عبيدلي العبيدلي **

لا يكتمل فهم التنويع الاقتصادي إذا حُصر في كونه انتقالًا في هيكل الإنتاج أو الصادرات فقط.  فالتجربة المقارنة تُظهر أن التنويع - حين ينجح - يُطلق سلسلة من التحولات الاجتماعية العميقة تتجلى بصورة مباشرة في سوق العمل. ذلك أن الاقتصاد الأحادي غالبًا ما يخلق "سوق عمل مزدوجًا": شريحة صغيرة من وظائف عالية الأجر مرتبطة بالقطاع الريعي أو القطاع العام، وشريحة واسعة من وظائف منخفضة الإنتاجية في الأنشطة التقليدية، مع فجوات واضحة بين الجنسين، وبين الأقاليم، وبين فئات التعليم.

وعندما تتحرك الدولة نحو التنويع، فإنها -عمليًا- تعيد صياغة العلاقة بين المواطن وفرص العمل، وبين التعليم والمهارة، وبين القطاع الخاص ودوره في توليد الوظائف.

تتبدى أولى حلقات هذا التحول في توسيع قاعدة الطلب على العمل المنتج. فالتنويع الحقيقي يدفع نحو قطاعات صناعية وخدمية أعلى قيمة مضافة، ما يرفع الطلب على المهارات المتوسطة والعليا، ويقلل الاعتماد على التوظيف الحكومي بوصف كونه "صمام أمان" اجتماعيًا. غير أن هذا الانتقال ليس خطيًا؛ إذ يتطلب وقتًا تتبدل خلاله أنماط التفضيل المهني، وتتغير تصورات المجتمع عن القطاع الخاص، وتتطور منظومات التدريب والتأهيل. هنا تتقاطع السياسات الاقتصادية مع سياسات سوق العمل، لأن التوسع في القطاعات الجديدة لا يُترجم تلقائيًا إلى وظائف لائقة ما لم تُصمم حوافز التوظيف، وبرامج التدريب، وآليات المواءمة بين المهارات والوظائف.

وتمنح تجارب البلدان العربية شواهد ملموسة على أثر التنويع في إعادة تشكيل سوق العمل، خصوصًا في دول الخليج التي اتخذت مسارًا معلنًا لتقليص الاعتماد على النفط والإنفاق الريعي. ففي المملكة العربية السعودية، تكشف بيانات الهيئة العامة للإحصاء عن ارتفاع ملموس في مشاركة المرأة في سوق العمل خلال السنوات الأخيرة، حيث بلغت مشاركة السعوديات في قوة العمل 36.2% في الربع الثالث من 2024، وارتفعت نسبة المشتغلات إلى السكان للسعوديات إلى 31.3% في الفترة نفسها. وتعكس هذه الأرقام ليس فقط تحولًا تشريعيًا أو تنظيميًا، بل تحولًا اجتماعيًا أوسع يتصل بتغير أنماط العمل، وتوسع قطاعات الخدمات، وتزايد الطلب على مهارات جديدة داخل السوق المحلي.

وفي المقابل، توضح المؤشرات أن التحول الهيكلي لا يضمن بذاته حل تحدي البطالة الوطنية دون سياسات سوق عمل مرافقة. ففي السعودية أيضًا بلغ معدل بطالة السعوديين 7.8% في الربع الثالث من 2024، وهو ما يبرز أن خلق الوظائف يتطلب أكثر من نمو القطاعات؛ إذ يحتاج إلى سياسات فعالة لرفع الإنتاجية، وتحسين قابلية التوظيف، ومعالجة اختلالات الأجور والحوافز بين القطاعين العام والخاص.

أما في الإمارات العربية المتحدة، فإن اتساع مساهمة القطاعات غير النفطية في الناتج يعكس مسارًا تنويعيًا ينعكس في طبيعة الوظائف ونمو الطلب على المهارات. وتفيد بيانات رسمية بأن القطاعات غير النفطية أسهمت بنحو 75% من الناتج المحلي في النصف الأول من 2024 ، فيما أشار تقرير رسمي آخر إلى أن الناتج غير النفطي بلغ 1.342 تريليون درهم ضمن الناتج الحقيقي لعام 2024.

ورغم أن هذه المؤشرات كلية، إلا أنها تُظهر أن التنويع حين يتحقق على مستوى الناتج، فإنه يخلق بيئة أكثر اتساعًا لتوليد وظائف في النقل واللوجستيات، والخدمات المالية، والسياحة، والتكنولوجيا، وهي قطاعات ذات أثر اجتماعي مباشر عبر توسعة الطبقة الوسطى ورفع فرص الترقي المهني.

ومن الناحية الاجتماعية، يتيح التنويع الاقتصادي للدول العربية فرصًا مهمة لمعالجة اختلالات تاريخية في سوق العمل، أبرزها: الاعتماد المفرط على القطاع العام، وضعف الإنتاجية في القطاع الخاص، والازدواجية بين العمالة الوطنية والوافدة، والفجوات بين الجنسين. لكنه في الوقت نفسه يطرح تحديات انتقالية، لأن إعادة توزيع فرص العمل بين القطاعات قد تُحدث مقاومة اجتماعية إذا لم تُصاحبها سياسات حماية اجتماعية وإعادة تدريب. ولذلك، تميل التجارب الأكثر نجاحًا إلى الجمع بين "سياسات تنويع قطاعية"،  وبين "سياسات سوق عمل نشطة"، مثل دعم الأجور الموجه، وبرامج التدريب المرتبط بالوظائف، وإصلاحات أنظمة العمل، والتوسع في خدمات رعاية الأطفال وتمكين المرأة—بوصفها أدوات تُترجم التحول الاقتصادي إلى تحول اجتماعي أكثر عدالة واستدامة.

ويمكن تعميق هذا البعد الاجتماعي عبر رصد ثلاث آليات مركزية يفعّلها التنويع الاقتصادي في سوق العمل العربي. تتمثل الآلية الأولى في إعادة توزيع فرص العمل جغرافيًا واجتماعيًا. فالاقتصادات الأحادية تميل إلى تركّز النشاط الاقتصادي في عواصم أو مناطق محدودة مرتبطة بالقطاع الريعي، بينما يتيح التنويع—خصوصًا في الصناعة والخدمات اللوجستية والسياحة—انتشارًا أوسع للوظائف عبر الأقاليم. وقد أظهرت تجارب دول مثل المغرب ومصر أن التوسع في المناطق الصناعية المتخصصة والمناطق الاقتصادية أسهم في خلق فرص عمل خارج المراكز التقليدية، وإنْ ظلّ الأثر متفاوتًا تبعًا لجودة الربط بالبنية التحتية والتعليم الفني.

خلاصة القول إن التنويع الاقتصادي—في السياق العربي—ليس مجرد مشروع اقتصادي، بل هو مشروع اجتماعي أيضًا. فهو يعيد تشكيل قيم العمل، ويغيّر التوقعات المهنية للأجيال الجديدة، ويرفع أهمية المهارة والإنتاجية بوصفهما معيارين للصعود الاجتماعي. ومن ثم، فإن قياس نجاح التنويع لا ينبغي أن يقتصر على نسب مساهمة القطاعات غير النفطية أو نمو الصادرات، بل يجب أن يشمل مؤشرات سوق العمل: مشاركة المرأة، تشغيل الشباب، إنتاجية العمل، جودة الوظائف، ونسب الانتقال من القطاع العام إلى الخاص.

** خبير إعلامي

رابط مختصر

المصدر

المصدر: جريدة الرؤية العمانية

إقرأ أيضاً:

حمدان بن محمد يطّلع على خطط دائرة الاقتصاد والسياحة لتسريع وتيرة النمو الاقتصادي

أكد سمو الشيخ حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم، ولي عهد دبي، نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع، رئيس المجلس التنفيذي لإمارة دبي، أن تعزيز مرونة اقتصاد دبي يمثل أولوية استراتيجية لضمان استدامة النمو، ومواكبة المتغيرات الاقتصادية العالمية، في إطار مستهدفات أجندة دبي الاقتصادية D33 الرامية إلى بناء اقتصاد متنوع قائم على الابتكار والشراكات الفاعلة.

 

وقال سموّه: "نواصل العمل على تطوير منظومة اقتصادية مرنة وقادرة على استيعاب التحولات العالمية، من خلال تبني سياسات مبتكرة وتعزيز التكامل بين مختلف القطاعات، بما يدعم تنافسية دبي ويرسّخ مكانتها مركزاً عالمياً للأعمال والاستثمار."

 

وأضاف سموّه:"حريصون على تعزيز الشراكة بين القطاعين الحكومي والخاص، وتوفير بيئة أعمال جاذبة تتيح فرصاً نوعية للنمو والتوسع، بما يسهم في تحقيق مستهدفاتنا الاقتصادية ويعزز جاهزية دبي لمتطلبات المستقبل."

 

جاء ذلك خلال زيارة سموه إلى دائرة الاقتصاد والسياحة بدبي والتي اطّلع خلالها على خططها لتسريع وتيرة النمو الاقتصادي في الإمارة.

 

ووجّه سموه خلال تفقده سير العمل في الدائرة بمواصلة اتخاذ الخطوات اللازمة لتعزيز مرونة الاقتصاد في دبي ودفع عجلة نموه، مؤكداً أهمية التعاون مع الشركاء في القطاعين العام والخاص لترسيخ مكانة الإمارة مركزا عالميا رائدا للتجارة والسياحة والاستثمار.

 

أخبار ذات صلة حمدان بن محمد يصدر قراراً بشأن تنظيم استخدام الكاميرات في توثيق مهام ضبط المخالفات وإجراءات تنفيذ الأحكام حمدان بن محمد: مستمرون في دعم اقتصادنا وقطاعنا السياحي

وكان في استقبال سموه لدى وصوله إلى دائرة الاقتصاد والسياحة بدبي ، معالي هلال سعيد المري، المدير العام للدائرة وعدد من كبار المسؤولين.

 

واستعرض معاليه أبرز المشاريع والمبادرات الحالية والمستقبلية التي تقودها الدائرة لدعم الاقتصاد بمختلف قطاعاته، إلى جانب جهودها في التعامل مع المستجدات الأخيرة، بما في ذلك الأمن الغذائي وقطاع الضيافة.

 

وجدد سمو الشيخ حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم ثقته بقدرة دبي على تحقيق نمو مستدام في القطاعات الرئيسية، مشيداً بالتزام الدائرة بتنفيذ مستهدفات أجندة دبي الاقتصادية D33، وتعزيز مكانة الإمارة كإحدى أفضل مدن العالم في الأعمال والاستثمار والابتكار، وذلك استناداً إلى التوصيات التي صدرت عن الاجتماع الأخير الذي استضافه "مجلس دبي" وشارك فيه حوالي 300 من كبار المسؤولين وقادة مجتمع الأعمال في الإمارة.

 

من جانبه، أكد معالي هلال سعيد المري أنه وبتوجيهات صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، ومتابعة سمو الشيخ حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم، ولي عهد دبي، نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع، رئيس المجلس التنفيذي لإمارة دبي، تواصل الإمارة إظهار مرونة اقتصادية عالية، مدعومة باستجابة منسقة تتسم بالسرعة والوضوح والثقة، مشيراً إلى أن النهج الاستراتيجي للدائرة وتعاونها مع مختلف الشركاء والجهات المعنية في القطاعين العام والخاص يمكّنها من التعامل بكفاءة مع التحديات العابرة وقصيرة المدى، مع التركيز على تحقيق الأهداف الطموحة لأجندة دبي الاقتصادية D33، وترسيخ مكانة دبي على الخارطة العالمية وجهة رائدة للأعمال والترفيه.

المصدر: وام

مقالات مشابهة

  • الأمير الحسن يؤكد أهمية مأسسة العمل الاقتصادي
  • وزارة النقل تتابع تنفيذ مشاريع التحديث الاقتصادي في القطاع
  • فيديو عيد ميلاد سهام جلال يتصدر مواقع التواصل الاجتماعي
  • الأمير الحسن يؤكد أهمية مأسسة العمل الاقتصادي وتعزيز دور الصناعة في بناء اقتصاد منتج ومستدام
  • حمدان بن محمد يطّلع على خطط دائرة الاقتصاد والسياحة لتسريع وتيرة النمو الاقتصادي
  • ماليزيا تحظر على الأطفال دون سن 16 عاماً امتلاك حسابات على وسائل التواصل الاجتماعي
  • حيدر سلّم منظمة العمل الدولية تقريراً بخسائر القطاع العمالي جراء العدوان
  • خطوات التقديم والأماكن المتاحة لحجز شقق الإسكان الاجتماعي 2026
  • خلال أيام.. الإسكان الاجتماعي يحذر من إلغاء تخصيص الوحدات في هذه الحالة
  • «الغرف العربية»: دعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة مفتاح التمكين الاقتصادي