كشف تقرير أعده المكتب الوطني للدفاع عن الأرض ومقاومة الاستيطان، اليوم السبت، استمرار حكومة الاحتلال الإسرائيلي في تنفيذ مشاريع استيطانية واسعة في الضفة الغربية، تحت مسمى "تسوية وتسجيل الأراضي"، بما يشكل خرقا للقانون الدولي، وتهديدا لحق الفلسطينيين في أراضيهم.

وأضاف المكتب في تقرير الاستيطان الأسبوعي، بأن حكومة الاحتلال خصصت 244.

1  مليون شيكل على مدى ثلاث سنوات لإنشاء آلية لتسجيل الأراضي وإجراءات التسوية في المنطقة (ج)، وهو ما ينطوي على خطر تهجير الفلسطينيين من نحو 83% من هذه المنطقة، بعد تسجيل الأراضي باسم "الدولة" في حال عدم قدرة أصحابها على إثبات ملكيتهم بالشروط الصعبة التي فرضتها سلطات الاحتلال.

وأشار التقرير إلى أن هذه القرارات تصدر عن وزارات سيادية هي وزارة العدل، ووزارة المالية، ووزارة الجيش، في خطوة تُظهر الطابع الرسمي للضم الاستيطاني، وتستهدف السيطرة على أراضي الفلسطينيين وتوسيع المستوطنات، أبرزها مستوطنة آدم "جيفع بنيامين" شمال شرق القدس ، والتي تشمل خططاً لإنشاء حوالي 6000 وحدة جديدة، بالإضافة إلى تطوير البنية التحتية والمرافق العامة.

وأكد التقرير استمرار نشاطات الاستعمار والاستيلاء والهدم في محافظات الضفة الغربية كافة، بما في ذلك القدس، الخليل، سلفيت، نابلس ، رام الله ، بيت لحم ، والأغوار، حيث شملت الانتهاكات: هدم منازل ومنشآت زراعية وتجارية، والاستيلاء على أراضٍ، ومنع الفلسطينيين من حراثة أراضيهم، ونهب المواشي، وفرض بؤر جديدة.

وأشار إلى أن هذه السياسات الاستعمارية أدت إلى تهجير عشرات العائلات الفلسطينية، وتقويض مقومات الحياة الاقتصادية والاجتماعية للمزارعين وأصحاب الأراضي، فيما دعت دول عربية ومنظمات دولية، بما فيها الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة ومنظمة التعاون الإسلامي، إلى التراجع عن هذه الإجراءات، واعتبرتها مخالفة للقانون الدولي وتهدد فرص حل الدولتين.

ونوه إلى خطة تطوير مستعمرة آدم "جيفع بنيامين" تنطوي عمليًا على إنشاء حي جديد في القدس يوسعها لأول مرة منذ عام 1967 إلى الضفة الغربية، دون أن يكون هناك اتصال جغرافي أو وظيفي بين المنطقة المستهدفة والمستوطنة.

وأشار إلى أنه كجزء من التطوير الشامل للمستعمرة، تم تسويق ما يقارب 500 وحدة في المرحلة الأولى، على ان يستمر التطوير وفقًا لمراحل التسويق والخطط المعتمدة، ويشمل الاتفاق تطويرًا واسع النطاق للمساحات العامة والترفيهية، بما في ذلك إنشاء مجمع رياضي وترفيهي جديد، وحدائق، ومساحات عامة مفتوحة، بميزانية تبلغ حوالي 29 مليون شيقل، كما يتضمن الاستعدادات المستقبلية لإنشاء مؤسسات تعليمية وعامة، باستثمار يبلغ حوالي 18 مليون شيكل لأعمال الحفر وتطوير البنية التحتية، تمهيدًا لبناء رياض أطفال ومدارس.

وحسب حركة "سلام الآن"، فإن هذه هي المرة الأولى منذ العام 1967 التي يتم فيها توسيع القدس إلى الضفة الغربية، تحت ستار إنشاء مستعمرة جديدة، لإخفاء خطوة تطبق فعليًا السيادة الإسرائيلية.

وأوضح التقرير أن النشاطات الاستعمارية الهدامة لسلطات الاحتلال لا تقف عند حدود توسيع الاستعمار في محيط مدينة القدس، او عند حدود مخططات الضم التي تنطوي عليها القرارات الاخيرة لحكومة اسرائيل، بل هي تشمل الضفة الغربية بأسرها، في أوسع هجوم تتعرض له مع بداية العام الجاري.

وبهذا الصدد، أوضح أن محافظة سلفيت لها قسط وافر من الهجمة الاستعمارية الراهنة، التي تتعرض لها الضفة الغربية، وقد باتت ثاني محافظاتها بعد القدس استهدافاً بالاستعمار والتهويد.

ووفق عدد من المعطيات وخرائط الاستعمار، فإن 41 مخططاً هيكلياً جديداً أقرها الاحتلال خلال عام 2025 على أراضي المحافظة، حيث طرحت عطاءات لبناء 10098 وحدة استعمارية جديدة، في أكثر من منطقة، منها: 730 وحدة في مستعمرة "ارئيل" في موقع يبعد أكثر من 2 كيلو متر عنها، مما يعني نية الاحتلال إقامة مستعمرة جديدة، دون الإعلان عن ذلك، ويرافق هذه العطاءات الاستيلاء على الأراضي بالضرورة.

  ففي مطلع العام الجاري استولت سلطات الاحتلال وفق مسمى "أراضي الدولة" على ما مساحته 694 دونماً من أراضي المواطنين في بلدات كفر ثلث، ودير استيا، وبديا من خلال المسؤول عن أملاك الحكومة والغائبين باعتبارها أملاكاً حكومية أو أراضي دولة.

ويأتي ذلك كما هو واضح في إطار مخطط الاحتلال لإقامة تجمع استعماري جديد شرق قلقيلية، وتحديداً إلى الجنوب من مستعمرة "كرني شومرون" تحت مسمى "دوروت".

 ويتزامن ذلك مع عمليات تجريف مستمرة في أراضي المواطنين في منطقة الراس شمال غرب مدينة سلفيت، واقتحامات متواصلة لقرى ياسوف، وكفل حارس، وكفر الديك، وقراوة بني حسان، وبلدة بديا.

ونوه التقرير إلى أن نحو 40 مستعمرة وتجمعا، أكبرها مستعمرة "أريئيل" تجثم على أراضي المحافظة، كما يوجد أربع مناطق صناعية، أقيمت على نحو 2037 دونما هي: منطقة "بركان" الصناعية على مساحة حوالي 1130 دونم، ومنطقة "أرئيل" الصناعية على مساحة 647 دونمًا، ومنطقة "علي زهاف" الصناعية على مساحة حوالي 223 دونمًا ومنطقة "الكناه" الصناعية على مساحة 37 دونمًا.

وفي محافظة الخليل، أعلن وزير الاقتصاد في حكومة الاحتلال نير بركات مؤخرا عن خطط إقامة مجمع  صناعي استعماري جنوب الخليل على أرض مساحتها 2400 دونم، وتقع في موقع استراتيجي على خط التماس، شمال بئر السبع، وقد اُستثمر حتى الآن ما يقارب 12 مليون شيقل في إجراءات التخطيط، ومن المتوقع  أن يتم عرض طلب استثمار إضافي بقيمة 35 مليون شيقل على لجنة التنمية لمناقشته، وذلك بهدف بدء أعمال التطوير، على أن يتم إنجاز المشروع في أقرب وقت ممكن عام 2026.

 وفي الخليل كذلك، يرسل جيش الاحتلال قواته إلى منطقة جنوب جبل الخليل، من أجل منع الفلسطينيين من حراثة وزرع أراضيهم، فقد أرسل جنوده مرات كثيرة في بداية فصل الشتاء بهدف منع الفلسطينيين من زراعة أراضيهم استجابة لطلب المستعمرين.

وفيما يلي مجمل الانتهاكات خلال الأسبوع الماضي:

القدس:

سلمت قوات الاحتلال إخطارات هدم جديدة في تجمعي وادي الأعوج ووادي صعب البدويين شرق المدينة، وأخطرت بإخلاء وهدم أكثر من 20 منزلاً ومنشأة سكنية وزراعية وتجارية في منطقة وعر البيك ببلدة عناتا، بحجة البناء دون ترخيص.

 وفي جبل المكبر، أجبرت بلدية الاحتلال المقدسي المواطن سمير عليان عرار على هدم منزله بيده، كما سلمت في عناتا 40 إخطاراً بهدم منازل إضافية.

وفي بلدة صور باهر، هدمت قوات الاحتلال عددًا من المنشآت الزراعية، وأجبرت عائلة أحمد خضر على هدم منزلها المكون من طابقين بعد تلقي إخطار رسمي، لتجنب هدمه بالقوة ودفع غرامة مالية

كما أعلنت سلطات الاحتلال الاستيلاء على أراضٍ في بلدة بيت حنينا، بموجب "أمر وضع يد"، نحو 286 مترا مربعا، بذريعة "أغراض عسكرية".

وفي قرية مخماس، أصيب أربعة مواطنين في هجوم للمستعمرين، منها ثلاث إصابات بالرصاص الحي، وعلى مقربة منها، رفع مستعمرون علم "جماعات الهيكل" في بؤرة جديدة على أراضي الفلسطينيين.

الخليل:

سلّمت قوات الاحتلال إخطار "بوضع اليد" على تل ماعين الأثري في مسافر يطا لإقامة برج عسكري، بدعم من المتطرف بن غفير. كما اقتحم مستعمرون مناطق حوارة وخلة الحمص، وسرقوا مركبات ومواشي الفلسطينيين، وهاجموا رعاة من عائلة أبو عبيد بالحجارة.

وفي قرية الكوم غرب الخليل، أصدرت سلطات الاحتلال أوامر بهدم أربعة منازل تعود ملكيتها لعائلات الرجوب، وأخطرت باقتلاع آلاف أشجار الزيتون بمحاذاة الشارع الالتفافي.

وفي بلدة السموع، أحرق مستعمرون عشرات الأغنام. وفي منطقة الحرايق المحاذية لمستعمرة "حاجاي"، هدمت قوات الاحتلال بالجرافات عمارة سكنية تعود لعائلة محمد سلهب وتؤوي أكثر من 40 فرداً، وسلمت إخطارات بهدم أربعة منازل في قرية الكوم غرب الخليل،.

وفي تجمع الصوانة بين الظاهرية والرماضين، أجبرت اعتداءات المستعمرين 10 عائلات على الرحيل من منازلها، نتيجة المضايقات المستمرة التي يتعرضون لها.

بيت لحم:

اقتحم مستعمرون أراضي الرشايدة وخلايل اللوز شرق المحافظة، وتسببوا بأضرار كبيرة للمحاصيل الزراعية، كما اقتحم آخرون منطقة واد سيف في بلدة بيت فجار.

وفي مدينة بيت جالا، هدمت قوات الاحتلال منشأة تجارية لبيع قطع السيارات، وأخطرت بوقف البناء في 15 منزلاً في منطقة "المصابيح" شرق بلدة تقوع.

كما هدمت بناية سكنية في منطقة "أرض الدير" في الخضر، وأخطرت بالاستيلاء على أراضٍ تمهيداً لشق طريق استعماري يربط مستعمرتي "جفعات عيتام" و"تكواع".

رام الله:

استولى مستعمرون على أراضٍ في سهل المغير الشرق، وأدخلوا مواشيهم، وهاجموا منازل المواطنين في دير عمار وترمسعيا، كما اختطفوا الشاب راشد فايز عرارة وسلموه لقوات الاحتلال، وسرقوا مواشٍ في قرية يبرود، وتسبّبوا بإصابة 3 شبان ونساء وأطفال، خلال المواجهات.

وفي بلدة شقبا، هدمت قوات الاحتلال منشأة زراعية، فيما وسع مستعمرون بؤرة في بلدة ترمسعيا.

نابلس:

هاجم مستعمرون منازل الفلسطينيين في منطقتي الحرايق وبير قوزا في بيتا، وسرقوا حصاناً من سهل قرية دير شرف.

كما اقتحم عضو الكنيست المتطرف تسفي تسوكوت مدرسة بنات اللبن الشرقية الثانوية، وصوّر داخلها مهدداً الهيئة التدريسية، قبل اقتحام جيش الاحتلال للقرية.

سلفيت: جرف مستعمرون أراضي المواطنين في البؤرة الرعوية "حفاة ابن هايمر" شمال ديراستيا، وهدمت قوات الاحتلال منزلًا مكونًا من طابقين في قرية قراوة بني حسان بحجة البناء دون ترخيص.

الأغوار: سيّج مستعمرون نحو 1500 دونم في منطقة خربة سمرة، ما أُجبر 15 عائلة على تفكيك مساكنها، بينما أجبرت سبع عائلات أخرى على الرحيل من تجمع "الميتة" القريب نتيجة الاعتداءات المتواصلة للمتسعمرين.

كما هاجم مستعمرون مواشي الفلسطينيين في وادي أبو الحيات غرب العوجا، مسبّبين أضرارًا كبيرة للمزارع والمواشي.

المصدر : وكالة وفا اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد المزيد من آخر أخبار فلسطين أبرز عناوين الصحف الفلسطينية الصادرة اليوم السبت مسؤول فلسطيني: مكتب الارتباط في غزة إجراء مؤقت ولا يمسّ بالشرعية الوطنية المغني : اللجنة لا يمكنها دخول غزة خاوية اليدين ولدينا مجموعات شرطية مدربة الأكثر قراءة خطة إصلاحية شاملة - وزير المالية: نمر بمرحلة مالية هي "الأخطر" منذ عام 1994 وزيرة التنمية تحذر من كارثة تجويع في غزة مع قرب رمضان ألقاها رئيس الوزراء بالنيابة عنه - كلمة الرئيس عباس في القمة الافريقية إسرائيل تجهّز مسيّرات لإطلاق الغاز المسيل للدموع بالضفة في رمضان عاجل

جميع الحقوق محفوظة لوكالة سوا الإخبارية @ 2026

المصدر

المصدر: وكالة سوا الإخبارية

كلمات دلالية: الصناعیة على مساحة هدمت قوات الاحتلال سلطات الاحتلال الفلسطینیین من الضفة الغربیة المواطنین فی على أراضی فی منطقة على أراض أکثر من فی قریة فی بلدة إلى أن

إقرأ أيضاً:

الحاجة إلى ثورة على روح الهزيمة

استلهمت هذا العنوان من كتاب المفكر البحريني محمد جابر الأنصاري، الصادر عام 2001، وحمل العنوان نفسه، وقبله بسنوات قرأت كتابَ الراحل ياسين الحافظ "الهزيمة والأيديولوجيا المهزومة" (1978)، ولعل قصدي من العودة إلى هذا الموضوع ما يشعر به كل منا، أو يشاهد في حياته من إحباط لدى الناس، وتبرم مما يحيط بهم إقليميا ووطنيا. فعلى مدار أكثر من نصف قرن، وتحديدا منذ نكبة فلسطين (1948)، ونحن ننام ونستفيق على نغمة الهزيمة، بل إن متون الفكر العربي حبلى بعشرات العناوين التي اتخذت من مقولة الهزيمة مفهوما إرشاديا (Paradigme) للحديث عن الواقع العربي وتحليل إمكانيات تغييره.. فهل يحتاج خطابُنا حول الهزيمة إلى مساءلة نقدية تُسعفه في الانطلاق إلى آفاق نظرية وفكرية أكثر عقلانية، والأهم تساعده على الـتأثير الفعلي والفعال في الواقع العربي العليل بوباء الهزيمة؟

رُب معترض يقول لقد قُتِلت مقولةُ الهزيمة بحثا، ونحتاج إلى قوة الفعل التي ظلت غائبة طيلة هذه العقود، فنخبنا الفكرية، أو على الأقل ثُلة منها، أضاءت الطريق، وعلى الأمة أن تستنهض هُمتها، فتضغط في اتجاه استرجاع العرب لعقلهم، والتصالح مع ذاتهم وتاريخهم، أسوة بما حصل في أكثر من منطقة في العالم. إن وجاهة هذا الاعتراض لا تعفينا من الإقرار بحاجة الفكر العربي إلى مزيد من الحفر لتفكيك الغموض الذي يكتنف أذهان الناس، ويحول بينهم وبين فهم مصادر الهزيمة فهما تاريخيا عقلانيا.

ومن قلب هذه الثلة من المفكرين العرب مَن وضع إصبعه مبكرا على داء الهزيمة، وكما حصل للمؤرخ المغربي عبد الله العروي ("العرب والفكر التاريخي"، 1973)، والسوري ياسين الحافظ ("الهزيمة والأيديولوجيا المهزومة"، 1978)، وإحسان مراش ("مدخل إلى تطبيق الماركسية في الواقع العربي"، 1975)، وهناك من استكمل المسيرة لاحقا، من قبيل برهان غليون ("العرب ومعركة السلام"، 1999)، ومحمد عابد الجابري في رباعيته حول "نقد العقل العربي"، ومحمد جابر الأنصاري في مجمل ما كتب، وتحديدا كتاب "مساءلة الهزيمة".

تكمن قيمة المطالبة بمساءلة الهزيمة نقديا في السعي إلى تعرية (Démystification) أيديولوجيا الهزيمة وإزالة الأوهام التي تلف مَضانّ تكوينها. فمنذ حصول النكبة ونحن نرثي مصائبنا دون التقدم على طريق التجاوز التاريخي لأعطابنا، بل إن قدرا كبيرا من التكلس ألمّ بمجمل تيارات الفكر في مجالنا العربي. فسواء كنا قوميين، أو ليبراليين ديمقراطيين، أو نهضويين، نشعر جميعا بالهزيمة جاثمة على صدورنا، بل إن وتيرة تطور الأحداث في منطقتنا تمنحنا الدليل غير القابل للاعتراض على أن زمن الهزيمة هو السائد في أوطاننا.

إن المساءلة، بحسبها عملية ذهنية نقدية بامتياز، تُرغمنا على التمييز بين الهزيمة كمعطى سوسيولوجي وتاريخي، وبين التفكير فيها، أي في تجاوزها بالإيجاب. ثم إن التفكير وحده لا يكفي لصنع الانتصار ودَحر الهزيمة، بل يحتاج إلى رافعة تُنزله منزلةَ التطبيق والإعمال، وإلا يبقى مجرد تفكير ليس إلا. إن الرافعة الضرورية لهذا التنزيل تتجسد في القوة الكامنة في التفاف الدولة والمجتمع حول مشروع نزع روح الهزيمة من حياتنا، وهو ما نراه، مع الأسف، فاترا وغير واضح بما فيه الكفاية.

تجدُ أيديولوجيا الهزيمة عَضُدَها في التصورات التي تخترق أذهانَ الناس في التعاطي مع حال هزيمتهم، وفي صدارتها رأي يرى أن بالنكبات والهزائم تستعيد الأمم حيويتَها وقدرتَها على الفعل الحضاري، وقد جاراه في هذا المنحى بعض المثقفين فشرعوا ينقبون في بطون التاريخ ليستخرجوا أمثلة يستدلون بها على رجاحة هذا الاعتقاد. فمن ذلك قولهم: لولا هزيمة بروسيا أمام حملة نابليون لما دبت الحيوية من جديد في الجسم الألماني، ولما أينعت قُطوف الفكر والفلسفة، وازدهرت المعرفة النقدية، ولما تحققت الوحدة الألمانية أصلا. والمثال نفسه ينسحب على اليابان، التي كادت المغامرات العسكرية تعصف بحركة الحداثة في مجتمعها، وهو ما وقع في الصين، حين أعاد الاستعمار البريطاني، من حيث لا يدري، المناعةَ إلى الأمة الصينية، الي نخرها الفساد.

فالخلاصة إذن، أن ثمة علاقة طردية بين النكبة أو الهزيمة واليقظة أو النهضة، ولعلي بهؤلاء يعيدون دروس علم النفس، أي العلاج بالصدمات.. فيكفي أن تتزايد نكبات العالم العربي، أي صدماته، لتستعيد مجتمعاته حيويتَها، وتدِب النهضة في مفاصل جسمه ككل.. بيد أن هذا التصور الذي لفﱠ بذهن الإنسان العربي واستحكمَ في فهمه للهزيمة وسبل الخروج منها، لم تثبُت صدقيتَه في وقائعُ الحال، إذ منذ نكبة فلسطين والهزائم تتوالى على أوطاننا، والأخطر كنا مع بداية الألفية الجديدة، وما زلنا، أكثر المناطق في العالم مختبرا للهزائم، ومع ذلك لم يكن دواء الحكيم، أي العلاج بالصدمات، شافيا لوباء الهزيمة في حياتنا.

إلى جانب هذا الرأي هناك تصورات أخرى للهزيمة، أهمها تلك التي توعِز مصادر ما يحصل في حياتنا إلى نوع من القدَر التاريخي، الذي ليس للعرب القوة على تجنبه، والحال أن "القدَرية"، تجد سندها في روح الإحباط، وانسداد التفكير العقلاني، وارتباك الرؤية إلى المستقبل، وهي سمات ذات قيمة منهجية كبيرة في تفسير استمرار روح الهزيمة في أوطاننا. إن مكمن الخطر في مثل هذا الإدراك، يتجسد في تنحيته إرادة الإنسان وقدرته على التغيير، ويتجلى في إلغائه العقل ودوره في تأطير سيرورة التقدم نحو الأفضل.. الحاجة إذن إلى ثورة ذهنية تفكك أيديولوجيا الهزيمة، وتعيد بناء مُدركات الإنسان العربي لواقع حاله على أسس يتنزل العقل فيها منزلة المرشِد والمخطط والموجه، وهذا ليس بمستحيل أو بعيد إن توفرت له شروط الاكتمال والكفاية.

إن أهم خطوة في نقد الذهنيات وفتح باب الحداثة أن نتجنب الأسئلة الزائفة عن أوضاعنا، وأن نمتلك جرأة السؤال، وإرادة الإقدام على الإجابة عنه، فحين نكسب هذه الخطوة، وهي ضرورة واستراتيجية، نكون قد عبّدنا الطريق إلى مساءلة الهزيمة، ووفرنا العدة المنهجية والمعرفية لمقاربة مصادر وقوعها بانتظام في أوطاننا، وإذ ذاك فقط نكون حققنا الانتصار، ليس على الهزيمة، ولكن على الأيديولوجيا المهزومة، تكمن في الهزيمة في حد ذاتها، ولكن في التفكير بعقل الهزيمة.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.

مقالات مشابهة

  • تقرير بريطاني: إيران ألحقت أضرارا بالغةً بـ 20 قاعدة أمريكية في 8 دول
  • 243 عملا مقاوما في الضفة والقدس خلال أيار
  • الاحتلال يصعد ضد المزارعين الفلسطينيين.. حرائق وتجريف واعتقالات في الخليل وجنين ونابلس
  • مستوطنون يهاجمون منازل ويحرقون أراضي زراعية في مادما جنوبي نابلس
  • الاحتلال يُواصل تجريف أراضي مزروعة بالزيتون جنوب جنين
  • ثورة في أرسنال.. بطل الدوري الإنجليزي يعرض سبعة من لاعبيه للبيع
  • 6 شهداء لبنانيين.. عون: لا خيار إلا التفاوض.. وكاتس: عملياتنا مستمرة
  • الحاجة إلى ثورة على روح الهزيمة
  • الاحتلال يتجه لبناء 2721 وحدة استيطانية جديدة في الضفة الغربية
  • إصابة 3 أشخاص في عملية دهس جنوب الضفة.. وجيش الاحتلال يعلن مقتل المنفذ