مسعد بولس أمام مجلس الأمن: مستقبل السودان لا يمكن ان يقرره جنرالات ويدعو لاعتماد نهج على مراحل للتفاوض لانهاء الحرب والضغط لهدنة إنسانية
تاريخ النشر: 20th, February 2026 GMT
متابعات تاق برس- دعا مستشار الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية والعربية مسعد بولس، الخميس، المجتمع الدولي إلى اعتماد نهج على مراحل للتفاوض فيما يتعلق بتسوية النزاع القائم في السودان.
ودعا مسعد بولس إلى الوصول لهدنة إنسانية في السودان دون شروط مسبقة وفتح جميع المسارات للوصول إلى المحتاجين، وأكد أهمية الوصول إلى حكومة مدنية شاملة تلبي طموحات الشباب والمواطنين الذين عبروا عن ذلك خلال الثورة.
وقال بولس، أمام مجلس الأمن الدولي، إنه يدعو المجتمع الدولي إلى “دعم التوصل إلى هدنة إنسانية واعتماد نهج على مراحل للتفاوض على وقف إطلاق النار والترتيبات الأمنية والتسوية الدائمة للنزاع، على أن يتكامل ذلك مع عملية انتقالية”.
وحث على إطلاق عملية تؤدي إلى حكومة مدنية، مشدداً على أن “مستقبل السودان لا يمكن أن يقرره جنرالات، حيث ينبغي أن يرسم معالمه المدنيون”.
وأوضح أن ذلك يتطلب إنشاء إطار مؤسسي متين وحماية مؤسسات الدولة من السيطرة الحزبية والعسكر.
وأضاف: “ما من أطراف جيدة في النزاع، كل من الجيش والدعم السريع ارتكبا انتهاكات خطيرة ويتحملان مسؤولية استمرار الحرب. ينبغي مساءلة جميع مرتكبي الانتهاكات غضّ النظر عن انتمائهم”.
وشدد مسعد بولس على ضرورة التسليم بدور الشبكات المرتبطة بالنظام السابق والإخوان المسلمين، الذي وصفه بـ”المزعزع للاستقرار”، مشيراً إلى أنها حاولت استغلال النزاع والعمل خلف الكواليس لاستعادة السلطة من داخل مؤسسات الدولة والبنية العسكرية.
وأفاد بأن هذه الشبكات غذّت الاستقطاب وأعاقت الإصلاح، كما يسّرت في بعض الحالات الدعم الخارجي وتدفق السلاح، مما أدى إلى استمرار القتال.
وتابع: “المسؤولون عن الفظائع، سواء كانوا مرتبطين بالدعم السريع أو الجيش أو أي فصيل آخر، سوف يواجهون العواقب”.
وفرضت الولايات المتحدة، الخميس، عقوبات على ثلاثة من قادة الدعم السريع لمسؤوليتهم عن ارتكاب جرائم في الفاشر بولاية شمال دارفور.
وقال مسعد بولس إن المساءلة وحدها لن تنهي النزاع، الذي شدد على عدم وجود حل عسكري له، موضحاً أن استمرار القتال سيؤدي إلى تفكيك السودان وخطر انهيار الدولة الدائم.
ونبه الى أن الولايات المتحدة تعمل مع الشركاء، بما في ذلك بريطانيا ومصر والسعودية والإمارات وأطراف أخرى، للضغط في اتجاه التوصل إلى هدنة إنسانية فورية دون شروط مسبقة، مع ضمان الوصول الإنساني.
وأفاد بأنه جرى التوصل إلى آلية تابعة للأمم المتحدة تشرف على الهدنة ووصول المساعدات التي يحتاجها 24 مليون سوداني، بما يعادل 72% من سكان البلاد، بينهم 21 مليوناً يعانون من انعدام الأمن الغذائي.
واتهم بولس مجموعات إسلامية، بينها أطراف مرتبطة بجماعة الإخوان المسلمين، تحاول التغلغل في مؤسسات الدولة والتأثير على مسار النزاع المسلح في السودان، وأضاف الولايات المتحدة “لن تتسامح مع جهود الشبكات الإسلامية أو أي مجموعة متطرفة للتدخل في النزاع”، على حد قوله.
وأردف قائلًا إن طرفي القتال في السودان ارتكبا انتهاكات جسيمة، وأن كليهما يتحمل مسؤولية استمرار الحرب وتعميق معاناة الشعب السوداني، فضلًا عن تهديد جرّ المنطقة إلى نزاع أوسع.
وأشار بولس إلى ورود تقارير عن انتهاكات ارتكبتها قوات الدعم السريع في مدينة الفاشر، بينها عنف على أساس عرقي وفرض حصار أدى إلى أوضاع إنسانية متدهورة، وقال إن الجيش من جانبه شن غارات على مناطق مأهولة بالسكان وتسبب في تعطيل وصول المساعدات الإنسانية.
وأكد بولس على أن “المحاسبة يجب أن تشمل جميع المرتكبين بغض النظر عن انتماءاتهم”، واعتبر أن مستقبل السودان ينبغي أن يحدده المدنيون لا القيادات العسكرية.
وأشار كذلك إلى أن شخصيات من جماعة الإخوان عملت بحسب قوله من خلف الكواليس لمحاولة استعادة السلطة في السودان، مؤكدًا أن المطلوب هو تشكيل حكومة مدنية تتبنى آليات إصلاحية حقيقية لإنقاذ البلاد من الانهيار.
الحرب في السودانمجلس الأمنمسعد بولس
المصدر
المصدر: تاق برس
كلمات دلالية: الحرب في السودان مجلس الأمن مسعد بولس فی السودان مسعد بولس
إقرأ أيضاً:
القتال الصامت.. كيف أعاد الأمن السيبراني تشكيل مسار الحرب؟
د. علي موسى الكناني
في سياق الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، لم يعد الأمن السيبراني عاملا ثانويا، أو مكمّلا؛ بل تحوّل إلى أحد المحرّكات الخفيّة التي أثّرت بشكل مباشر على مسار الأحداث؛ سواء في الميدان أو داخل بنية الدولة. ما جرى في هذا المجال لم يكن حدثا واحدا واضحا؛ بل سلسلة من العمليات المتداخلة التي تراكم تأثيرها مع الوقت.
أول ما يمكن ملاحظته هو أن الهجمات السيبرانية أدّت إلى إرباك مستمر في إدارة البنى التحتية الحيوية. لم يكن الهدف دائما التدمير الكامل؛ بل خلق حالة من الضغط المتواصل عبر اختراقات محدودة، أو محاولات تعطيل جزئية؛ شبكات الكهرباء، أنظمة الاتصالات، وبعض المرافق المرتبطة بالطاقة، تعرّضت لمحاولات اختراق أو تشويش، ما فرض على المؤسسات المعنية العمل في حالة استنفار دائم. هذا الاستنزاف الفني والتقني انعكس على كفاءة الأداء العام، وأجبر الدول على تخصيص موارد إضافية للحماية بدلا من توجيهها بالكامل إلى الجهد العسكري التقليدي.
كما لعبت الهجمات السيبرانية دورًا واضحًا في تعزيز القدرة الاستخبارية للأطراف المتصارعة. عمليات الاختراق لم تكن تهدف فقط إلى التعطيل؛ بل إلى جمع معلومات دقيقة حول التحركات، والاتصالات، والبنية التنظيمية. هذا النوع من المعلومات وفر أفضلية نسبية في اتخاذ القرار، سواء على المستوى العسكري أو السياسي. في بعض الحالات، أدى تسريب أو الوصول إلى بيانات حساسة إلى تغيير تكتيكات ميدانية أو إعادة ترتيب أولويات.
وكان هناك تأثير ملحوظ في القطاع الاقتصادي والمالي؛ فالهجمات التي استهدفت أنظمة مصرفية أو خدمات إلكترونية لم تؤدّ بالضرورة إلى انهيار شامل، لكنها خلقت حالة من القلق وعدم اليقين. المستخدمون واجهوا صعوبات مؤقتة في الوصول إلى خدماتهم، والشركات اضطرّت إلى تعليق بعض العمليات أو تعزيز إجراءاتها الأمنية بشكل مكلف. هذه الأجواء أثّرت على ثقة السوق، خاصة في ظل تزامنها مع توترات عسكرية، ما جعل الاقتصاد جزءا من دائرة الضغط.
ومن أبرز ما حدث أيضًا هو تصاعد الحرب الإعلامية الرقمية. الفضاء السيبراني تحوّل إلى ساحة لنشر الروايات المتضاربة، سواء عبر منصّات التواصل أو من خلال اختراق حسابات أو مواقع. هذا الأمر أدّى إلى تشويش في تدفّق المعلومات، وصعوبة في التمييز بين ما هو حقيقي، وما هو مضلل. نتيجة لذلك، أصبح الرأي العام هدفا مباشرا، حيث تسعى كل جهة إلى التأثير عليه أو توجيهه بما يخدم مصالحها.
إضافة إلى ذلك، شهدت الحرب استهدافًا للأنظمة اللوجستية وسلاسل الإمداد. بعض العمليات ركّزت على تعطيل منصات إدارة النقل أو الشحن، أو إرباك الأنظمة المرتبطة بتوزيع الموارد. ورغم أن هذه الهجمات غالبا ما تكون محدودة زمنيا، إلّا أن تأثيرها التراكمي يؤدي إلى بطء في الحركة الاقتصادية وخلل في توفر بعض الخدمات أو المواد.
ومن الجوانب المهمة أيضا التأثير النفسي والاجتماعي؛ فمجرد الإعلان عن هجوم سيبراني أو حتى احتمال حدوثه كان كفيلًا بإثارة القلق داخل المجتمع. الخوف من فقدان خدمات أساسية مثل الكهرباء أو الاتصالات أو الأنظمة الصحية الرقمية خلق حالة من التوتر، خاصة في المدن الكبرى التي تعتمد بشكل كبير على التكنولوجيا. هذا الضغط النفسي يشكل بحد ذاته أحد أهداف الهجمات، لأنه يؤثّر على الاستقرار الداخلي.
في الوقت نفسه، أجبرت هذه التطورات الدول على إعادة توزيع أولوياتها ومواردها. لم يعد التركيز منصبّا فقط على الجبهات العسكرية؛ بل أصبح من الضروري تعزيز الدفاعات الرقمية، وتأمين الشبكات، وتدريب الكوادر. هذا التحول يعني أن جزءًا من الجهد والميزانية يتم توجيهه نحو مواجهة تهديد غير مرئي، لكنه مؤثر.
كما برزت مسألة صعوبة تحديد المسؤولية كعامل معقد في هذه الحرب. في كثير من الحالات، لا يمكن الجزم بشكل قاطع بمن يقف وراء الهجوم، بسبب استخدام تقنيات إخفاء المصدر، أو الاعتماد على أطراف وسيطة. هذا الغموض يقلل من فرص الرد المباشر، لكنه في الوقت نفسه يفتح المجال أمام تصعيد غير محسوب، لأن كل طرف قد يفسر الهجمات بطريقته.
ولا يمكن تجاهل أن ما يحدث اليوم هو امتداد لتجارب سابقة، مثل هجوم "ستوكسنت"، الذي أظهر مبكرًا كيف يمكن للهجمات الرقمية أن تنتقل من مجرد تعطيل أنظمة إلى التأثير على منشآت مادية حساسة. هذا النموذج أصبح مرجعا ضمنيا لما يجري حاليًا، لكن بأدوات أكثر تطورًا وانتشارًا.
في المحصلة.. ما حدث بسبب الأمن السيبراني في هذه الحرب لم يكن حدثًا حاسمًا واحدًا؛ بل تراكم تأثيرات متعدّدة غير مباشرة. هذه التأثيرات شملت إرباك البنى التحتية، وتعزيز القدرات الاستخبارية، الضغط على الاقتصاد، التأثير على الرأي العام، واستنزاف الموارد. وبذلك، أصبح الأمن السيبراني عاملًا يحدّد إيقاع الصراع ويضيف إليه بُعدًا مُعقدًا، يجعل من الحرب أكثر تشابكا وأقل قابلية للتنبؤ بنتائجها.