طُبعت صورة الأسد الأب والابن على العملة الوطنية. فبينما حملت ورقة الألف ليرة صورة حافظ، ظهر بشار على ورقة الألفي ليرة. كما سُمّيت الموانئ والطرق السريعة والمراكز التجارية الكبرى بأسماء آل الأسد، لدرجة أن بعض المواطنين كانوا يقولون إن سوريا لم تعد وطناً، بل سجلا عقاريا.

منذ سيطرة حزب البعث على السلطة في سوريا واستلام حافظ الأسد زمام الرئاسة عام 1970، بدأ الأسد الأب يعمل على خطة محكمة لترسيخ وجوده إلى الأبد.

اعلان اعلان

لم تقتصر الهيمنة على المؤسسات الأمنية، بل امتدت إلى الكتب المدرسية والمؤسسات التعليمية التي كانت تدرّس مادة التوجيه السياسي الإلزامي التي تتحدث عن "إنجازات" الحاكم. وفي طابور الصباح، كان التلاميذ يهتفون بحياة الرئيس عبر ترديد شعار"قائدنا إلى الأبد الأمين حافظ الأسد".

بدأ حافظ الأسد منذ سبعينيات القرن الماضي، بتملك مفاصل الدولة رمزياً ومادياً عبر استخدام استراتيجية ممنهجة باستغلال الثغرات القانونية لتنظيم الفضاء العام الذي تحول إلى ملك شخصي أو كاد. فكل مؤسسة حكومية ــ مهما كانت صغيرةــ أصبح تحمل اسمه.

في الثمانينيات، ظهرت مدارس تحمل اسم الأسد الأب في كل محافظة. وفي التسعينيات، توسّع الأمر ليشمل مطارات ومستشفيات، وحتى مزارع الدجاج في الريف السوري، حيث كان مربي الدواجن السوري يضع صورة الرئيس على الجدران لحماية منشأته. فالخطوة لا تعني الولاء بقدر ما هي وسيلة لاتقاء شرّ قد يحدث. والصورة تعني أن هذا المبنى "محميّ"، فلا يجرؤ عمال البلدية على هدمه تحت ذريعة "البناء العشوائي".

كتاب عليه صورة الرئيس الراحل السوري حافظ الأسد AP Photo

مع وراثة بشار الأسد للحكم بعد وفاة والده، تحوّلت هذه الممارسة إلى عرفٍ إداري مُلزم.

ولم تسلم دور العبادة من هذه الطقوس. ففي مطلع الألفية، نُقش اسم حافظ الأسد على مئذنة الجامع الأموي في دمشق، في سابقة لم تُعرف في تاريخ الإسلام، حيث دُمج الرمز الديني بالرمز السياسي.

كما طُبعت صورة الأسد الأب والابن على العملة الوطنية. فبينما حملت ورقة الألف ليرة كانت صورة حافظ، ظهر بشار على ورقة الألفي ليرة، ليجد كل مواطن نفسه وهو يحمل جزءا من آل الأسد في جيبه. كما سُمّيت الموانئ والطرق السريعة والمراكز التجارية الكبرى بأسماء العائلة، لدرجة أن بعض المواطنين كانوا يقولون إن سوريا لم تعد وطناً، بل سجلا عقاريا.

صورة للعملة الوطنية السورية عليها صورة حافظ الأسد بقيمة 1000 ليرة سورية والثانية تحمل صورة ابنه بشار قيمة 2000 ليرة يورونيوز

"الاستيلاء الرمزي" على ممتلكات الدولة

توضح الباحثة القانونية مايا حسين الخطيب، في حديثها لـ"يورونيوز"، أن هذا "الاستيلاء الرمزي" لم يكن خارج القانون، بل كان مدعوماً بثغرات تشريعية ممنهجة. فقانون الإدارة المحلية رقم 107 لعام 2011 منح المجالس التنفيذية سلطة تسمية الشوارع والمرافق دون رقابة قضائية كافية.

وتضيف الخطيب أن "هذه السلطة -المعروفة قانونياً بـ"السلطة التقديرية"- يمكن أن تكون أداة خير إذا استخدمتها مجالسُ نزيهة، لكنها تحولت إلى أداة ولاء حين غابت الضوابط."

الأدهى، كما تشرح مايا، أن "الدستور السوري لم يمنع تسمية المرافق بأسماء الأشخاص الأحياء، رغم أنه نصّ في المادة (8) على عدم تسخير المال العام لمصلحة فئوية. وهنا، يتدخل الاجتهاد القضائي الإداري الذي يفرض ضوابط: يجب أن يكون القرار "مصلحياً"، لا شخصياً، وإلا يُعدّ "إساءة لاستعمال السلطة".

وتؤكد الخطيب في حديثها لـ"يورونيوز"، أن أي مواطن أو جهة يمكنها الطعن أمام مجلس الدولة ضد قرار تسمية يعتبره هذا الشخص باطلا.

أما طباعة صورة الحاكم على العملة، فكانت تستند إلى مرسوم بموجب قانون النقد الأساسي رقم 23 لعام 2002. شكلياً، كان القرار "قانونياً". لكن جوهرياً، كان انتهاكاً لمبدأ حياد المال العام. والأهم، كما تشير مايا، أن العملة ملكية عامة، واستغلالُها للدعاية يُعدّ "هدراً سياسياً" للمال العام.

Related تحريك أول دعوى جنائية بحق شخصيات بارزة في نظام بشار الأسديتعلّم الروسية ويعود إلى شغفه القديم.. أسرار جديدة عن حياة بشار الأسد بعد إسقاط الحصانة: فرنسا تطلب مذكرة توقيف جديدة بحق بشار الأسد "الحق في اختيار الاسم"

وتكشف الخطيب عن نقطة جوهرية: الاسم هو جزء من الحقوق الشخصية، وفق المادة 51 من القانون المدني السوري، التي تنص على أن "لكل مواطن الحق في الاعتراض على استعمال اسمه دون مبرر "أن يطلب وقف هذا الاعتداء". فإذا رفض شخص ما -حتى إن كان مسؤولاً- استخدام اسمه، فإن الإصرار على التسمية يُعد اعتداءً قانونياً.

وتتابع الخطيب: في حال تسبب القرار بضرر معنوي أو مادي، يحق للشخص المطالبة بالتعويض بموجب المسؤولية التقصيرية. وهذا ينطبق حتى على "التكريم العفوي" إذا تم دون موافقة. كما توضح أن التسمية ليست مجرد "قرار إداري"، بل قرار تنظيمي تترتب عليه آثار قانونية دائمة، ويختلف عن القرار الفردي المؤقت.

الاستيلاء الرمزي بوصفه جريمة ضد الهوية

وتذهب مايا أبعد من هذا: إن تسمية "ثانوية دوما" باسم باسل الأسد ليست مجرد خطأ إداري، بل اغتصاب للذاكرة الجماعية. فالمدرسة ليست ملكاً للعائلة، بل فضاء تربوي جماعي. وتغيير الاسم يوحي وكأنّ آلاف الطلاب لم يعودوا ينتمون إلى منطقة دوما بل لشخص كان اسمه باسل الأسد.

وتشير الخطيب إلى أن قانون العقوبات السوري (المادة 723) يجرّم الاستيلاء غير المشروع على العقارات. وبالقياس، فإن "الاستيلاء الرمزي" هو اغتصاب "للهوية المعنوية" للملك العام. فعندما يُحوّل اسم مدرسة حكومية إلى اسم شخص، فإن ذلك يمثل استيلاءً على الذاكرة الجماعية لمصلحة عائلة واحدة.

التأثير النفسي: عقول تربّت على الخوف من التفكير

من الناحية النفسية، توضح الاختصاصية غزل سميح لـ"يورونيوز"، أن الفرد الذي نشأ في بيئة تُقدّس الحاكم وتُجرّم التشكيك فيه يفقد قدرته على التفكير النقدي. وتضيف غزل: "ليس بسبب ضعف عقلي، بل لأن المصادر محدودة، والاحتياجات المعيشية تستنزف الطاقة العقلية".

وتشير غزل إلى أن هذا الفرد يُصاب بحساسية عالية تجاه الاختلاف، خوفاً من العقاب أو النبذ، ويفقد هويته الشخصية ليذوب في هوية جماعية مفروضة.

لكنها تؤكد: "نعم، يمكن لهذا الفرد أن يتعامل مع سلطة بشرية، بشرط أن يتعرض لبيئة تسمح بالنقاش وتقبل الاختلاف".

وتشرح غزل أن الآلية النفسية التي تدفع الناس إلى "فرض التمجيد" حتى على من يرفضه هي الاعتقاد أن "الإنسان يحتاج إلى الهوية الجمعية، والإحساس عنده يكون بأن تمجيد الحاكم يعني حماية الجماعة".

وتشدد على ضرورة "تشجيع الأفراد على التفكير النقدي دون شعور بالذنب أو التحامل"، و"فصل المشاعر عن العمل المؤسساتي بوصفه شرطاً لبناء دولة المواطنة".

الالتقاء: عندما يلتقي التحليل النفسي بالقانوني

هنا، تلتقي رؤيتا غزل ومايا. فكما تشرح الأولى أن ضعف ثقة المواطن بالمؤسسات (القضاء، التعليم، الجيش) يدفعه إلى البحث عن "مرجع ثابت"، تؤكد الثانية أن غياب المؤسسات القوية سمح باستغلال السلطة التقديرية لخدمة العبادة.

وتتفق المتحدثتان في القول: كلما ازدادت شفافية المؤسسات ومهنيتها، تراجعت الحاجة النفسية والقانونية إلى شخصنة السلطة. فالمواطن لا يحتاج إلى "زعيم" إذا كان القضاء عادلاً، والتعليم نزيهاً، والجيش وطنياً.

السقوط والتحول

مع سقوط النظام في 2024، خرج الناس يمزّقون صور الرئيس ويزيلون النصب التذكارية التي وضعت في كل شارع ويغيّرون الأسماء. ففي اللاذقية، غُيّر اسم "مطار اللاذقية الدولي" من "مطار باسل الأسد" إلى اسمه الجغرافي. وفي المحافظات، أُزيلت لافتات "ثانوية باسل الأسد للمتفوقين" وعُلّقت لافتة أخرى بأسماء ثانية، حتى مزارع الدواجن التي كانت تحمل صوراً آل الأسد قبل سنوات، أُزيلت عنها بسرعة، وكأنها شهادة عار.

وفي هذا السياق، وجّه الرئيس الانتقالي أحمد الشرع بعد تسلمه السلطة بعدم وضع صوره أو تسمية أي منشأة باسمه. لم يكن القرار تواضعاً، بل كان اعترافاً بأن الدولة ليست ملكاً لأحد.

العدالة الانتقالية: استرداد الهوية

تقترح مايا الخطيب ما تسميها عدالة انتقالية رمزية؛ أي مراجعة شاملة لكل التسميات المفروضة خلال 50 عاماً، واستبدالها بأسماء رموز وطنية جامعة. وتقترح إنشاء "لجنة وطنية للرموز" تضم قضاة، ومؤرخين، ومواطنين، لضمان الحياد.

وتدعو غزل سميح إلى بناء مساحات آمنة للنقاش، ونشر ثقافة المواطنة عبر التعليم والإعلام، وتعزيز الثقة بالذات لدى الأفراد، ليتمكنوا من المطالبة بحقوقهم دون خوف.

من الرفض الشخصي إلى الحماية الدستورية

وتؤكد الباحثة القانونية مايا حسين الخطيب أن التحوّل الحقيقي لا يبدأ حين يرفض حاكمٌ ما وضع صورته، بل حين يُرسّخ هذا الرفض بوصفه قاعدة قانونية عامة ومجردة. ولهذا، تقترح أربع آليات متكاملة لحماية الملكية العامة من الاستيلاء الرمزي:

أولاً: حماية دستورية عبر إدراج نص صريح في الدستور الدائم ينص على أن "المؤسسات العامة ملكية وطنية محايدة، ويُحظر استغلالها لتمجيد الأفراد أو الأحزاب".

ثانياً: حماية جنائية من خلال تجريم استخدام المال العام في تمجيد الأفراد، واعتباره هدراً سياسياً يُعاقب عليه القانون.

ثالثاً: حماية إدارية بإلزام جميع الوحدات الإدارية بتسمية المرافق بأسماء جغرافية أو تاريخية محايدة، تجنّباً للانحياز الفئوي.

رابعاً: حماية قضائية بمنح المواطنين حق الطعن أمام القضاء لإزالة أي مظاهر تمجد الأفراد في الحيز العام، بعدّها انتهاكاً لمبدأ الحياد.

تدمير تمثال للرئيس السوري الراحل حافظ الأسد في دير عطية، سوريا، في 5 يناير 2025، بعد أن أطاح به هجوم للمتمردين من السلطة في ديسمبر. AP Photo

وتضيف الخطيب أن "هذه الآليات يجب أن تُفعّل عبر قانون العدالة الانتقالية الرمزية، الذي ينظّم مراجعة شاملة لكل التسميات والرموز الوطنية المفروضة خلال فترة الاستبداد، مع أولوية لتخليد ذكرى الضحايا".

وتشير إلى أن سوريا اليوم لا تحتاج فقط إلى "تغيير أسماء"، بل إلى "تغيير قوانين" تحمي الفضاء العام من أن يكون مجرد أداة في يد السلطة، ليعود فضاءً لكل السوريين، تتجسد فيه تضحياتهم وتاريخهم المشترك بعيداً عن تقديس الأفراد.

وتضيف الاختصاصية النفسية غزل سميح أن الحماية القانونية وحدها لا تكفي دون موازاة نفسية ومجتمعية. فلـ"فك ارتباط المواطن بالحاكم بوصفه رمزاً"، تدعو غزل إلى تعزيز الثقة بالذات لدى الأفراد، وتشجيعهم على إبداء الرأي والمطالبة بالحقوق دون شعور بالذنب.

كما تقول المتحدثة إن بناء دولة المواطنة يتطلب فصل المشاعر عن العمل المؤسساتي، ونشر ثقافة تقبل الاختلاف عبر التعليم والإعلام. وتشدّد على أن المؤسسات العادلة والفعّالة هي وحدها القادرة على استبدال الحاجة النفسية للزعيم، لأنها تمنح المواطن شعوراً حقيقياً بالانتماء للوطن وليس لشخص مهما علا شأنه.

انتقل إلى اختصارات الوصول شارك محادثة

المصدر

المصدر: euronews

كلمات دلالية: إيران غرينلاند الصراع الإسرائيلي الفلسطيني الحرب في أوكرانيا دونالد ترامب إسرائيل إيران غرينلاند إيران غرينلاند الصراع الإسرائيلي الفلسطيني الحرب في أوكرانيا دونالد ترامب إسرائيل إيران غرينلاند مدنيون التعديل الدستوري بشار الأسد سوريا أحمد الشرع إيران غرينلاند الصراع الإسرائيلي الفلسطيني الحرب في أوكرانيا دونالد ترامب إسرائيل فرنسا قطاع غزة الصحة غزة فضائح صوم شهر رمضان بشار الأسد الأسد الأب باسل الأسد حافظ الأسد

إقرأ أيضاً:

تعليقاً على حوار نصر طه مصطفى: حين تروي السلطة قصة انهيار “الدولة”

*محمد اللطيفي

في كتابه “ما التاريخ “، يرى المؤرخ البريطاني إدوارد هاليت كار، أن دراسة التاريخ لا تبدأ بالوقائع وحدها، بل بمن يرويها. فالروايات، مهما بدت متماسكة وموضوعية، تحمل دائما شيئا من أصحابها، بقدر ما تحمل من حقائق الماضي.
ولهذا، لا تبدو قيمة الحوارات التي تُجرى مع مسؤولين من داخل السلطة في كونها تفصح عن وقائع جديدة مرتبطة بانهيار مسار بناء الدولة اليمنية، بقدر ما تكشف كيف أصبحت النخبة السياسية نفسها تروي حكاية هذا الانهيار. فليست المشكلة في قدرتها على تفسير أسبابه، فهذه خطوة لا يجوز التقليل من أهميتها. بل المشكلة في التردد في تسمية المسؤولية السياسية عن صناعته.
هذه هي الفكرة التي فرضت نفسها وأنا أتابع الحوار المطول، الذي أجراه الزميل أسامة عادل مع مستشار رئيس مجلس القيادة الرئاسي نصر طه مصطفى في برنامج #اليمن_بودكاست. فالرجل لا يتهرب من الاعتراف بأسباب انهيار الدولة؛ وهذه شجاعة تحسب له، بل يعرض سردية سياسية متماسكة نسبيا، تبدأ من ضعف التنمية، وهشاشة المؤسسات، وتمر عند الفرص السياسية التي أهدرت، وصولا إلى انقلاب مليشيا الحوثي على السلطة التوافقية (2014).
أهمية هذه السردية؛ التي وثقها اليمن بودكاست، لا تكمن فقط فيما تقوله، بل أيضا في الأثر الذي تتركه خارج إطار السياسة. فقيمة الشهادات السياسية ليست فيما تضيفه إلى سجل الوقائع، بل في ما تكشفه عن الطريقة التي تفهم بها النخب تاريخها.
كمثال؛ القول بأن ضعف التنمية أحد الأسباب الرئيسة للأزمة اليمنية، ذلك صحيح. إلا أن التنمية ليست قوة تعمل خارج مجال القرارات السياسة، بل هي نتيجة مباشرة لأولويات السلطات الحاكمة وفلسفة رؤيتها للحكم. وحين يقال إن المؤسسات الرسمية كانت هشة، ذلك صحيح أيضا، غير أن هذه الهشاشة لم تنشأ من تلقاء نفسها، بل كانت حصيلة خيارات سياسية طويلة الأمد، أديرت بها التوازنات وشبكات النفوذ على حساب بناء المؤسسات السيادية، وقدمت بها حسابات السلطة على مبادئ الدولة.
هل كان ذلك الضعف وتلك الهشاشة قدرا لا يمكن الفكاك منه أو مقاومة تداعياته؟ لمعرفة الإجابة يمكن تأمل محطات عدة مثلت فرصا لتجاوز اليمن أزمتها المستعصية مع الحكم والسلطة.
فبعد حرب صيف (1994)، امتلكت السلطة الحاكمة إمكانية إعادة بناء الدولة على أسس دستورية راسخة. وكانت السلطة التنفيذية في اليمن بعد الانتخابات البرلمانية (1997) أكثر استقرارا من أي وقت مضى. فيما حظيت العملية السياسية الناتجة عن #المبادرة_الخليجية (2011)، بإجماع إقليمي ودولي نادر. بينما قدم مؤتمر الحوار الوطني (2013–2014) تصورا متكاملا لشكل الدولة الجديدة، وأنجز مسودة دستور جديد لليمن.
يستحضر نصر طه؛ وهو صحفي شهير وسياسي بارز، هذه المحطات بوصفها فرصا ضائعة، وهو توصيف يصعب الاعتراض عليه. لكن ما تم نسيانه أن الفرص لا تهدر من تلقاء نفسها. فخلف هذا الضياع قرارات سياسية متهورة، وخلل في الأولويات، ونخب أساءت استخدام السلطة، وأحزاب معارضة فشلت في تقديم البديل. ولذلك، فإن تحويل تلك المحطات إلى مجرد “فرص ضائعة” يبقي الرواية ناقصة، ما لم يقترن بسؤال أكثر إلحاحا: من الذي أضاعها؟ ولماذا؟
يبقى حديث المستشار الرئاسي عن مؤتمر الحوار الوطني، ذو أهمية. فالنظر إليه باعتباره آخر مشروع سياسي متكامل لإنقاذ الدولة، يجد ما يدعمه في كثير من الوقائع. غير أن انقلاب #مليشيا_الحوثي، لم يسقط وثيقة سياسية فحسب، بل استهدف فكرة الدولة الجمهورية نفسها. وعليه لا يجوز هنا وضع #الحوثيين في سلة واحدة تضم الأزمات اليمنية، فهم ليسوا أزمة إضافية، هم مشروع متكامل عقائدي وعسكري وسياسي، يحمل فلسفة خاصة مناهضة لنظام اليمن الجمهوري تعيد تعريف السلطة وشرعيتها. ولهذا، فإن التعامل معهم باعتبارهم مجرد نتيجة يوضح جزءا من الصورة لكنه لا يفسر طبيعة المشروع السلالي الذي نقل الصراع من التنافس على إدارة الدولة إلى النزاع حول هويتها الدستورية ومركزها القانوني.

الأهم، أن الفرصة الحقيقية والثمينة التي أضاعتها النخب الحاكمة، هي مرحلة ما بعد الانقلاب. فمنذ انطلاق عاصفة الحزم العربية بقيادة #السعودية (نهاية مارس 2015)، حظيت الشرعية باعتراف سياسي واسع ودعم إقليمي ودولي كبير، لكن النخب الممثلة لتلك الشرعية لم تستطع تحويل ذلك الاعتراف إلى مشروع وطني متماسك لاستعادة الدولة. وبدلا من توحيد الصفوف لمواجهة المشروع الحوثي، ظلت الخلافات داخل معسكر الشرعية هي السمة المتسيدة والتي ساهمت في تعدد مراكز القرار، وذلك كله أعاق تحويل الشرعية القانونية إلى شرعية أداء، أو تحويل الدعم الخارجي إلى مؤسسات دولة فاعلة.
ولعل اللافت أن هذه ليست المرة الأولى التي تفرض فيها حوارات مع مسؤولين من داخل السلطة هذا النوع من الأسئلة.

ففي حوار سابق مع وزير الثقافة مطيع دماج، بدا واضحا أن جزءا معتبرا من النخبة السياسية أصبح يدرك طبيعة المشروع الحوثي، بوصفه مشروعا منظما يستهدف الدولة الجمهورية، مقرا، في الوقت نفسه، بعجز الشرعية عن تحويل هذا الإدراك إلى مشروع وطني قادر على هزيمته. ليضيف حوار نصر طه مصطفى بعدا آخر للصورة؛ إذ تبدو النخبة أكثر قدرة على تفسير أسباب انهيار الدولة، لكنها ما تزال أقل استعدادا للانتقال من تفسير الفشل إلى مساءلة الخيارات السياسية التي قادت إليه.
الشهادات السياسية اليمنية التي تشرح أسباب انهيار الدولة أصبحت أكثر حضورا من أي وقت مضى، وبتقديري هذه خطوة مهمة، لكن الأكثر أهمية منها هو امتلاك النخبة السياسية الشجاعة للاعتراف بالأخطاء التي ارتكبت وساهمت بالبلاد للوصول إلى ذلك الانهيار، وهو الاعتراف الذي لا يزال يقال بحذر، أو يؤجل، أو يخفف باللغة. فالروايات تبقي ذاكرة الشعوب حية، لكن الاعتراف بالمسؤولية بداية حقيقية لإصلاح مستقبل الدول، وهو ما يحتاج شجاعة تجعل الأشياء تسمى بأسمائها.

ما يمكن تأكيده أن هشاشة المؤسسات ليست قدرا يمنيا، كما لم يكن ضعف التنمية لعنة جغرافيا. حيث امتلكت اليمن، في أكثر من محطة، موارد وشرعية داخلية ودعم خارجي كانت تسمح ببناء مؤسسات حقيقية. لكن النخب الحاكمة فضلت إدارة موازين القوى على بناء الدولة، وشبكات الولاء على ترسيخ حكم المؤسسات. لذا بقيت الدولة قائمة شكليا بينما كانت قدرتها على الصمود تتأكل تدريجيا. ولعل السؤال الذي سيبقى مفتوحا ليس: كيف انهارت الدولة؟ فالإجابات عنه أضحت معروفة إلى حد كبير. السؤال الأصعب هو: كيف ستختار النخبة السياسية أن يكتب التاريخ قصة الانهيار اليمني… وحكاية دورها فيه؟.

*كاتب صحفي يمني

مقالات مشابهة

  • ملك أحمد زاهر عن صورة المستشفى: قديمة.. وأنا الحمد لله بخير| فيديو خاص
  • برج الأسد | حظك اليوم الجمعة 24 يوليو 2026.. إبراز مواهبك
  • برج الميزان| حظك اليوم الجمعة 24 يوليو 2026.. حافظ على هدوئك
  • جمال حمزة: مدرب الزمالك الجديد في ورطة.. والضغوطات أثرت على زيزو
  • بعد احتجاجات حمص.. حسام جنيد يعتذر عن دعم الأسد
  • تعليقاً على حوار نصر طه مصطفى: حين تروي السلطة قصة انهيار “الدولة”
  • شرطة تلمسان تحجز مبلغًا ماليًا مزورًا من العملة الوطنية
  • توقيف أحد أخطر المحتالين في لبنان.. هكذا أوقع عدداً من الرهبان والراهبات ضحية أعماله (صورة)
  • كيف تؤثر مكيفات الهواء على أعضاء الجسم
  • تفسير رؤية الأسد في المنام.. قوة ورزق أم تحذير من الأعداء؟