القرآن الكريم غني عن التعريف، فهو كلام الله الخالد، وكتابه السارد، ودستوره القائد إلى خير هدى ورشاد، هو الرسالة والمعجزة في آن واحد. فكل آية، بل كل جزء منه، يعتبر معجزة بحد ذاتها، إذ خرق عادة العرب في كلامهم، فلا هو مما عرفوه وألفوه من شعر ونثر. إعجازه يزداد يومًا بعد يوم، حسب ما يتوصل إليه الإنسان من علومه وأخباره، وأسرار تشريعاته وهداياته، وعجائب لغته وبيانه.
ومعنى المعجزة لغةً: اسم فاعل من فعل (أعجز)، الذي مصدره (إعجاز)، ولحقت بها الهاء للمبالغة كما في كلمة (علّامة).
وأصل (العجز) هو التأخر عن الشيء كأنه حصل عند مؤخره كالدبر، لذلك يُسمّى الدبر عجزًا، و(عجز عجزًا) إذا غُلِب وسُبِق ولم يقدر، أو بمعنى القصور عن فعل الشيء، وهو ضد القدرة (الراغب، 1996، ص322). ويدل عليه قوله تعالى:
(قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي) (المائدة: 31)
والمعجزة اصطلاحًا، كما في كتاب (الإتقان) للسيوطي، هي: «أمر خارق للعادة مقرون بالتحدي، سالم عن المعارضة» (السيوطي، 1996، ص3)، فهي تقترن بالتحدي الذي يكون: بلسان المقال أو بلسان الحال. أما الإعجاز اصطلاحًا فهو عدم قدرة الثقلين على الإتيان بمثل المعجزة الربانية لكونها خارقة للعادة رغم تحديهم بها. وقد عرفه العلامة أحمد الخليلي بأنه: «الغلبة من جهة لأخرى حتى تصير الجهة المغلوبة عاجزة عما قدرت عليه الغالبة» (الخليلي، 1984، ص45)، وبتعبير آخر، هو إثبات عدم قدرة الخصم في الإتيان بالمعجزة.
ولما كان الإعجاز البياني هو موضوع تحدي العرب أثناء تنزل القرآن، كان من المهم تناوله، إذ إن إعجاز القرآن في نظمه وبيانه سارٍ في جميع آياته، فلا ينفك عنه أبدًا، ولا تختص به طائفة من الآيات دون أخرى، كما هو الحال في الإعجاز العلمي أو التشريعي أو الإنبائي الغيبي. لذلك بُدئ به قديمًا، فكان له نصيب وافر من بحوث العلماء، ونظّروا فيه نظريات بعضها انحرفت عن الحقيقة كنظرية الصدفة التي ابتدعها النظام، وتبعه فيها نفر من المتعالمين، وجاءت نظريات أخرى لانتقادها وبيان الوجوه الإعجازية الصحيحة، كنظرية النظم القرآني لعبد القاهر الجرجاني.
والمراد بالإعجاز البياني تفوق القرآن الكريم لغويًا وبلاغيًا، حيث يتميز بوضوح المعنى، وفصاحة الألفاظ، ودقة التركيب، وبلاغة التعبير لدرجة يعجز البشر عن الإتيان بمثلها.
فعلى سبيل المثال، ورد في القرآن الكريم كلمة (ضيزى) وهي كلمة قبيحة، لكن الاستعمال القرآني جعلها كلمة جميلة تؤدي معنى مفيدًا، فقد ركّبها المولى عز وجل في قوله:
(أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (19) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (20) أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (21) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى (22)) (النجم)
لاحظ الإيقاع الموسيقي الجميل لها المتناغم مع فواصل الآيات المتجاورة، ثم معناها الدقيق، أي أنكم أيها المشركون جعلتم الآلهة الإناث بنات الله، وجعلتم لأنفسكم الذكور، فكانت هذه القسمة قسمة ظالمة لا عدل فيها.
كما ورد في قوله تعالى:
(وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (1) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى (2)) (الليل)
استُعمل الفعل المضارع (يغشى) مع (الليل)، والفعل الماضي (تجلّى) مع (النهار) في سياق واحد. لماذا؟ إن الليل يأتي تدريجيًا عندما تنسحب الشمس من الأرض، بدءًا من العصر وحتى المغرب، وهي فترة طويلة نسبيًا، فناسبها الفعل المضارع (يغشى) الذي يدل على الاستمرار. بينما النهار يتجلى بمجرد شروق الشمس، وهي فترة قصيرة سرعان ما تنقضي، فناسبها الفعل الماضي (تجلّى) الذي يفيد الانقضاء. والملحوظ أن الفعلين مرتبطان بـ(إذا) الظرفية الزمنية، فوقت الغشي أطول من وقت التجلي، والله أعلم.
المصدر
المصدر: لجريدة عمان
إقرأ أيضاً:
لغز الفيوم العظيم.. الملك المفقود الذي يروي مجد الدولة الوسطى وصراعاتها
تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق
في عمق تاريخ مصر القديمة، وتحديدًا خلال عصر الدولة الوسطى في الأسرة الثانية عشرة (نحو 1985–1773 ق.م)، خرجت إلى الوجود واحدة من أكثر القطع النحتية غموضًا وإثارة في تاريخ الفن المصري القديم: تمثال ضخم لملك مجهول الهوية بدقة، يُعتقد أنه أحد ملوك هذه المرحلة العظيمة مثل سنوسرت الثالث أو سنوسرت الثاني، وربما امتدت احتمالاته إلى أمنمحات الرابع.
هذا التمثال، الذي اكتُشف في منطقة هيراكليوبوليس ماغنا قرب الفيوم، لا يمثل مجرد عمل فني، بل هو وثيقة سياسية ودينية تعكس تحولات كبرى في مفهوم الحكم والسلطة والخلود في الحضارة المصرية.
ملوك الدولة الوسطى.. بناء دولة مركزية قويةشهدت الدولة الوسطى واحدة من أكثر مراحل مصر استقرارًا وازدهارًا، حيث أعاد ملوك الأسرة الثانية عشرة توحيد البلاد بعد فترات من الاضطراب، ونجحوا في بناء جهاز إداري قوي ودولة مركزية متماسكة.
برز من بين هؤلاء الملوك سنوسرت الثالث، المعروف بحملاته العسكرية في النوبة وإصلاحاته الإدارية الصارمة، إلى جانب ملوك آخرين مثل سنوسرت الثاني وأمنمحات الرابع، الذين أسهموا في ترسيخ قوة الدولة وتوسيع نفوذها.
وفي هذا السياق، جاءت التماثيل الضخمة لتكون أداة سياسية بصرية تعكس هيبة الملك وتؤكد طبيعته الإلهية.
فن يعكس التحول نحو الواقعيةيمثل هذا التمثال نموذجًا واضحًا للتحول الفني الذي ميّز عصر الدولة الوسطى، حيث ابتعد الفنانون تدريجيًا عن المثالية المطلقة التي كانت سائدة في العصور السابقة، واتجهوا نحو تصوير أكثر واقعية وصدقًا في ملامح الملوك.
فبدلًا من الوجوه الشابة المثالية، ظهرت تعابير أكثر جدية وصرامة، تعكس شخصية الملك كحاكم مسؤول عن حماية البلاد وإدارة شؤونها في عالم مليء بالتحديات.
ويُعتقد أن هذا الأسلوب بلغ ذروته في تماثيل سنوسرت الثالث، التي أظهرت ملامح تحمل مزيجًا من القوة والتجربة والرهبة، وكأنها تعكس ثقل الحكم ذاته.
لغز الهوية وإعادة الاستخدام الملكيإحدى أبرز نقاط الغموض في هذا التمثال هي هويته الدقيقة، إذ يرى بعض الباحثين أنه قد يمثل سنوسرت الثالث، بينما يرجح آخرون أنه يعود إلى أمنمحات الرابع، بسبب محدودية المعلومات المتاحة عن فترة حكمه القصيرة.
كما أن التمثال يحمل دليلًا مهمًا على إعادة استخدامه في عصر لاحق، خلال الفترة الرعامسية، وربما في عهد مرنبتاح، ابن رمسيس الثاني. وقد كانت إعادة النقش وإعادة توظيف التماثيل ممارسة شائعة في مصر القديمة، حيث كان الملوك اللاحقون يربطون أنفسهم بإنجازات أسلافهم لتعزيز شرعيتهم السياسية.
الأميرات إلى جانب الملك.. رمزية العائلة والسلطةما يجعل هذا التمثال أكثر تميزًا هو وجود شخصيات صغيرة لأميرات بجوار الملك، وهو عنصر نادر في النحت الملكي المصري. هذه الإضافة لا تحمل بعدًا عائليًا فقط، بل تعكس أيضًا فكرة استمرار السلالة الملكية وترسيخ مفهوم الوراثة الإلهية للحكم.
كما تُظهر هذه التفاصيل كيف كان الفن المصري القديم وسيلة للتعبير عن السلطة بوصفها نظامًا متكاملًا يجمع بين الملك والعائلة الملكية والدين والدولة.
شاهد حجري على تاريخ متغيراليوم، يقف هذا التمثال في المتحف المصري الكبير كطبقات متراكمة من التاريخ؛ فهو عمل فني من الدولة الوسطى، أعيد استخدامه في عصر لاحق، واكتشف في زمن حديث، ليصبح سجلًا مفتوحًا يروي قصة آلاف السنين من السياسة والدين والفن.
إنه ليس مجرد تمثال لملك مجهول، بل مرآة تعكس كيف كانت مصر القديمة تعيد تشكيل صورتها عبر الزمن، وكيف استطاعت أن تجعل من الحجر وسيلة لحفظ السلطة والهوية والذاكرة.
وهكذا، يبقى هذا التمثال الضخم شاهدًا على حقيقة واحدة: أن الملوك قد يرحلون، لكن الحجر الذي نُقشت عليه أسماؤهم يواصل الحديث عنهم إلى الأبد.
الملك المفقود