جريدة الرؤية العمانية:
2026-06-02@16:59:31 GMT

الشيخ الكملي وعروبة البربر

تاريخ النشر: 21st, February 2026 GMT

الشيخ الكملي وعروبة البربر

 

 

سعيد بن عبدالله الدارودي

 

تعرَّض الشيخ الدكتور سعيد بن محمد الكَمَلي أحد أبرز الدعاة المعاصرين في العالم الإسلامي إلى حملة شرسة من بعض التيَّارات الشعوبية المرتبطة بالحركة الأمازيغية، بسبب تسجيل قديم له أشارَ فيه إلى أن أصول البربر ترجع إلى قبائل عربية يمنية حميرية، مستندًا إلى ما ورد في كتب التاريخ الإسلامي الكلاسيكية.

يتهم منتقدو الشيخ بأنه يساهم في «طمس الهوية الأمازيغية»، وأنه تجاوز تخصصه الديني. ليخوض في التاريخ والأنساب. لكن الحقيقة أن كلامه لم يكن اجتهادًا شخصيًا، بل نقل أمين لما ذكرته مصادر عريقة ومعروفة لدى المؤرخين.

الشيخ لم يدّعِ أنه مؤرخ متخصص، ولم يُلصق بهم هوية مصطنعة، بل نقل ما هو مدوّن في التراث؛ والعلم الحديث أكد هويتهم العربية ـ من خلال الاكتشافات اللغوية والثقافية ـ فعزّز بها الانصهار التاريخي، فصار البربر جزءًا لا يتجزأ من النسيج العربي الواسع، سبيكة ذهبية واحدة تجمعت بعد تفرق.

ولم يكن الكملي وحده في هذا الرأي فقد سبقه مفتي سلطنة عُمان الشيخ أحمد الخليلي الذي قال أمام جمع من البربر في ليبيا: "إنَّ أصولكم عربية وليست أعجمية كما تعتقدون". وتتعدد القرائن الداعمة لهذا التقارب: 

* العمارة: المنازل البربرية التقليدية تشبه إلى حد كبير البيوت اليمنية في تصميمها وهندستها.

* الموسيقا والغناء: سنجد تشابهًا بين كل من الأغاني والموسيقا الشعبية في بعض المناطق اليمنية وأغاني وموسيقا البربر، وقد أكدت هذا التشابه الكبير دراسات حديثة لعلماء أوروبيين في مجال الموسيقا أقدمهم روبرت لخمان سنة 1922م ؛ وهانس هلفرتس الذي قام في النصف الأول من القرن العشرين 1933-  1935م باختيار أغنيتين يمنيتين من محافظة صنعاء؛ الأغنية الأولي من منطقة بني إسماعيل في مديرية حراز والأغنية الثانية من منطقة بني مطر وتمت مقارنتهما بأغنيتين من أغاني البربر من منطقة القبايل في الجزائر، فوجد تشابهًا كبيرًا بينها وتماثلًا في الإيقاع والترنيمة وذكر هؤلاء العلماء بأن وجود هذا التشابه الكبير لا يحدث مصادفة، بل يحتم علي المرء افتراض وجود علاقة حميمة بين البربر واليمنيين، فالسمات الموجودة في الأغاني والألحان التراثية اليمنية موجودة تمامًا في الأغاني والألحان التراثية البربرية والتصفيق والمُحجرة، وتظهر بوضوح كامل في طرق أدائها وألحانها التي تتطابق تمامًا.

* الأزياء: أزياء نساء اليمن في بعض المناطق تكاد تتطابق مع أزياء نساء البربر.

* اللسان: اللهجات البربرية تتشابه وتتقارب مع لهجات ولغات المشرق العربي، القديمة منها والمعاصرة؛ معجمًا وصرفًا ونحوًا وتركيبًا. والباحث اللغوي المعروف محمد شفيق ـ الذي يُقدّس عند البربر الشعوبيين ـ أبدى حيرته عندما اكتشف تقاربًا واضحًا بين اللسان البربري والعربي. وثَّقه في بحث له بعنوان «ما هي علاقة المازيغية بالعربية في جذورها الكبرى؟» منشور عام 1976 ميلادي في مجلة «البحث العلمي»، أشارَ فيه إلى أنَّ «معجم لسان العرب» قال عن بعض المفردات المشتركة بين البربرية والعربية إنها كلمات حِمْيَرية (أو يمانية)، وأشار أيضًا إلى أن المغاربة الذين زاروا اليمن ذكروا بأن أصالة وإيقاعات الجُمَل في كلام اليمنيين أشبه شيء بما يُسمع اليوم في كلام البربر. وعن التقارب المعجمي الواضح سنكتفي بأمثلة من اللهجات اليمنية المعاصرة:                           

البربرية تامّازلا: السِّباق ــــ العامية اليمنية المُزاللة: السباق.

البربرية أركس: الخُفُّ يُلبس بالرجل عامةً ــــ العامية اليمنية الرَّقيص: الحذاء، النعل.

البربرية تاغونت: الحِبالة، أي الشَّرَك من الحِبال ــــ العامية اليمنية الغُوْنة: الحِبالة، وكذلك طيّة في طرف الحبل ... (جمعها: غُوَن).

البربرية أغراو: الشريط من خوص مفتول ونحو ذلك (المعجم العربي الأمازيغي ـ محمد شفيق ـ الجزء الأول ـ صفحة 594) ــــ العامية اليمنية الأغراو: الحبال الرفيعة من الليف ونحوه (مفردها: الغَرْو).

* في ظفار جنوب سلطنة عُمان حروف قديمة غير مقروءة تُعدُّ بالآلاف، اكتشفها الباحث علي أحمد الشحري، ثم صمَّم جدولين لمقارنتها بالحروف الليبية والتيفيناغية، وسجَّل مقطعًا في (اليوتيوب) يعرض فيه الجدولين ويثبت فيهما تطابق أشكال الحروف الظفارية بأشكال حروف الأبجديتين تطابقًا تامًَّا، والجدير بالذكر أنَّ من يُدقِّق فيهما سيجد بعض هذه الحروف تنفرد بها الأبجدية الليبية، وأخرى تنفرد بها التيفيناغ، لكن الملفت للانتباه أنَّ هذه الأحرف المختلفة بينهما موجودة كلها في الحروف المكتشفة بجنوب سلطنة عُمان.

* في ظفار أيضًا، نجد صِيَغ الطوبونيميا البربرية شاخصة هناك، خاصَّة في المناطق الجبلية؛ فإليكم غيض من فيض هذه المسمّيات:

أشنقار- أكوجال- أنجودان- أيت زربيج- أت خُطِي- شعيب أيت سعيد- إكلو- أشهيب- أضاض- أرير- أقصقيص- أشطو- أحالا- أرزوم- أغبير- أحسرين- أغنجات- إتوت- أحمري- أخضيار- تدبور- توسنات- أحجير- أزغاف- أتشاشوط- أرشنيال- إزحي- أغردام- أهروك- أضبيض- إيكسات- أفيدي- أهليش- أمحلا- أمبروف.

تبقى كلمة أخيرة، وهي: إنَّ توعية الأجيال بعراقة البربر في العروبة ليست دعوة تعصب، بل واجب علمي وثقافي يقع على عاتق الباحثين وعلماء الدين والمثقفين والإعلاميين. فهل نتحمل المسؤولية وننقل الحقيقة التاريخية والعلمية بأمانة، أم نترك المجال للتشويه والتفرقة؟

المصدر

المصدر: جريدة الرؤية العمانية

إقرأ أيضاً:

سلطنة عُمان تحتفل باليوم العالمي للتجارب السريرية

"عُمان": شاركت سلطنة عُمان ممثلة في المدينة الطبية الجامعية في الاحتفاء باليوم العالمي للتجارب السريرية من خلال تنظيم فعالية توعوية ومعرفية سلطت الضوء على أهمية التجارب السريرية ودورها المحوري في تطوير العلاجات الطبية الحديثة وتحسين جودة الرعاية الصحية.

وأكدت المدينة الطبية الجامعية عبر حسابها الرسمي في منصة "إكس" أن التجارب السريرية تمثل إحدى ركائز التقدم الطبي، متجاوزة حدود البحث التقليدي لتصبح أساسًا للابتكارات العلاجية التي تسهم في تحسين حياة المرضى وتطوير الخدمات الصحية، كما تعكس قدرة الأنظمة الصحية على تحويل المعرفة العلمية إلى حلول عملية ذات أثر ملموس في المجتمع.

واستعرضت الفعالية جهود وحدة التجارب السريرية بالمدينة الطبية الجامعية ودورها في إدارة وتنفيذ الدراسات السريرية وفق المعايير العلمية والأخلاقية المعتمدة عالميًا، إلى جانب إبراز منظومة العمل المتكاملة التي تدعم تنفيذ هذه الدراسات بكفاءة واحترافية. كما أتاحت الفعالية فرصة للتعريف بمراحل التجارب السريرية وأهميتها في تقييم مأمونية وفاعلية الأدوية والعلاجات الجديدة قبل اعتمادها للاستخدام الواسع.

وتأتي هذه المشاركة في إطار التزام المدينة الطبية الجامعية بترسيخ ثقافة البحث العلمي والابتكار، وتعزيز الوعي المجتمعي بأهمية التجارب السريرية، وتشجيع الكفاءات الوطنية على الانخراط في مجالات البحث الطبي، بما يدعم جهود تطوير القطاع الصحي في سلطنة عُمان ويرفد منظومة الرعاية الصحية بالمعرفة العلمية الحديثة.

وتبرز أهمية التجارب السريرية باعتبارها الوسيلة العلمية الأساسية لتقييم فعالية العلاجات والأدوية والتقنيات الطبية الجديدة، حيث تسهم في اكتشاف خيارات علاجية أكثر أمانًا وكفاءة، وتحسين نتائج الرعاية الصحية، ورفع جودة الخدمات المقدمة للمرضى. كما تتيح هذه الدراسات فرصًا للوصول المبكر إلى العلاجات المبتكرة، وتدعم اتخاذ القرارات الطبية المبنية على الأدلة والبراهين العلمية.

ويمثل الاحتفاء باليوم العالمي للتجارب السريرية مناسبة لتقدير جهود الباحثين والأطباء والممرضين والفرق البحثية والمتطوعين المشاركين في الدراسات السريرية، الذين يسهمون بصورة مباشرة في تطوير المعرفة الطبية وتحسين صحة الإنسان. كما يشكل فرصة للتأكيد على أهمية الاستثمار في البحث العلمي باعتباره أحد المحركات الرئيسة للتنمية المستدامة والارتقاء بجودة الحياة.

وتحتفل المؤسسات الصحية والبحثية حول العالم في العشرين من مايو من كل عام باليوم العالمي للتجارب السريرية، وهو مناسبة علمية تسلط الضوء على الدور المحوري للتجارب السريرية في تطوير الأدوية والعلاجات والتقنيات الصحية الحديثة وتعزيز الرعاية الصحية القائمة على الأدلة العلمية.

ويعود اختيار هذا التاريخ إلى التجربة التي أجراها الطبيب الإسكتلندي جيمس ليند عام 1747م، والتي تعد أول تجربة سريرية موثقة في التاريخ الحديث، وأسهمت في إرساء الأسس العلمية للبحوث الطبية المعاصرة، ما جعل هذا اليوم مناسبة عالمية للاحتفاء بالباحثين والعاملين في مجال التجارب السريرية والمتطوعين المشاركين فيها ودورهم في تطوير الطب الحديث.

وفي سلطنة عُمان، تحظى التجارب السريرية باهتمام متزايد ضمن التوجهات الوطنية الرامية إلى تعزيز البحث العلمي والابتكار الصحي ورفع كفاءة المنظومة الصحية، حيث شهدت السنوات الأخيرة توسعًا ملحوظًا في الاهتمام بالبحوث الطبية السريرية من خلال المستشفيات المرجعية والمؤسسات الأكاديمية والبحثية المتخصصة، بما يعزز مكانة السلطنة كمركز إقليمي واعد في مجال البحث الطبي.

وتنعكس نتائج التجارب السريرية على مختلف جوانب المنظومة الصحية، إذ تسهم في تطوير السياسات العلاجية، وتعزيز جودة الخدمات الصحية، وبناء قدرات الباحثين والأطباء والعاملين في القطاع الصحي، إلى جانب دعم الاقتصاد المعرفي القائم على الابتكار والبحث العلمي وتعزيز التعاون بين المؤسسات الصحية والأكاديمية والبحثية على المستويين المحلي والدولي.

ومع استمرار تطور القطاع الصحي في سلطنة عُمان، تتجه المؤسسات الصحية والبحثية نحو تعزيز حضورها في مجال التجارب السريرية والبحوث الطبية المتقدمة، بما ينسجم مع مستهدفات "رؤية عُمان 2040" الرامية إلى بناء اقتصاد قائم على المعرفة والابتكار وتعزيز تنافسية السلطنة في المجالات العلمية والبحثية والصحية.

مقالات مشابهة

  • بحث تعزيز التعاون الصناعي والاستثماري بين عُمان وبيلاروس
  • عُمان الشامخة
  • جريمة قتل ضحيتها 4 أشخاص تهز الجالية اليمنية في الولايات المتحدة الأمريكية
  •   من بيروت إلى باب المندب…إيران تهدد بفتح جبهة في المياه الإقليمية اليمنية رداً على التصعيد الإسرائيلي
  • سلطنة عُمان تحتفل باليوم العالمي للتجارب السريرية
  • في الذكرى ال5 للإدارة الحالية.. موظفو الخطوط الجوية اليمنية يستعرضون إنجازات الشركة وسط ظروف استثنائية
  • سلطنة عُمان تتصدر دول العالم لوجستيا
  • نفي شائعة متداولة بشأن درجات الحرارة في سلطنة عُمان
  • عيد الغدير في اليمن .. تجليات الولاء وتجذر الارتباط الإيماني في وجدان القبيلة اليمنية
  • إنفوجرافيك | الغدير في اليمن .. تجليات الولاء وتجذر الارتباط الإيماني في وجدان القبيلة اليمنية