ما مدى واقعية تراكم طلبات بـ1.6 تريليون دولار في مجال الـAI؟
تاريخ النشر: 21st, February 2026 GMT
#سواليف
إذا أراد المستثمرون الفضوليون قياس الطلب الحقيقي على الذكاء الاصطناعي بأرقام ملموسة، فقد يجدون ضالتهم في بندٍ محاسبي في الميزانية العمومية، غالبًا ما يمرّ دون ضجيج كبير، يُعرف باسم “الالتزامات المتبقية للأداء”، أو ببساطة تراكم الطلبات (Backlog).
والـ Backlog هو قيمة الإيرادات المستقبلية المتفق عليها في العقود الحالية، والتي لم يقدّم عنها المنتج أو لم تُقدَّم الخدمة بالكامل بعد، لذلك لم تُسجَّل كإيراد بعد.
ويمثل هذا الرقم إجمالي القيمة الدولارية للعقود الموقّعة مع العملاء مقابل خدمات الحوسبة السحابية التي لم تُقدَّم بعد.
مقالات ذات صلةوقد يعود ذلك إلى عدم توافر السعة الكافية لدى الشركة لتنفيذها حاليًا، أو لأن العميل لم يحتج الخدمة بعد رغم تعهده بالشراء، أو بسبب مزيج غير واضح من عوامل أخرى.
ويُستخدم هذا المؤشر كأداة إرشادية للمستثمرين لتقدير الإيرادات المستقبلية، وللشركات نفسها لتخطيط – أو تبرير – إنفاقها الرأسمالي الضخم، وإن كان مؤشرًا غير مثالي يثير تساؤلات لدى الطرفين، بحسب تقرير منشور على وكالة بلومبرغ نيوز.
ظلّ هذا المقياس بعيدًا نسبيًا عن الأضواء، إلى أن فجّرت طفرة الذكاء الاصطناعي سباقًا محمومًا لبناء مراكز البيانات.
اليوم، تجاوز تراكم الطلبات لدى أكبر أربع شركات حوسبة سحابية عملاقة — أمازون، ومايكروسوفت، وألفابت (غوغل)، وأوراكل — حاجز 1.6 تريليون دولار، بزيادة قدرها 146 بالمئة مقارنة بالعام الماضي، وفقًا لوكالة بلومبرغ نيوز.
مايكروسوفت في الصدارة… وOpenAI في قلب المعادلة
تتصدر مايكروسوفت هذه القائمة بأكبر حجم من الالتزامات، إذ ارتفع تراكم طلباتها بمقدار 327 مليار دولار خلال عام واحد ليصل إلى 625 مليار دولار. اللافت أن 45 بالمئة من هذا الرقم يعود إلى عميل واحد فقط: OpenAI.
ولا يختلف وضع أوراكل كثيرًا، إذ ترتبط آفاقها أيضًا بشركة ChatGPT وبمشروع Stargate المدعوم من الحكومة الأميركية. ووفق إفصاحات نهاية العام الماضي، بلغ تراكم طلبات أوراكل 523 مليار دولار، أي أكثر من أربعة أضعاف مستواه قبل عام واحد فقط.
يبقى السؤال الجوهري: هل ستكون OpenAI قادرة على دفع هذه الفواتير؟
لا أحد يستطيع الجزم بحالة الشركة عندما تصبح هذه السعات جاهزة للاستخدام، خصوصًا في ظل سعيها المحموم لتحقيق الدخل وتعويض خسائرها الكبيرة عبر تجارب في الإعلانات والتجارة الإلكترونية.
أحد المحللين لخص القلق بقوله إن العقد ملزم قانونيًا، لكن الالتزام الفعلي بالدفع يتطلب نجاحًا ماليًا حقيقيًا. وقد طُرحت هذه المخاوف مباشرة على الإدارة المالية لمايكروسوفت خلال آخر مكالمة أرباح، فجاء الرد مقتضبًا بالتركيز على بقية العملاء، بدل تقديم تطمينات أوضح بشأن العميل الأكبر، في علاقة توصف حاليًا بأنها أقرب إلى “صداقة متوترة”.
مخاطر “الصفقات الدائرية” وشبح التعثر
صحيح أن مسألة البقاء والقدرة على الدفع تنطبق على شركات الذكاء الاصطناعي عمومًا، لكن لا جهة التزمت بشراء قدر من القدرة الحاسوبية يوازي ما تعهّدت به OpenAI.
وفي هذا السياق، قد تتحول “الصفقات الدائرية”، وهي سمة بارزة في قطاع الذكاء الاصطناعي، إلى “إخفاقات دائرية”.
يذكر أن “الصفقات الدائرية” هي عمليات بيع وشراء متفق عليها مسبقاً بين أطراف مترابطة (شركات شقيقة، أو طرف يبيع لنفسه عبر وسيط) يتم فيها تدوير نفس الأصل أو المبلغ في دائرة مغلقة، بحيث يبدو ظاهرياً أن هناك نشاطاً حقيقياً في السوق أو إيرادات حقيقية، بينما في الواقع لا يوجد خلق حقيقي للقيمة.
وفي مجال الذكاء الاصطناعي تعني ببساطة إن الشركات الكبيرة تضخ أموالاً في منظومة الذكاء الاصطناعي ثم ترجع هذه الأموال لها بشكل غير مباشر عبر نفس المنظومة، فيبدو وكأن هناك طلباً ضخماً ونمواً هائلاً، بينما جزء منه مجرد تدوير داخلي لرأس المال.
وزاد من حدة التوتر تصريح جنسن هوانغ، الرئيس التنفيذي لشركة Nvidia، حين نفى وجود التزام باستثمار 100 مليار دولار في OpenAI، مما دفع أوراكل للتوضيح فوراً بأن صفقتها مع OpenAI غير مشروطة بأموال Nvidia، مؤكدة ثقتها في قدرة الأخيرة على جمع التمويل.
في عطلة نهاية الأسبوع التي تلت إعلان مايكروسوفت أحدث أرقام تراكم طلباتها، أوقف مراسلون متحمسون في تايبيه جنسن هوانغ، الرئيس التنفيذي لشركة إنفيديا، وسأله أحدهم عمّا إذا كانت الشركة قد تراجعت عن قرارها استثمار ما يصل إلى 100 مليار دولار في OpenAI.
وردّ هوانغ قائلًا: “لم يكن هناك التزام من الأساس”. ويبدو أن ذلك دفع أوراكل إلى نشر بيان على منصة “إكس” أكدت فيه أن اتفاقها مع OpenAI لا يعتمد على تمويل إنفيديا، مضيفة: “ما زلنا على ثقة كبيرة بقدرة OpenAI على جمع التمويل والوفاء بالتزاماتها”. وليس من الصعب فهم سبب حالة القلق التي تسود الأوساط المعنية.
بحسب وكالة بلومبرغ، فإن الضغط لا يقع على شركات الذكاء الاصطناعي وحدها، فكما أن قدرتها على الدفع غير مؤكدة، فإن قدرة شركات الحوسبة السحابية على التسليم لا تقل غموضًا. فبناء مراكز البيانات عملية معقدة ومكلفة بشكل متزايد، كما أنها باتت قضية سياسية مشحونة مع اقتراب الانتخابات النصفية الأميركية.
وأي تأخير أو إخفاق قد يدفع جزءًا من هذه الطلبات نحو شركات الحوسبة “الناشئة” مثل “كور ويف” CoreWeave أو “فلويدستاك” Fluidstack، رغم أنها بدورها تواجه تحديات مماثلة في بعض الدول التي تشترط بناء محطات طاقة خاصة بها أولاً، أو من خلال فرض قيود تنظيمية أخرى تُبطئ التنفيذ.
يُذكر أن تراكم الطلبات لدى CoreWeave وحدها يناهز 55 مليار دولار.
متى تتحول الطلبات إلى إيرادات؟
لهذه الأسباب، تتوقع أوراكل تنفيذ 10 بالمئة فقط من تراكم طلباتها خلال الاثني عشر شهرًا المقبلة، و30 بالمئة إضافية خلال فترة تمتد من 13 إلى 36 شهرًا. وفي عالم الذكاء الاصطناعي سريع الإيقاع، قد يبدو هذا الانتظار وكأنه قرن كامل، وفقا لبلومبرغ.
وبالمثل، تتوقع مايكروسوفت الاعتراف بنحو 25 بالمئة فقط من تراكم طلباتها خلال العام الحالي.
السؤال الأبدي: هل يستحق الأمر؟
في عام 2025، ترجمت زيادة مايكروسوفت إنفاقها الرأسمالي بنسبة 58 بالمئة إلى نمو في إيرادات الحوسبة السحابية بنحو 22 بالمئة فقط. ومع اتجاه كبار مزودي السحابة إلى ضخ استثمارات أكبر في 2026، من المرجح أن يواصل الإنفاق التقدّم على العوائد.
صحيح أن تضخم تراكم الطلبات يُعد إشارة مطمئنة إلى قوة الطلب واقتراب تدفقات إيرادات كبيرة، لكن المستثمر الحذر ينبغي أن يتعامل مع هذه الأرقام باعتبارها طموحات محتملة لا ضمانات مؤكدة.
المصدر
المصدر: سواليف
كلمات دلالية: الذکاء الاصطناعی ملیار دولار
إقرأ أيضاً:
ما وراء الكود.. دراسة علمية حول السلطة الثقافة والمجتمع في عصر الذكاء الاصطناعي بجامعة بني سويف
تواصل جامعة بني سويف، ريادتها البحثية في دعم الحراك الأكاديمي، من خلال إثراء المكتبة العربية بإصدارات علمية رصينة تواكب التحولات التكنولوجية المعاصرة.
حيث أعلنت الدكتورة عزة الجوهري عميد الكلية صدور أحدث المؤلفات العلمية المتميزة للدكتور قياتي عاشور، مدرس علم الاجتماع بالكلية، والذي جاء تحت عنوان "ما وراء الكود السلطة، الثقافة، والمجتمع في عصر الذكاء الاصطناعي"، والصادر عن دار الكتاب الجامعي بدولة الإمارات العربية المتحدة.
من جانبه، أشاد رئيس الجامعة بهذا العمل باعتباره خطوة استراتيجية نحو تعزز مكانة الجامعة في التصنيفات الدولية، ويعكس جهود أعضاء هيئة التدريس في تقديم إنتاج فكري يخدم الباحثين محلياً وإقليمياً، لافتاً إلى أن هذا الكتاب يفتح آفاقاً بحثية جديدة تشجع على إنتاج أطروحات علمية ورسائل ماجستير ودكتوراه لعصر الذكاء الاصطناعي.
ويسهم هذا الطرح في تمكين الباحثين من فهم آليات العصر الرقمي، ويؤكد على دور العلوم الإنسانية في تفكيك وفهم التحديات التكنولوجية التي تشكل ملامح عالمنا اليوم وغداً.
ويأتي هذا الكتاب كإضافة نوعية غير مسبوقة للمكتبة الأكاديمية العربية، حيث يعد من أوائل المؤلفات التي تقدم تأصيلاً نظرياً متكاملاً في مجال "سوسيولوجيا الذكاء الاصطناعي". ولا تتوقف القيمة المعرفية للكتاب عند الشرح التقني الجاف للأنظمة الذكية، بل تتجاوز ذلك لتغوص في الأبعاد الإنسانية والاجتماعية، حيث يقدم المؤلف قراءة نقدية معمقة ومبتكرة حول كيفية تأثير الخوارزميات وصناع الكود على بنية السلطة التقليدية، وتغيير أنماط العمل البشري، فضلاً عن طرح تساؤلات جوهرية تمس مستقبل السيادة الرقمية داخل المجتمعات الحديثة.