بوابة الوفد:
2026-07-23@22:42:41 GMT

رمضان.. تجديد للروح وتطهير للنفس

تاريخ النشر: 19th, February 2026 GMT

كما يمنّ الله علينا ببزوغ فجرٍ جديد كل صباح، يفيض علينا كذلك بميلادٍ روحيٍّ متجدد كل عام مع إشراقة هلال رمضان،  الشهر التاسع من التقويم الهجرى، فنغتسل فى نهرٍ من المغفرة والرحمة والعتق من النار ثلاثين يومًا،فنجد فى الشهر الكريم  استراحةً من عناء الطريق، وارتقاءً فى درجات النعيم، كمان روت لنا السيرة النبوية، حين تعجب الصحابة من رَجُلين استُشهد  أحدهما ولكن سبقه صاحبه إلى الجنة، رغم أن الأخير مات على فراشه بعده بعام! ليأتى البيان النبوى الشريف كاشفاً عن السرّ  فيقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: أليس قد مكث هذا بعده سنة؟ قال الصحابة: بلى، قال: وأدرك رمضان فصام وصلى كذا وكذا من سجدة فى السنة؟ قالوا: بلى، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فما بينهما أبعد مما بين السماء والأرض.

ميلاد جديد

ومن هذا السياق أكد الدكتور عمرو الوردانى رئيس لجنة الشئون الدينية بمجلس النواب، وأمين الفتوى بدار الإفتاء المصرية،  أن شهر رمضان يمثل فرصة لـ «الميلاد الروحى الجديد»، موضحاً أن من أثقلته الهموم والذنوب يمكنه أن يبدأ صفحة جديدة  عبر الصيام بإخلاص.

ويستشهد الوردانى بحديث النبى صلى الله عليه وسلم: «من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدم من ذنبه»، معتبراً  أن تلك المغفرة تعنى تجدد القلب وكأن الإنسان وُلد من جديد.

كما أشار إلى لفتة رمزية عميقة، وهى أن كون رمضان هو «الشهر التاسع» فى التقويم الهجرى يحمل دلالة على مخاض ا لميلاد، مؤكداً أن عطاء الله واسع، لكن المشكلة تكمن فى مدى استعداد القلوب لتلقيه، داعياً لاغتنام الشهر كموسم للتوبة.

جراحة ربانية روحية

ويتضح لنا هذا الميلاد فى عمق الفلسفة الروحية للصيام، حيث تبرز ثنائية «التخلية والتحلية»، فالصيام يبدأ بعملية جراحية  دقيقة للنفس، وهى «التخلية»، أى إفراغ القلب من الشهوات، وما إن تخلو النفس من كدَرِها، حتى تبدأ مرحلة «التحلية»، حيث تُغرس قيم الصبر والتقوى.

وهنا يقول الداعية مصطفى حسنى إن الصيام ليس مجرد امتناع عن الطعام والشراب، بل هو «عملية جراحية ربانية» تُعيد  تشكيل روح الإنسان، وتحتاج إلى بيئة منضبطة، محددًا أربعة «منافذ للروح» ينبغى ضبطها حتى تؤتى العبادة ثمارها: البصر، والسمع، واللسان، واليد.

موضحًا أن غضّ البصر يقى القلب من التعلق والشهوة، وأن تعمد الاستماع إلى الغيبة أو الفحش يُفسد أثر الصيام، مستشهدًا  بقول الله تعالى: ﴿فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتّى يَخُوضُوا فِى حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾. 

كما شدد على خطورة اللسان، محذرًا من الغيبة والنميمة والفحش، ومذكّرًا بحديث النبى صلى الله عليه وسلم: «من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة فى أن يدع طعامه وشرابه»، وأضاف أن معاصى اليد لا تقتصر على السرقة، بل تشمل كل  أذى مباشر أو غير مباشر، مؤكدًا أن طهارة الكسب والسلوك شرط لبركة العبادة.

واختتم بأن من أراد أن يخرج من رمضان بروح متغيرة فعليه بالمداومة على الذكر وضبط النظر وسائر الجوارح، ليصبح  الصيام مسارًا متكاملًا لتهذيب النفس وبلوغ الطمأنينة، لا مجرد جوع وعطش.

مقاصد الصوم

وعند الغوص فى مقاصد هذه الفريضة، نجد أن كبار المفكرين والعلماء قد فككوا شفرات تلك حراجة الروحية بعمق يتجاوز  مجرد الامساك عن المفطرات، فمن منظور «مدرسة أعمال القلوب» التى تعتنى بآثار العبادة على الوجدان، يرى الإمام ابن قيم الجوزية فى  كتابه   .

                                                                                                                                         (زاد المعاد) أن للصوم تأثيراً عجيباً فى حفظ الجوارح الظاهرة والقوى الباطنة، واصفاً إياه بأنه «لجام المتقين، وجنة  المحاربين، ورياضة الأبرار»، إذ يحمى الروح من المواد الفاسدة التى إذا استولت عليها أفسدتها.

أما الإمام الغزالى، رائد «مدرسة الزهد والرقائق»، فيذهب فى كتابه (إحياء علوم الدين) إلى أبعد من ذلك، معتبراً أن جوهر الصيام هو «التخلق بخلق الصمدية»، والتشبه بالملائكة فى كف الشهوات عن مقتضى الطباع، فبقدر ما يقهر الإنسان شهوته فى هذا الشهر، يضىء قلبه ويستعد لفيض السكينة الإلهية.

ولا يقتصر هذا الفهم على التراث القديم، بل يمتد للمدرسة الفكرية الحديثة، حيث يرى المفكر عباس محمود العقاد فى كتابه (حقائق الإسلام) أن الصيام هو «الرياضة التى تجعل الإنسان سيداً لضروراته، وليس عبداً لها»، إنه فى نظره الانتصار  الأسمى الذى يحققه الكيان الروحى على الكيان المادى، ليعلن الإنسان من خلاله حرية إرادته.

شهر كريم

ولاغتنام الشهر الكريم بخطوات عملية تصب فى المقاصد الشرعية لفريضة الصوم، أشار الداعية الإسلامى الشيخ رمضان عبدالمعز إلى أنه من أهم معانى الشهر الكريم تصفية القلوب والمسامحة، مشيرًا إلى ما كان عليه حال الصحابة رضوان الله عليهم، إذ كانوا يتحرجون من استقبال هلال رمضان وفى صدورهم شىء من الحقد أو الضغينة تجاه أحد. 

مُشددًا على ضرورة المصالحة بين الناس، والانتصار على النفس والهوى، والتغلب على وساوس الشيطان، حتى يدخل المسلم رمضان بقلب سليم.

وأشار إلى أن شهر رمضان هو شهر القرآن، مستدلًا بقوله تعالى: ﴿شهر رمضان الذى أُنزل فيه القرآن﴾، داعيًا إلى الحرص  على تلاوة القرآن ولو بقدر يسير يوميًا، مع التدرج فى الزيادة، مؤكدًا أن الأهم هو التدبر والفهم وليس مجرد كثرة القراءة.

كما شدد على أن حقيقة الصيام لا تقتصر على الامتناع عن الطعام والشراب، بل تمتد إلى صيام الجوارح عن المعاصى، بحفظ اللسان وغض البصر والابتعاد عن الحرام، مستشهدًا بقول النبى صلى الله عليه وسلم: «رُبَّ صائمٍ ليس له من صيامه إلا الجوع»، فى إشارة إلى أن المقصود من الصيام تهذيب النفس وتحقيق التقوى.

فى الختام، علينا أن نُدرك أن التحدى الحقيقى ليس فى ممارسة الفضيلة لثلاثين يوماً، بل فى الحفاظ على «عبق» هذه الروح  بعد انقضاء الشهر، لكى لا تذبل هذه الروح الجديدة، علينا أن نبقى على «نوافذ رمضان» مفتوحة فى حياتنا، الصوم ليس  موسماً وينتهى، بل هو دورة تدريبية مكثفة لترميم ما أفسدته شهور السنة، فمن ذاق حلاوة القرب، عزّ عليه أن يعود لمرارة  البعد.

 

 

المصدر

المصدر: بوابة الوفد

إقرأ أيضاً:

البابا تواضروس يرسم ملامح جيل المستقبل: العلم والانتماء والمعلم أساس بناء شخصية الطفل المصري

أكد قداسة البابا تواضروس الثاني، بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية، أن بناء الإنسان المصري يبدأ من مرحلة الطفولة، مشددًا على أهمية تقديم المعرفة للأطفال بأسلوب مبسط يربطهم بتاريخ وطنهم ويعزز لديهم مشاعر الانتماء والمسؤولية.

تعريف الأطفال بمعاني الرموز الوطنية

وخلال حديثه عن مشاركته في ملتقى "لوغوس جونيور"، أوضح البابا تواضروس خلال مداخلة هاتفية ببرنامج مساء دي إم سي أنه حرص على تعريف الأطفال بمعاني الرموز الوطنية، ومن بينها العلم المصري، حيث قدم لهم شرحًا مبسطًا لدلالات ألوانه، موضحًا أن اللون الأبيض يرتبط بسكان السواحل الشمالية، بينما يعبر الأحمر عن البحر الأحمر وسيناء، ويمثل الأسود وادي النيل وتربته التي شكلت جانبًا مهمًا من تاريخ وحضارة مصر، فيما يرمز النسر في منتصف العلم إلى القوات المسلحة ودورها في حماية الوطن.

تشكيل وجدان الطفل

وأشار قداسته إلى أن غرس الوعي الوطني لا يعتمد فقط على المعلومات، بل يحتاج إلى شخصيات مؤثرة تشارك في تشكيل وجدان الطفل، وفي مقدمتها معلم المرحلة الابتدائية، مؤكدًا أن هذه المرحلة تعد حجر الأساس في تكوين شخصية الطفل وأسلوب تفكيره وقيمه.

البابا تواضروس: أطفال مصر بذور المستقبل.. وغرس الانتماء يبدأ من الصغرجرعة وطنية تنويرية.. البابا تواضروس يروي 5 حكايات عن مصر لأطفال لوجوس چونيوررسالة وطنية من البابا تواضروس للأطفال.. «حب مصر» يبدأ من القلوب الصغيرةالبابا تواضروس للأطفال: اعرفوا مصر أولًا.. وخمس حكايات تغرس حب الوطن في القلوب

واستعاد البابا تواضروس ذكريات عدد من معلميه الذين كان لهم دور بارز في حياته، موضحًا أن المعلم في السنوات الأولى لا يؤدي مهمة تعليمية فقط، بل يساهم بشكل مباشر في بناء الإنسان وصياغة شخصيته، وهو ما يجعل اختيار معلمي المرحلة الابتدائية مسؤولية كبيرة.

وفي سياق متصل، تحدث البابا عن التحديات التي تفرضها التكنولوجيا الحديثة على الأطفال، محذرًا من أن الاستخدام غير المتوازن لوسائل التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي قد يؤثر على طبيعة العلاقات الإنسانية والتواصل داخل الأسرة.

وأكد ضرورة تحقيق معادلة متوازنة بين الاستفادة من التطور التكنولوجي والحفاظ على الجوانب الإنسانية والعاطفية لدى الأطفال، مشيرًا إلى أن التكنولوجيا يجب أن تكون وسيلة لخدمة الإنسان وليس بديلًا عن المشاعر والعلاقات التي تشكل أساس المجتمع.

طباعة شارك البابا تواضروس البابا تواضروس الثاني تشكيل وجدان الطفل القوات المسلحة

مقالات مشابهة

  • ترامب: إيران أضعف مما كانت عليه قبل 4 أشهر
  • البابا تواضروس يرسم ملامح جيل المستقبل: العلم والانتماء والمعلم أساس بناء شخصية الطفل المصري
  • عبدالله بن زايد: الإنسان أساس نهضة الإمارات
  • «نيويورك أبوظبي»: طريقة جديدة لمكافحة الملاريا
  • طب النوم.. علمٌ يحرس صحة الإنسان أثناء غفوته
  • ثروت : أنا ضد التنمر بكل أنواعه ولكن فيه اللي لازم نتنمر عليه
  • الروبوتات البشرية تبدأ بمزاحمة الإنسان على الوظائف في مصانع العالم
  • الجيش الأوكراني يحصل على قائد جديد.. من هو الجنرال الذي يراهن عليه زيلينسكي؟
  • ثراء جبيل : ابتعدت عن رمضان بسبب الأمومة و ضغوط استعادة الوزن بعد الولادة قاسية على النساء
  • محافظة القدس تحذر من أخطر اقتحام للأقصى لتكريس سيادة الاحتلال عليه