بين قرع طبول الحرب وفضائح إبستين.. ترامب وخيار شمشون!
تاريخ النشر: 21st, February 2026 GMT
في لحظةٍ عالميةٍ مشحونةٍ بالاضطراب، يعود دونالد ترامب إلى واجهة المشهد السياسي الدولي وهو يقرع طبول الحرب بيد، ويصارع ارتدادات فضائح إبستين باليد الأخرى. هذا التزامن ليس تفصيلاً عابرًا، بل يكشف عن نمطٍ مألوف في السلوك السياسي الأمريكي حين تتقاطع الأزمات الداخلية مع حسابات القوة في الخارج: الهروب إلى الأمام، ورفع منسوب التهديد، واستدعاء خطاب «الخطر الوجودي» لتوحيد الصفوف وصرف الأنظار.
فضائح جيفري إبستين، بما تحمله من دلالات أخلاقية وقانونية، لم تفضح شخصًا أو شبكةً فحسب، بل عرّت منظومةً كاملة من النفوذ والابتزاز وتداخل المال بالسياسة والإعلام. وهي فضائح، مهما حاولت الدوائر النافذة احتواءها، تبقى قادرة على تقويض الثقة العامة وإرباك الحملات الانتخابية. هنا، يجد ترامب نفسه – كما في محطات سابقة – أمام خيارٍ كلاسيكي: تصعيد خارجي يعيد ترتيب الأولويات في الداخل، ويستدعي لغة «الأمن القومي» بوصفها مظلةً تبريرية واسعة.
في هذا السياق، يطفو إلى السطح ما يمكن تسميته بـ»خيار شمشون»؛ أي التهديد بالذهاب إلى أقصى مدى، حتى لو ترتب على ذلك تحطيم السقف على الجميع. ليس المقصود بالضرورة حربًا شاملة وفورية، بل خلق بيئة توتر قصوى: تلويح بضربات استباقية، تسخين جبهات بالوكالة، وتغذية خطاب الردع المطلق. هذا الخيار، وإن بدا للبعض مقامرةً خطرة، إلا أنه يُستخدم سياسيًا كأداة ضغط داخلية وخارجية في آنٍ معًا.
ترامب، الذي قدّم نفسه دومًا بوصفه «صانع صفقات» لا «مُشعل حروب»، يجد اليوم صعوبة في التوفيق بين الصورة والشروط. فحسابات اللوبيات المتشددة، وعلى رأسها اليمين الصهيوني المتطرف، تدفع باتجاه تصعيد محسوب يفرض وقائع جديدة في الإقليم، ويختبر حدود الردع مع الخصوم، ولا سيما إيران ومحورها. وفي المقابل، يراهن ترامب على أن التهديد وحده – لا الفعل – قد يحقق مكاسب انتخابية دون الانزلاق إلى مستنقع لا تُحمد عقباه.
غير أن الشرق الأوسط ليس مسرحًا بلا فاعلين. فكل تصعيدٍ لفظي أو عسكري محدود يفتح الباب أمام تفاعلات متسلسلة، قد تبدأ بضربةٍ محسوبة وتنتهي بحريقٍ واسع. التجربة تُظهر أن «الحروب الصغيرة» نادرًا ما تبقى صغيرة، وأن إدارة الأزمات عبر حافة الهاوية تحمل في طياتها مخاطر سوء التقدير، خاصة حين تتشابك الاعتبارات الانتخابية مع حسابات الردع.
في الخلفية، تقف أوروبا مرتبكة، والصين وروسيا تراقبان وتستثمران، والعالم النامي يدفع ثمنًا اقتصاديًا فادحًا لأي اضطراب جديد في أسواق الطاقة والتجارة. أما فلسطين، فتبقى ساحة اختبارٍ دائمة لهذا المنطق؛ حيث يُستدعى التصعيد الإقليمي لتكريس وقائع الاحتلال، وتغذية خطاب القوة، وتهميش المسار السياسي، بينما يُترك المدنيون يدفعون الثمن.
السؤال الجوهري إذن: هل يقود ترامب العالم إلى شفا «خيار شمشون» فعلًا، أم أنه يستخدمه كورقة تفاوض قصوى؟ المؤشرات تقول إن الرجل يجيد اللعب على الحافة، لكنه لا يضمن دائمًا التحكم في النتائج. فالتاريخ الحديث مليء بأمثلة قادة ظنّوا أن التصعيد سيبقى تحت السيطرة، فإذا به ينفلت من بين أيديهم.
في المحصلة، يبدو أن العالم أمام مفترق حساس: إما أن تُكبح نزعة الهروب إلى الأمام عبر توازنات دولية عاقلة وضغوط داخلية أخلاقية وقانونية، وإما أن يستمر منطق التهديد والتلويح بالقوة كستارٍ لفضائح الداخل وأزماته. وبين هذا وذاك، يبقى الشرق الأوسط – وفلسطين في القلب منه – أول المتضررين من لعبةٍ لا تعترف إلا بالخسائر، ولا تُجيد إلا قرع طبول الحرب.
* كاتب وسياسي فلسطيني
المصدر
المصدر: الثورة نت
إقرأ أيضاً:
من الذي أوقف الحرب.. ولماذا الآن؟
عباس الزدجالي
abbas@omanamana.com
كشفت التقارير المتزامنة التي نشرتها صحف ومؤسسات إعلامية دولية بارزة، من بينها هآرتس وفايننشال تايمز ورويترز وأكسيوس، عن مشهد غير مألوف في العلاقة بين واشنطن وتل أبيب. فبحسب هذه الروايات، لم يكن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يستعد فقط لتوسيع العمليات العسكرية في لبنان، بل كانت هناك خطط لضربات أكبر قد تطال بيروت نفسها، قبل أن يتدخل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب شخصيًا في اللحظات الأخيرة لوقف التصعيد أو الحد منه.
وتذهب بعض التقارير إلى أبعد من ذلك، متحدثة عن مكالمة غاضبة وغير مسبوقة بين ترامب ونتنياهو، استخدم خلالها الرئيس الأمريكي لغة حادة عكست حجم التوتر بين الرجلين. وبغض النظر عن دقة كل عبارة منسوبة إلى المكالمة أو مدى صحة التسريبات المتداولة، فإن تعدد المصادر وتطابق الخطوط العامة للرواية يشيران إلى وجود خلاف حقيقي حول مسار الحرب وحدودها، وليس مجرد اختلاف تكتيكي عابر.
اللافت في هذه التطورات أن ترامب لم يكن طوال السنوات الماضية معروفًا بممارسة ضغوط جدية على الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، بل على العكس، ارتبط اسمه بأكثر المواقف الأمريكية دعمًا لإسرائيل. ولذلك فإن تدخله المفاجئ لوقف أو تأجيل عملية عسكرية واسعة يثير تساؤلات عديدة حول الدوافع الحقيقية وراء هذا التحول.
قد يكون أحد التفسيرات أن الإدارة الأمريكية بدأت تدرك أن استمرار التصعيد يهدد بتوسيع دائرة الحرب إلى مستوى يصعب احتواؤه. فبعد أشهر طويلة من القتال والدمار في غزة، والتوتر المتصاعد على الجبهة اللبنانية، والمواجهة المفتوحة مع إيران، باتت المنطقة أقرب إلى حافة انفجار إقليمي شامل. وفي مثل هذا السيناريو، لن تكون الكلفة مقتصرة على إسرائيل أو خصومها فقط، بل ستمتد إلى المصالح الأمريكية المنتشرة في أنحاء الشرق الأوسط، وإلى الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة والممرات البحرية الحيوية.
كما أن واشنطن تُدرك أن صورتها الدولية تعرضت خلال الفترة الماضية إلى ضرر كبير نتيجة مشاهد الدمار وسقوط أعداد هائلة من الضحايا المدنيين؛ فالدعم الأمريكي غير المشروط لإسرائيل أصبح موضع انتقاد متزايد حتى داخل الولايات المتحدة نفسها، وبين قطاعات واسعة من الرأي العام الغربي. ومع اقتراب الاستحقاقات السياسية الداخلية، لا يمكن تجاهل أثر هذه التطورات على الحسابات الانتخابية والسياسية لأي إدارة أمريكية.
أما نتنياهو، فيبدو بدوره محاصرًا بين ضغوط متناقضة. فمن جهة يواجه مطالب متزايدة من اليمين المتطرف بمواصلة التصعيد وتوسيع العمليات العسكرية، ومن جهة أخرى يواجه انتقادات داخلية متصاعدة بسبب طول أمد الحرب وتكاليفها البشرية والاقتصادية والسياسية. ولذلك فإن أي تراجع أو قبول بوقف التصعيد قد يُفسَّر من قبل خصومه وحلفائه على حد سواء باعتباره رضوخًا للضغوط الأمريكية.
لكن ما تكشفه هذه الأزمة يتجاوز شخص ترامب أو نتنياهو؛ فهي تُذكِّر بحقيقة كثيرًا ما يجري تجاهلها في الخطاب السياسي والإعلامي، وهي أن العلاقة الأمريكية الإسرائيلية، مهما بدت وثيقة، ليست علاقة تطابق كامل في المصالح. فعندما تشعر واشنطن بأن سياسات تل أبيب تهدد أولوياتها الاستراتيجية الأوسع، فإنها لا تتردد في التدخل، ولو خلف الأبواب المغلقة، لإعادة رسم الحدود التي لا ينبغي تجاوزها.
وفي المقابل، تكشف الأحداث أيضًا حجم المأزق الذي وصلت إليه المنطقة بأسرها. فبعد شهور طويلة من الحروب والدمار وسقوط الضحايا في غزة ولبنان وإيران، لم يعد السؤال من انتصر ومن خسر في معركة هنا أو هناك، بل إلى أين يقود هذا المسار الجميع. فالحروب قد تبدأ بقرار سياسي، لكنها كثيرًا ما تنتهي بنتائج لم يتوقعها حتى الذين أشعلوها.
ولهذا فإن السؤال الأهم في نهاية المطاف ليس ما إذا كان ترامب قد أوقف هجومًا على بيروت، ولا ما إذا كان نتنياهو قد تراجع تحت الضغط الأمريكي، بل لماذا حدث ذلك الآن تحديدًا؟ هل كان الأمر تعبيرًا عن إدراك متأخر بأن المنطقة تقف على حافة انفجار شامل؟ أم أنه محاولة من واشنطن لإنقاذ نفسها من تداعيات سياسات ساهمت هي نفسها في صنعها؟ أم أن كلفة استمرار الحرب أصبحت ببساطة أعلى من قدرة الجميع على تحملها؟
ذلك هو السؤال الذي ستحدد إجابته ليس فقط مستقبل العلاقة بين ترامب ونتنياهو، بل ربما مستقبل الشرق الأوسط بأسره في السنوات المقبلة.