عبادة الحاكم: من العملة إلى مزارع الدجاج والجامع الأموي.. كيف تحوّلت سوريا إلى ملكية خاصة لآل الأسد؟
تاريخ النشر: 20th, February 2026 GMT
طُبعت صورة الأسد الأب والابن على العملة الوطنية. فبينما حملت ورقة الألف ليرة صورة حافظ، ظهر بشار على ورقة الألفي ليرة. كما سُمّيت الموانئ والطرق السريعة والمراكز التجارية الكبرى بأسماء آل الأسد، لدرجة أن بعض المواطنين كانوا يقولون إن سوريا لم تعد وطناً، بل سجلا عقاريا.
منذ سيطرة حزب البعث على السلطة في سوريا واستلام حافظ الأسد زمام الرئاسة عام 1970، بدأ الأسد الأب يعمل على خطة محكمة لترسيخ وجوده إلى الأبد.
لم تقتصر الهيمنة على المؤسسات الأمنية، بل امتدت إلى الكتب المدرسية والمؤسسات التعليمية التي كانت تدرّس مادة التوجيه السياسي الإلزامي التي تتحدث عن "إنجازات" الحاكم. وفي طابور الصباح، كان التلاميذ يهتفون بحياة الرئيس عبر ترديد شعار"قائدنا إلى الأبد الأمين حافظ الأسد".
بدأ حافظ الأسد منذ سبعينيات القرن الماضي، بتملك مفاصل الدولة رمزياً ومادياً عبر استخدام استراتيجية ممنهجة باستغلال الثغرات القانونية لتنظيم الفضاء العام الذي تحول إلى ملك شخصي أو كاد. فكل مؤسسة حكومية ــ مهما كانت صغيرةــ أصبح تحمل اسمه.
في الثمانينيات، ظهرت مدارس تحمل اسم الأسد الأب في كل محافظة. وفي التسعينيات، توسّع الأمر ليشمل مطارات ومستشفيات، وحتى مزارع الدجاج في الريف السوري، حيث كان مربي الدواجن السوري يضع صورة الرئيس على الجدران لحماية منشأته. فالخطوة لا تعني الولاء بقدر ما هي وسيلة لاتقاء شرّ قد يحدث. والصورة تعني أن هذا المبنى "محميّ"، فلا يجرؤ عمال البلدية على هدمه تحت ذريعة "البناء العشوائي".
مع وراثة بشار الأسد للحكم بعد وفاة والده، تحوّلت هذه الممارسة إلى عرفٍ إداري مُلزم.
ولم تسلم دور العبادة من هذه الطقوس. ففي مطلع الألفية، نُقش اسم حافظ الأسد على مئذنة الجامع الأموي في دمشق، في سابقة لم تُعرف في تاريخ الإسلام، حيث دُمج الرمز الديني بالرمز السياسي.
كما طُبعت صورة الأسد الأب والابن على العملة الوطنية. فبينما حملت ورقة الألف ليرة كانت صورة حافظ، ظهر بشار على ورقة الألفي ليرة، ليجد كل مواطن نفسه وهو يحمل جزءا من آل الأسد في جيبه. كما سُمّيت الموانئ والطرق السريعة والمراكز التجارية الكبرى بأسماء العائلة، لدرجة أن بعض المواطنين كانوا يقولون إن سوريا لم تعد وطناً، بل سجلا عقاريا.
"الاستيلاء الرمزي" على ممتلكات الدولة
توضح الباحثة القانونية مايا حسين الخطيب، في حديثها لـ"يورونيوز"، أن هذا "الاستيلاء الرمزي" لم يكن خارج القانون، بل كان مدعوماً بثغرات تشريعية ممنهجة. فقانون الإدارة المحلية رقم 107 لعام 2011 منح المجالس التنفيذية سلطة تسمية الشوارع والمرافق دون رقابة قضائية كافية.
وتضيف الخطيب أن "هذه السلطة -المعروفة قانونياً بـ"السلطة التقديرية"- يمكن أن تكون أداة خير إذا استخدمتها مجالسُ نزيهة، لكنها تحولت إلى أداة ولاء حين غابت الضوابط."
الأدهى، كما تشرح مايا، أن "الدستور السوري لم يمنع تسمية المرافق بأسماء الأشخاص الأحياء، رغم أنه نصّ في المادة (8) على عدم تسخير المال العام لمصلحة فئوية. وهنا، يتدخل الاجتهاد القضائي الإداري الذي يفرض ضوابط: يجب أن يكون القرار "مصلحياً"، لا شخصياً، وإلا يُعدّ "إساءة لاستعمال السلطة".
وتؤكد الخطيب في حديثها لـ"يورونيوز"، أن أي مواطن أو جهة يمكنها الطعن أمام مجلس الدولة ضد قرار تسمية يعتبره هذا الشخص باطلا.
أما طباعة صورة الحاكم على العملة، فكانت تستند إلى مرسوم بموجب قانون النقد الأساسي رقم 23 لعام 2002. شكلياً، كان القرار "قانونياً". لكن جوهرياً، كان انتهاكاً لمبدأ حياد المال العام. والأهم، كما تشير مايا، أن العملة ملكية عامة، واستغلالُها للدعاية يُعدّ "هدراً سياسياً" للمال العام.
Related تحريك أول دعوى جنائية بحق شخصيات بارزة في نظام بشار الأسديتعلّم الروسية ويعود إلى شغفه القديم.. أسرار جديدة عن حياة بشار الأسد بعد إسقاط الحصانة: فرنسا تطلب مذكرة توقيف جديدة بحق بشار الأسد "الحق في اختيار الاسم"وتكشف الخطيب عن نقطة جوهرية: الاسم هو جزء من الحقوق الشخصية، وفق المادة 51 من القانون المدني السوري، التي تنص على أن "لكل مواطن الحق في الاعتراض على استعمال اسمه دون مبرر "أن يطلب وقف هذا الاعتداء". فإذا رفض شخص ما -حتى إن كان مسؤولاً- استخدام اسمه، فإن الإصرار على التسمية يُعد اعتداءً قانونياً.
وتتابع الخطيب: في حال تسبب القرار بضرر معنوي أو مادي، يحق للشخص المطالبة بالتعويض بموجب المسؤولية التقصيرية. وهذا ينطبق حتى على "التكريم العفوي" إذا تم دون موافقة. كما توضح أن التسمية ليست مجرد "قرار إداري"، بل قرار تنظيمي تترتب عليه آثار قانونية دائمة، ويختلف عن القرار الفردي المؤقت.
الاستيلاء الرمزي بوصفه جريمة ضد الهويةوتذهب مايا أبعد من هذا: إن تسمية "ثانوية دوما" باسم باسل الأسد ليست مجرد خطأ إداري، بل اغتصاب للذاكرة الجماعية. فالمدرسة ليست ملكاً للعائلة، بل فضاء تربوي جماعي. وتغيير الاسم يوحي وكأنّ آلاف الطلاب لم يعودوا ينتمون إلى منطقة دوما بل لشخص كان اسمه باسل الأسد.
وتشير الخطيب إلى أن قانون العقوبات السوري (المادة 723) يجرّم الاستيلاء غير المشروع على العقارات. وبالقياس، فإن "الاستيلاء الرمزي" هو اغتصاب "للهوية المعنوية" للملك العام. فعندما يُحوّل اسم مدرسة حكومية إلى اسم شخص، فإن ذلك يمثل استيلاءً على الذاكرة الجماعية لمصلحة عائلة واحدة.
التأثير النفسي: عقول تربّت على الخوف من التفكيرمن الناحية النفسية، توضح الاختصاصية غزل سميح لـ"يورونيوز"، أن الفرد الذي نشأ في بيئة تُقدّس الحاكم وتُجرّم التشكيك فيه يفقد قدرته على التفكير النقدي. وتضيف غزل: "ليس بسبب ضعف عقلي، بل لأن المصادر محدودة، والاحتياجات المعيشية تستنزف الطاقة العقلية".
وتشير غزل إلى أن هذا الفرد يُصاب بحساسية عالية تجاه الاختلاف، خوفاً من العقاب أو النبذ، ويفقد هويته الشخصية ليذوب في هوية جماعية مفروضة.
لكنها تؤكد: "نعم، يمكن لهذا الفرد أن يتعامل مع سلطة بشرية، بشرط أن يتعرض لبيئة تسمح بالنقاش وتقبل الاختلاف".
وتشرح غزل أن الآلية النفسية التي تدفع الناس إلى "فرض التمجيد" حتى على من يرفضه هي الاعتقاد أن "الإنسان يحتاج إلى الهوية الجمعية، والإحساس عنده يكون بأن تمجيد الحاكم يعني حماية الجماعة".
وتشدد على ضرورة "تشجيع الأفراد على التفكير النقدي دون شعور بالذنب أو التحامل"، و"فصل المشاعر عن العمل المؤسساتي بوصفه شرطاً لبناء دولة المواطنة".
الالتقاء: عندما يلتقي التحليل النفسي بالقانونيهنا، تلتقي رؤيتا غزل ومايا. فكما تشرح الأولى أن ضعف ثقة المواطن بالمؤسسات (القضاء، التعليم، الجيش) يدفعه إلى البحث عن "مرجع ثابت"، تؤكد الثانية أن غياب المؤسسات القوية سمح باستغلال السلطة التقديرية لخدمة العبادة.
وتتفق المتحدثتان في القول: كلما ازدادت شفافية المؤسسات ومهنيتها، تراجعت الحاجة النفسية والقانونية إلى شخصنة السلطة. فالمواطن لا يحتاج إلى "زعيم" إذا كان القضاء عادلاً، والتعليم نزيهاً، والجيش وطنياً.
السقوط والتحولمع سقوط النظام في 2024، خرج الناس يمزّقون صور الرئيس ويزيلون النصب التذكارية التي وضعت في كل شارع ويغيّرون الأسماء. ففي اللاذقية، غُيّر اسم "مطار اللاذقية الدولي" من "مطار باسل الأسد" إلى اسمه الجغرافي. وفي المحافظات، أُزيلت لافتات "ثانوية باسل الأسد للمتفوقين" وعُلّقت لافتة أخرى بأسماء ثانية، حتى مزارع الدواجن التي كانت تحمل صوراً آل الأسد قبل سنوات، أُزيلت عنها بسرعة، وكأنها شهادة عار.
وفي هذا السياق، وجّه الرئيس الانتقالي أحمد الشرع بعد تسلمه السلطة بعدم وضع صوره أو تسمية أي منشأة باسمه. لم يكن القرار تواضعاً، بل كان اعترافاً بأن الدولة ليست ملكاً لأحد.
العدالة الانتقالية: استرداد الهويةتقترح مايا الخطيب ما تسميها عدالة انتقالية رمزية؛ أي مراجعة شاملة لكل التسميات المفروضة خلال 50 عاماً، واستبدالها بأسماء رموز وطنية جامعة. وتقترح إنشاء "لجنة وطنية للرموز" تضم قضاة، ومؤرخين، ومواطنين، لضمان الحياد.
وتدعو غزل سميح إلى بناء مساحات آمنة للنقاش، ونشر ثقافة المواطنة عبر التعليم والإعلام، وتعزيز الثقة بالذات لدى الأفراد، ليتمكنوا من المطالبة بحقوقهم دون خوف.
من الرفض الشخصي إلى الحماية الدستوريةوتؤكد الباحثة القانونية مايا حسين الخطيب أن التحوّل الحقيقي لا يبدأ حين يرفض حاكمٌ ما وضع صورته، بل حين يُرسّخ هذا الرفض بوصفه قاعدة قانونية عامة ومجردة. ولهذا، تقترح أربع آليات متكاملة لحماية الملكية العامة من الاستيلاء الرمزي:
أولاً: حماية دستورية عبر إدراج نص صريح في الدستور الدائم ينص على أن "المؤسسات العامة ملكية وطنية محايدة، ويُحظر استغلالها لتمجيد الأفراد أو الأحزاب".
ثانياً: حماية جنائية من خلال تجريم استخدام المال العام في تمجيد الأفراد، واعتباره هدراً سياسياً يُعاقب عليه القانون.
ثالثاً: حماية إدارية بإلزام جميع الوحدات الإدارية بتسمية المرافق بأسماء جغرافية أو تاريخية محايدة، تجنّباً للانحياز الفئوي.
رابعاً: حماية قضائية بمنح المواطنين حق الطعن أمام القضاء لإزالة أي مظاهر تمجد الأفراد في الحيز العام، بعدّها انتهاكاً لمبدأ الحياد.
وتضيف الخطيب أن "هذه الآليات يجب أن تُفعّل عبر قانون العدالة الانتقالية الرمزية، الذي ينظّم مراجعة شاملة لكل التسميات والرموز الوطنية المفروضة خلال فترة الاستبداد، مع أولوية لتخليد ذكرى الضحايا".
وتشير إلى أن سوريا اليوم لا تحتاج فقط إلى "تغيير أسماء"، بل إلى "تغيير قوانين" تحمي الفضاء العام من أن يكون مجرد أداة في يد السلطة، ليعود فضاءً لكل السوريين، تتجسد فيه تضحياتهم وتاريخهم المشترك بعيداً عن تقديس الأفراد.
وتضيف الاختصاصية النفسية غزل سميح أن الحماية القانونية وحدها لا تكفي دون موازاة نفسية ومجتمعية. فلـ"فك ارتباط المواطن بالحاكم بوصفه رمزاً"، تدعو غزل إلى تعزيز الثقة بالذات لدى الأفراد، وتشجيعهم على إبداء الرأي والمطالبة بالحقوق دون شعور بالذنب.
كما تقول المتحدثة إن بناء دولة المواطنة يتطلب فصل المشاعر عن العمل المؤسساتي، ونشر ثقافة تقبل الاختلاف عبر التعليم والإعلام. وتشدّد على أن المؤسسات العادلة والفعّالة هي وحدها القادرة على استبدال الحاجة النفسية للزعيم، لأنها تمنح المواطن شعوراً حقيقياً بالانتماء للوطن وليس لشخص مهما علا شأنه.
انتقل إلى اختصارات الوصول شارك محادثة
المصدر
المصدر: euronews
كلمات دلالية: إيران غرينلاند الصراع الإسرائيلي الفلسطيني الحرب في أوكرانيا دونالد ترامب إسرائيل إيران غرينلاند إيران غرينلاند الصراع الإسرائيلي الفلسطيني الحرب في أوكرانيا دونالد ترامب إسرائيل إيران غرينلاند مدنيون التعديل الدستوري بشار الأسد سوريا أحمد الشرع إيران غرينلاند الصراع الإسرائيلي الفلسطيني الحرب في أوكرانيا دونالد ترامب إسرائيل فرنسا قطاع غزة الصحة غزة فضائح صوم شهر رمضان بشار الأسد الأسد الأب باسل الأسد حافظ الأسد
إقرأ أيضاً:
مشيخة الأزهر بين السلطة والمعارضة
يعود الخلاف بين المؤسسة الدينية ونظام السيسي مع مشروع قانون الأحوال الشخصية الذي يود السيسي إقراره، ورَبْطُ السيسي بالمشروع ليس من قبيل الإقحام، فهو الذي قال خلال فترة ترشحه للرئاسة عام 2014: "أنا مسؤول عن القيم والمبادئ والأخلاق والدين"، وهو الذي يريد فرض مسألة الطلاق الشفهي منذ عقد تقريبا، وهي مسألة دينية بحتة وشديدة الدقة يترتب عليها هدم منزل أو وضع شخصين في علاقة محرَّمة. ومعلوم أن السيسي لا يملك شيئا من المعرفة الدينية التي تؤهله للخوض في مسائل دينية بسيطة، فضلا عن مسألة بهذه الدقة وهذه الخطورة.
لكن الأهم من هذا الخلاف -الذي لن ينتهي ما بقي السيسي في الحكم- هو طريقة التعامل مع الأزهر من أركان النظام السياسي من جانب، والمعارضين للنظام من جانب آخر، إذ الأهم دائما وضع القواعد التي تنبني عليها المواقف الآنِيَّة واللاحقة، لا مجرد التفوق أو التراجع في المواقف الآنية، وللأسف يسعى نظام السيسي إلى تدمير أحد أهم مصادر القوة في مصر بالإصرار على بسط السيطرة على الأزهر، حتى في الجوانب التعبدية لا الإطار السياسي العام، وكذلك تسعى المعارضة إلى تحقيق مكسب بإظهار أن هناك معارضة داخلية للنظام السياسي، الأمر الذي يُضعف من موقف الشيخ الطيب، والمؤسسة في دولة قمعية ستستغل هذه الدعاية قطعا للضغط وتصوير الشيخ والمؤسسة في وضع يُحرج النظام السياسي.
دخل شيخ الأزهر في عدة معارك بعضها معلن والآخر في الأروقة المغلقة، لكن ضجيج الخلاف نَفَذَ إلى الجوار.
من الخلافات العلنية، رفْض شيخ الأزهر عمليات القمع والقتل منذ مذبحة الحرس الجمهوري في تموز/يوليو 2013، وما تبع ذلك من عمليات دموية وإجرامية، وفي الأروقة المغلقة طُولِب شيخ الأزهر بإخراج الراحل الشيخ يوسف القرضاوي من هيئة كبار العلماء، ومن جملة الذرائع المساقَة لتبرير الموقف، انتقاصه من شيخ الأزهر، لكن الشيخ "الطَّيِّب" رفض ذلك إلى أن استقال الشيخ القرضاوي بنفسه.
ثم وقف شيخ الأزهر موقفا صلبا في عدم وضع اسم جماعة الإخوان المسلمين في بيانات الأزهر الرسمية، كما رفض إصدار فتوى بتكفير المنتسبين إلى تنظيم داعش، وكان الشيخ عباس شومان -وكيل المشيخة حينها- يقول: "إنهم مجرمون ويجب قتالهم"، وهو موقف يفرِّق فيه الأزهر بين الجريمة والمعتَقَد، وأن باب التكفير يجب إغلاقه على الجميع، لا فتْحه للسلطة وإغلاقه أمام غيرها.
كذلك، طولِب الشيخ باستبعاد الراحل د. محمد عمارة من رئاسة تحرير مجلة الأزهر، ورفَضَ ذلك، إلى أن استقال د. عمارة لرفع الحرج عن الشيخ، وكذلك طولِب الشيخ باستبعاد الشيخ عباس شومان من منصبه، والشيخ حسن الشافعي من منصب كبير مستشاري شيخ الأزهر، والقاضي المستشار محمد عبد السلام الذي كان مستشارا للشيخ، وشارك في كتابة الدستور المصري في اللجنة التأسيسية لكتابة الدستور المصري وتعديله عاميْ 2012 و2013 وشارك في صياغة عدد من وثائق الأزهر الشريف في الفترة ما بين 2011 و2018، وهي الوثائق التي أَعْلَتْ من شأن الحريات وتطلعات الشعوب نحو الحرية، ورغم الضغوط المتوالية رفض الشيخ الطيب هذه الطلبات كلها. ثم جاء الصدام العلني الأقوى والأبرز في مسألتيْ: الطلاق الشفهي، وتعديل مشروع قانون الأوقاف.
في مسألة الطلاق الشفهي، تحدث السيسي، في أثناء الاحتفال بعيد الشرطة في 24 كانون الثاني/ يناير 2016، عن تزايد حالات الطلاق، فاقترح منع الطلاق الشفهي وحصْر الطلاق في الحالات الموثقة فقط، ثم توجَّه، باقتراحه ذلك إلى شيخ الأزهر على الهواء، ثم قال له: "تعبتني يا فضيلة الإمام". وبعد أكثر من عام من صمت الأزهر العلني عن المسألة، ورَفْضِه لها في الغرف المغلقة، اضطُر الأزهر لإصدار بيان بعنوان "بيان للناس"، وهذا العنوان نادر الصدور عن المشيخة، ولا يصدر إلا في الأمور الكبرى، فـ"هيئة كبار العلماء في الأزهر الشريف هي المرجعية العلمية العليا المسؤولة عن البت في المسائل الدينية، والقضايا الاجتماعية ذات الطابع الأخلاقي التي تواجه العالم والمجتمع المصري، وكذا البت في المسائل المستجدة في حياة الناس على أساس شرعي"، كما يقول أمينها العام الحالي الشيخ عباس شومان.
أصدر الأزهر بيانه القاسي يوم 8 من جمادى الأولى 1438هـ الموافق 5 من شباط/ فبراير 2017م، وجاء فيه: "وترى هيئة كبار العلماء أنَّ ظاهرةَ شيوع الطلاق لا يقضي عليها اشتراط الإشهاد أو التوثيق، لأن الزوجَ المستخفَّ بأمر الطلاق لا يُعيِيه أن يذهب للمأذون أو القاضي لتوثيق طلاقه (..) وأنَّ العلاج الصحيح لهذه الظاهرة يكون في رعاية الشباب وحمايتهم من المخدرات بكلِّ أنواعها، وتثقيفهم عن طريق أجهزة الإعلام المختلفة، والفن الهادف".
وفي إشارة نبيهة، اختتُم البيان بقولهم: "وتتمنَّى هيئةُ كبار العلماء على مَن يتساهلون في فتاوى الطلاق، على خلاف إجماع الفقهاء وما استقرَّ عليه المسلمون، أن يُؤدُّوا الأمانةَ في تَبلِيغ أحكامِ الشريعةِ على وَجهِها الصحيح، وأن يَصرِفوا جُهودَهم إلى ما ينفعُ الناس ويُسهم في حل مشكلاتهم على أرض الواقع؛ فليس الناس الآن في حاجةٍ إلى تغيير أحكام الطلاق، بقدر ما هم في حاجةٍ إلى البحث عن وسائل تُيسِّرُ سُبُلَ العيش الكريم". والجملة الأخيرة في غاية الأهمية.
انتهت هذه المرحلة بتربّص نظام السيسي بالمشيخة، فخرجت تسريبات تؤكد تغيير المواد المتعلقة بالأزهر في الدستور، قبيل التعديلات الدستورية عام 2019، وطُرحت المواد المقتَرَح تعديلها في الإعلام المصري، دون إعلان رسمي، لكن معلوم أن الإعلام المصري لا يتحرك إلا وفق تعليمات، وبانضباط شديد لا يتجاوز النصوص المرسَلَة من الجهات الأمنية. وفي النهاية لم تُدرَج مواد الأزهر في مشروع الدستور، ولم تكن هناك معلومة واضحة عن سبب سحب المواد من مشروع التعديل.
لم تتوقف محاولات تقييد الأزهر، فاقترح مجلس النواب عام 2020 تشريعا تصبح وفْقَهُ تبعية دار الإفتاء لوزارة العدل المصرية لا الأزهر الشريف، ورغم رفض الأزهر للمشروع، قرر المجلس مناقشة التشريع، فأرسل الشيخ الطيب ليلة المناقشة خطابا إلى المجلس يطلب فيه حضور المناقشة، ليضطر المجلس إلى سحب المشروع.
ثم أعاد السيسي قضية الطلاق الشفهي إلى الواجهة في احتفالية الأسرة المصرية آذار/ مارس 2023، فأعلن بنفسه عن إفتاء ديني، ولم يُرضِه قول "هيئة كبار العلماء"، أي أكبر وأنبه علماء الديار المصرية من مختلف المذاهب الفقهية، ثم انبرى في جرأة فاجعة بقوله: "إن كان في المسألة [عدم الاعتداد إلَّا بالطلاق الموثَّق] إثم فأنا من يتحمله". وكتب صاحب هذه السطور -وقتها- أن كلامه "يُشبه في حُمقه قول المشركين للنبي "اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك، فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم". والتشبيه هنا في الحماقة فقط لا في الإيمان والكفر؛ فهم إن كانوا ذوي عقل لقالوا: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك "فاهدنا"، لكنهم طلبوا العذاب فنالوه، ومثلهم هذا الذي يُعارض قول كبار العلماء ثم يقول بجرأة: "أنا أحمل الإثم"، فلْيَنَلْه بجرأته وذهاب عقله".
الآن تتجدد محاولات النظام السياسي تجاهل الأزهر، أو تحجيم دوره القانوني والدستوري والديني أيضا، على خلفية مقترح مشروع الأحوال الشخصية. ومعلوم أن مسألة الأحوال الشخصية تخضع للتشريعات الدينية، وهو ما فعله النظام المصري في مسألة الأحوال الشخصية للمسيحيين، فعَرَضَ المشروع على الكنائس، وهذا حق طبيعي وليس منَّة من أي طرف، أما أحوال المسلمين الشخصية، فلم يعرض النظام على الأزهر مشروع القانون، وفق بيان الأزهر الرسمي 18 أيار/ مايو الجاري!
في مقابل هذا السلوك، نجد المعارضة المصرية منشغلة بنفخ النيران الإعلامية، ووضْعِ الأزهر في موقع المعادي للنظام السياسي، والحقيقة أن الأزهر لا يريد أن يقف موقف المعارضة من النظام السياسي ولا المؤيِّد له، بل كل ما يريده ويتغيَّاه أن يحفظ على المسلمين دينهم وعبادتهم، لكن للأسف تنشغل المعارضة بتحقيق مكسب "إعلامي" على حساب المكسب الحقيقي المتعلق بمصلحة المجتمع في أن تحفظ المؤسسة عليه دينه. ويجدر التأكيد بأنه مكسب إعلامي، إذ إن تبعات الخلاف لن تُسقط النظام السياسي، بل ربما تُسقط المؤسسة وشيخها أمام ضربات النظام القمعية، وآنَ للمعارضة أن تتوقف عن دور لا يُستبعَد وصفُه بالمشبوه، والرغبةِ في تصفية الحسابات نتيجة حضور الشيخ الطيب بيان الانقلاب في تموز/ يوليو 2013، ورغم ما يمكن قوله في الواقعة وما ارتبط بها وما لحقها من مواقف أخرى، فإن المحصِّلة أن الشيخ جانبَه الصواب في هذا الموقف، لكن ما يعني المهتمِّين بالمسألة الدينية ألا ينهدم دور الأزهر نتيجة الرغبة في تصفية الحسابات، أو تحقيق مكسب لن يكون له أثر في الواقع المصري إلا بالسَّلْب فقط.
من هنا يتجدد النداء لجميع الأطراف بأن ترفع أيديها عن الأزهر، وتتركه مؤسسة جامعة للأمة كلها، لا للمصريين فقط، بل للأمة كلها بجميع طوائفها المذهبية والدينية أيضا.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.