مرئي مبسط، وإتاحة مساحات تفاعلية للأسئلة المباشرة من خلال البث المباشر، إلى جانب الاستفادة من العلوم الاجتماعية والإنسانية في فهم قضايا الشباب. فالتجديد الحقيقي ليس تغيير الأحكام، بل تجديد طريقة الوصول بها إلى الناس بما يحقق مقاصد الحق ويراعي مصالح الخلق.
المصدر
المصدر: صدى البلد
كلمات دلالية: شهر رمضان الفضيل هبة ربانية ترميم العلاقات مفتی الجمهوریة شهر رمضان هذا الشهر وأوضح أن الشهر ا من خلال إلى أن
إقرأ أيضاً:
الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
يُخيَّل إلينا أحيانًا أن التاريخ تصنعه الجيوش، وأن خرائط العالم تُرسم بالقوة وحدها، وأن التحولات الكبرى لا تأتي إلا على وقع المدافع وصخب المعارك. غير أن قراءة متأنية لمسيرة البشرية تكشف حقيقة مختلفة؛ فقبل كل حدث عظيم كانت هناك فكرة، وقبل كل فكرة كانت هناك كلمة.
الكلمات ليست مجرد أصوات عابرة أو حروف مصطفة على الورق، بل هي القوة الأكثر حضورًا واستمرارًا في حياة الأمم. فالكلمة التي تُقال في لحظة فارقة قد تعيش قرونًا، وقد تمتد آثارها إلى ما هو أبعد من عمر أصحابها.
في القرن التاسع عشر، لم يكن اسم دي لسبس مرتبطًا بآلة حفر أو أسطول بحري بقدر ما ارتبط بفكرة استطاعت أن تتحول إلى مشروع غيّر حركة التجارة العالمية وبدّل أهمية الجغرافيا السياسية للمنطقة. كانت البداية كلمة ورؤية وإقناعًا، ثم أصبح الحلم واقعًا.
وبعد أكثر من قرن، وقف الرئيس محمد أنور السادات أمام العالم ليطلق كلماتٍ بدت آنذاك غير مألوفة في منطقة اعتادت لغة الصراع. لم تكن “كامب ديفيد” مجرد اتفاق سياسي، بل كانت تعبيرًا عن انتقال من مرحلة تاريخية إلى أخرى، بغض النظر عن المواقف المختلفة تجاهها أو تقييم نتائجها. لقد أثبتت تلك اللحظة أن كلمة واحدة قد تفتح أبوابًا ظلت مغلقة لعقود.
والأمثلة في التاريخ لا تُحصى. فكم من حرب بدأت بخطاب، وكم من سلام وُلد من كلمة، وكم من شعب نهض لأن قائدًا آمن بفكرة واستطاع أن يصوغها في عبارة لامست وجدان الناس.
إن عالمنا اليوم، بكل ما يملكه من تقدم علمي وتكنولوجي غير مسبوق، لا يعاني نقصًا في القوة بقدر ما يعاني نقصًا في الكلمات القادرة على جمع ما تفرّق، وبناء ما تهدّم، وإحياء الأمل حيث استوطن اليأس.
نحن نعيش زمنًا تتسارع فيه الأحداث وتتعاظم فيه التحديات، من الحروب والصراعات إلى الأزمات الاقتصادية والتغيرات الاجتماعية العميقة. وفي خضم هذا المشهد المضطرب، لا يزال العالم يبحث عن كلمة جديدة؛ كلمة تُعيد تعريف العلاقة بين الشعوب، وتمنح الإنسان سببًا إضافيًا للإيمان بالمستقبل.
فالتاريخ، في جوهره، ليس سجلًا للأحداث فقط، بل هو سجل للأفكار التي انتصرت، وللكلمات التي وجدت طريقها إلى العقول والقلوب. وما من تحول كبير إلا وكان في بدايته شخص آمن بكلمة قبل أن يؤمن بها الآخرون.
ولعل السؤال الأهم ليس: ما الكلمة التي غيّرت التاريخ في الماضي؟
بل: ما الكلمة التي يمكن أن تغيّر المستقبل؟
سؤال أتركه لكل قارئ، ولكل صاحب قرار، ولكل إنسان ما زال يؤمن بأن للكلمات قوة تفوق أحيانًا قوة السلاح، وأن التاريخ
قادم قد يبدأ من كلمة لم تُقَل بعد …..