21 فبراير، 2026

بغداد/المسلة: في ظل استمرار الجمود السياسي الذي يعصف بالعراق، وتعثر جهود تشكيل حكومة مستقرة بسبب الخلافات الحادة حول مناصب رئاسة الوزراء والجمهورية وتوزيع المناصب العليا في الدولة، جدد التيار الصدري التأكيد على موقفه الرسمي بالمقاطعة الشاملة للعملية السياسية، مشدداً على عدم تورطه بأي شكل من الأشكال في الأزمة الحالية.

وأفاد مصدر مسؤول داخل التيار الصدري، في تصريح  بأن موقف التيار “يبقى ثابتاً كما أُعلن سابقاً: مقاطعة سياسية شاملة، وعدم المشاركة في أي حوارات أو تفاهمات أو اتصالات سياسية مع أي طرف”.

وأرجع المصدر هذا القرار إلى “قناعة راسخة بضرورة الابتعاد عن الاستقطاب والصراعات التي فشلت في تلبية تطلعات الشعب العراقي”.

وجاء هذا التأكيد رداً على التكهنات المتكررة التي تتحدث عن “دور خفي” للتيار الصدري أو قدرته على التأثير غير المباشر في موازين القوى، خاصة مع استمرار الخلافات داخل الإطار التنسيقي الشيعي حول ترشيح رئيس الوزراء، حيث يواجه ترشيح نوري المالكي (زعيم ائتلاف دولة القانون) معارضة أمريكية معلنة، إلى جانب الانقسامات المستمرة بين الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني بشأن منصب الرئاسة.

منذ انسحابه من مجلس النواب قبل سنوات، أعاد التيار الصدري صياغة دوره ليصبح قوة “خارج العملية السياسية”، محولاً ثقله من البرلمان إلى الشارع، مع الحفاظ على قاعدة شعبية واسعة دون المشاركة المباشرة في صنع القرار.

وقد أدى هذا الانسحاب إلى إعادة ترتيب الأوراق داخل الإطار التنسيقي، الذي استغل الفراغ الشيعي لتعزيز موقعه داخل المؤسسات الرسمية.

ورغم ذلك، يظل التيار الصدري محور تحليلات سياسية متكررة، حيث يُنظر إليه كـ”الرقم الغائب الحاضر”، قادراً على حشد أنصاره في الشارع أو تغيير موازين القوى لو عاد إلى الساحة البرلمانية.

ووصف المصدر الصدري مثل هذه الروايات بأنها “لا أساس لها من الصحة”، معتبراً إياها محاولات لتحميل مسؤولية تعقيدات الحكم على جهة غائبة عن العملية السياسية، بدلاً من توجيه اللوم إلى الأطراف المشاركة فعلياً.

ويحرص التيار في خطابه الرسمي على التأكيد على مقاطعة كاملة للنظام السياسي، بما في ذلك رفض حضور الاجتماعات أو الانخراط في المفاوضات التقليدية، مع التركيز على خطاب إصلاحي يركز على مكافحة الفساد وحماية إرادة الشعب.

وبهذا يقدم نفسه كـ”مراقب غير متدخل”، محتفظاً بقدرته الرمزية على التأثير عبر قاعدته الاجتماعية الواسعة وشبكاته غير الرسمية، دون التورط في صراعات يراها عقيمة في الظروف الراهنة.

ويُساهم انسحاب التيار في خلق ما يصفه بعض المراقبين بـ”المنطقة الرمادية” في المشهد السياسي العراقي، حيث تستمر العمليات الحكومية في غيابه، بينما تتراكم الأزمات المتعلقة بتوزيع السلطات والمناصب بين الفصائل المشاركة.

وفي الوقت نفسه، يبقى التيار قوة شعبية قوية ورمزية، يُستدعى اسمه في كل أزمة سياسية جديدة، سواء تعلقت برئاسة الوزراء أو غيرها من المناصب العليا.

ويُبرز هذا الوضع التوتر بين النفوذ الشعبي الكبير للتيار وموقفه الرسمي خارج المؤسسات الرسمية، مما يشكل تحدياً للقوى السياسية الأخرى في قراءة المشهد المتطور.

ومنذ انسحابه، يلتزم التيار باستراتيجية واضحة: الحفاظ على الاستقلال السياسي، تجنب المشاركة في الاتفاقات المغلقة، وعدم فرض فيتو على أي فصيل، مع تأطير موقفه دائماً حول مصالح الشعب العراقي والاستقرار الوطني، مما يمكّنه من الابتعاد عن تبعات الفشل السياسي الذي يتحمله الآخرون.

ومع استمرار الجمود، يبقى التيار الصدري قوة رمزية مؤثرة، تُستحضر في كل نقاش حول الأزمة، رغم إصراره المتكرر على دوره الرقابي غير المتدخل.

 

 

المسلة – متابعة – وكالات

النص الذي يتضمن اسم الكاتب او الجهة او الوكالة، لايعبّر بالضرورة عن وجهة نظر المسلة، والمصدر هو المسؤول عن المحتوى. ومسؤولية المسلة هو في نقل الأخبار بحيادية، والدفاع عن حرية الرأي بأعلى مستوياتها.

About Post Author Admin

See author's posts

المصدر

المصدر: المسلة

كلمات دلالية: التیار الصدری

إقرأ أيضاً:

سلسلة ❙ ماذا لو؟!: أنتَ شمسُك.. ماذا لو علمتَ أنّك المركز الذي لم يبحث عنه أحد سواك؟

تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق

دَعْنا نراقب الشمس…

قبل أن نتحدّث عن الاستغناء، وقبل أن نفكّر في السيادة الداخلية، دعنا نرفع أبصارنا قليلًا نحو السماء ونراقب - بعيون الفيلسوف لا بعيون العالِم - ذلك الجرم المتوهّج الذي لم يستأذن أحدًا كي يُشرق.

الشمس في مجرّة درب التبانة هي المركز.  وحولها كلّ شيء يدور. حتى لو دار كوكبٌ حول نفسه، فإنّ ذلك لا يتعارض مع دورانه حول الشمس، بل يجعله أكثر إثارةً وتعقيدًا وجمالًا، ويسمح لنور الشمس أن يشرق على كلّ جوانبه دون استثناء.

الشمس تختار موقعها بحسابات دقيقة لا تخطئ: تقترب بما يكفي لتهب الدفء والحرارة اللازمين للخلق، وتبتعد بما يكفي لتضمن ألّا يذوب ذلك الخلق ويتلاشى تحت لهيبها. قرب يُحيي، وبُعد يصون -وهذا وحده يكفي تعريفًا للتوازن.

الشمس تُشرق كلّ صباح بلا استئذان، معلِنةً الإذن للحركة والسعي والإنجاز. ثمّ حين تُشرق على غيرك، تمنحك أنتَ فرصة الراحة والمراجعة والعودة إلى نفسك. لا تعتذر عن غروبها، ولا تستأذن في شروقها.

الشمس تُنير السموات والأرض وتسطع بأشعّتها الذهبية دون نظام فلترة أو تصنيف.. هي تُشرق على الظالم والمظلوم، على الجاهل والعالِم، على النشيط والكسول، على المخطئ والمصيب، على الجميل والقبيح، دون تمييز ودون انتظار شكر.

باختصار: الشمس تكون حقيقتها فقط.  دون تجميل مبنيّ على آراء الآخرين.. دون تعديل يُمليه خوف الرفض. هي أصلًا لا تعرف إلّا أن تكون ما هي عليه دون قناع ودون مسرحية.

ومن يشتكي من حرّها؟ تزيده لهيبًا. ومن يشتكي من غيابها؟ تسمح للغيوم بالتراكم بينها وبينه، بما يحجب عنه ضوءها ودفأها - لا عقابًا، بل لأنّ الغيم جاء من اختياراته هو لا من طبيعتها هي.

ماذا لو علمتَ أنّك أنتَ الشمس في مجرتك؟ حياتك تبدأ بقدومك إلى هذا العالم وتنتهي بمغادرتك إيّاه.  وما بين الميلاد والموت  تلك هي مجرّتك كلّه. فلو كانت ثمّة شمس في هذه المجرّة، فهل ستكون غيرك؟

لحظةٌ لا تأتي بإشعار

ثمّةَ لحظةٌ لا تُعلن عن نفسها، لا تأتي مصحوبةً بصوت ولا مشهودةً بشاهد. لحظةٌ تتسلّل في صمت، مثلما يتسلّل الفجر بين شقوق الليل، فلا تدري متى بدأت، غير أنّك تُدركها في كامل حضورها حين تجد نفسك - ولأوّل مرّة ربّما - تقف أمام الحياة بلا حاجةٍ تستجدي، ولا ذاتٍ تثبت، ولا سؤالٍ يبحث عن إجابة في عيون الآخرين.

تلك اللحظة لا تهبها المكانة، ولا تصنعها الثروة، ولا تُهديها الشهرة. إنّها تولد من داخل الإنسان وحده، حين يكتشف - بعد رحلةٍ طويلة من الركض خلف ما ليس له - أنّ معظم ما كان يطارده لم يكن سوى صدىً لصوت داخلي يُناديه بالعودة إلى نفسه.

في تلك اللحظة تحديدًا يبدأ الوعي. ويبدأ التحرّر. ويبدأ ما يمكن تسميته - بكلّ دقّة - الاستغناء.

بين السؤال والجواب.. ثورة

يُروى أنّ جلال الدين الرومي توجّه يومًا إلى شمس الدين التبريزي بسؤالٍ يحمل ثقل كلّ روحٍ تعبت من نفسها:

     "كيف تبرد نار النفس؟"

      فأجابه شمس، بكلمةٍ واحدة:

     "بالاستغناء."

لم يقل له: بالصلاة وإن كانت عماد الروح. ولا بالعلم وإن كان نور العقل. ولا بالمال ولا بالزهد. قال له: بالاستغناء.

لأنّ الاستغناء ليس فعلًا خارجيًا يمارسه الجسد، بل ثورةٌ داخلية تُعيد رسم حدود الذات. إنّه اللحظة التي تتوقّف فيها عن استجداء ما وهبك الله إيّاه أصلًا، واللحظة التي ينتهي فيها ذلك التسوّل الصامت - تسوّل الاعتراف، والقبول، والمعنى - من موائد الآخرين.

أخطر القيود.. تلك التي لا تُرى

إنّ أخطر أنواع العبودية ليست عبودية الجسد، بل عبودية الاحتياج. فالإنسان قد يمشي حرًّا بلا سلاسل ترى، بينما يقضي عمره كلّه أسيرًا لفكرة متجذّرة، أو شخصٍ يملك مفتاح رضاه، أو صورةٍ ذهنية صنعها من فتات آراء الآخرين.

كم من إنسانٍ باع سلامه الداخلي ثمنًا للقبول؟ وكم من امرأةٍ تنازلت عن كرامتها خشية الهجران؟ وكم من رجلٍ أضاع نفسه في متاهة إثبات نفسه؟ وكم من موهبةٍ عظيمة دُفنت حيّةً تحت ثقل الحاجة إلى التصفيق؟

        قال كارل غوستاف يونغ:

       "الامتياز الحقيقي لا يكمن في أن تكون أفضل من الآخرين،

        بل في أن تكون أفضل مما كنتَ عليه بالأمس."

فالإنسان لا يُهزم حين يفقده الآخرون، بل يُهزم حين يفقد نفسه وهو يحاول الاحتفاظ بهم.

فصولٌ لا كتاب.. وأدوارٌ لا أصحاب

الحقيقة المُرّة الجميلة في آنٍ واحد: بعض الناس يأتون ليكملوا فصلًا في كتاب حياتك، لا ليقيموا في كلّ صفحاته.

       "الناس صنفان؛ من أراد هجرك وجد في ثقب الباب مخرجًا،

        ومن أراد البقاء معك لردم ثقبٍ في الصخرة مدخلًا."

الوعي ليس أن تعرف كيف تتمسّك. بل أن تعرف متى تترك. فالوردة لا تبكي حين تتساقط أوراقها، والشجرة لا تدخل في حداد كلّ خريف، والنهر لا يعود إلى منبعه هربًا من المجهول. فلماذا يُصرّ الإنسان وحده على التمسّك بما انتهى؟

الجرح ليس فيما فقدتَ.. بل فيما أعطيتَه لما فقدتَ

الناس لا يتألّمون بسبب ما فقدوه، بل بسبب المعنى الذي ألصقوه بما فقدوه. يفقد أحدهم علاقةً فيعتقد أنّه فقد الحبّ كلّه. ويفقد منصبًا فيعتقد أنّه فقد قيمته جميعها. بينما الحقيقة أنّ الحبّ أكبر من شخص، والقيمة أسمى من منصب.

   قال فيكتور فرانكل، الذي عاش الجحيم وخرج منه شاهدًا لا ضحية:

     "كلّ شيءٍ يمكن أن يُسلَب من الإنسان إلّا شيئًا واحدًا:

      حريّته في اختيار موقفه تجاه ما يحدث له."

وهنا يكمن جوهر الاستغناء الحقيقي: أن تُدرك أنّ أحدًا لا يملك سلطةً على روحك، إلّا بمقدار ما أنتَ نفسك منحتَه إيّاها.

الاستغناء الأعظم: أن تستغني عن البشر بربّ البشر

ليس الانفصال عن الناس نفيًا لهم أو عزلةً عنهم، بل ألّا تجعلهم المصدر الوحيد لمعناك. ألّا تجعل رضاهم ميزان قيمتك. ألّا تجعل قبولهم تعريفًا يُحدّد هويّتك.

من عرف الله حقًا استغنى. ومن استغنى تحرّر. ومن تحرّر أشرق. ومن أشرق صار حضوره دعوةً صامتة إلى النور.

قال إبن الرومي:

  "حين أترك ما أنا عليه، أصبح ما يمكن أن أكونه."

فكلّ ولادةٍ جديدة تبدأ بموت شيءٍ قديم. وكلّ اتّساعٍ يبدأ بتخلٍّ. وكلّ حريّةٍ حقيقية تبدأ باستغناء.

الاستغناء.. كما ينبغي أن يُفهم

الاستغناء ليس قسوةً على النفس ولا جحودًا للجمال. بل هو أن تُحبّ دون أن يأسرك الخوف. أن تمتلك دون أن يمتلكك ما تمتلك. أن تحلم دون أن يُشلّك القلق. أن تعمل دون أن تربط قيمتك بسقف النتائج.

إنّه أن تسير في هذه الحياة بقلبٍ ممتلئٍ بالله لا بالهواجس، وبروحٍ تستمدّ نورها من الخالق لا من تصفيق المخلوقين.

ستكتشف أنّ أعظم أشكال الثراء ليس ما تُضيفه إلى حياتك، بل ما تتحرّر منه. وأنّ أعظم أشكال القوّة ليس ما تسيطر عليه، بل ما لم يعد قادرًا على السيطرة عليك.

ذلك هو الاستغناء.

وذلك هو سرّ السيادة الداخلية.

وذلك هو الطريق الوحيد الذي لا يقودك إلى امتلاك العالم… بل إلى امتلاك نفسك.

باريس

1 يونيو 2026

مقالات مشابهة

  • العبود: المبادرة الامريكية للسلام كسرت الجمود السياسي
  • ما حكم صلاة الجنازة على الغائب؟.. الإفتاء توضح
  • استقرار سعر الذهب اليوم الثلاثاء 2 يونيو 2026.. عيار 21 يسجل هذا الرقم
  • التيار: نأسف لأنّ السلطة اللبنانية لم تنجح حتى اليوم في صياغة استراتيجية وطنية شاملة للأمن والدفاع
  • ارتباط لافت بين ميسي ويامال في كأس العالم 2026.. «القصة تبدأ من ألمانيا»
  • «أسد» يحتفظ بالمركز الثاني في إيرادات أفلام عيد الأضحى 2026 بهذا الرقم
  • أستاذ علوم سياسية: جبهة لبنان ورقة ضغط إيرانية ومسار ترامب البديل “هدن مؤقتة”
  • العودات يطلق برنامج التمكين السياسي لدى الشباب في الأحزاب السياسية “سيادة القانون وقيم المواطنة الفاعلة”
  • عاجل| تراجع سعر الذهب الآن في مصر.. وعيار 21 يسجل هذا الرقم
  • سلسلة ❙ ماذا لو؟!: أنتَ شمسُك.. ماذا لو علمتَ أنّك المركز الذي لم يبحث عنه أحد سواك؟