يشكّل المسجد الأقصى اليوم بوصلة التوتر في القدس، وعنوانًا لصراعٍ يتجاوز البعد الديني إلى أبعاد قانونية وسياسية واستراتيجية عميقة. فالمسألة لم تعد تتعلق بإجراءات ميدانية متفرقة، بل باتت تمسّ جوهر «الوضع التاريخي القائم» الذي استقرّ عليه العرف الدولي، وترتكز عليه معادلة دقيقة حافظت – رغم هشاشتها – على حد أدنى من الاستقرار في المدينة المقدسة.



التطورات الأخيرة، بما تحمله من اقتحامات لمرافق المسجد، واعتقالات لحراسه، وتضييق على عمل الأوقاف الإسلامية، تثير تساؤلات مشروعة حول وجود محاولة لإعادة تشكيل الواقع الإداري داخل الحرم الشريف، بما يفضي إلى فرض هيمنة أمنية مباشرة تتعارض مع المرجعيات القانونية الناظمة للمكان.

الوصاية الهاشمية شرعية تاريخية واتفاق سياسي راسخ على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس وهي ليست توصيفًا سياسيًا عابرًا، بل تستند إلى جذور تاريخية تعود إلى عام 1924، وتكرّست في محطات مفصلية، أبرزها معاهدة السلام الأردنية–الإسرائيلية عام 1994 التي أقرت بالدور الأردني الخاص في رعاية الأماكن المقدسة الإسلامية في القدس.

كما تعزز هذا الدور باتفاقية عام 2013 بين القيادة الفلسطينية ممثلةً في الرئيس الفلسطيني محمود عباس  وجلالة الملك عبد الله الثاني، التي أكدت الوصاية الهاشمية ومنحت الأردن صلاحية الدفاع عن المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس في المحافل الدولية. هذا الاتفاق جسّد وحدة الموقف الأردني–الفلسطيني، ورسّخ شراكة استراتيجية في حماية هوية المدينة ومقدساتها.

بموجب القانون الدولي.. القدس الشرقية، وفقًا لقرارات الأمم المتحدة ومجلس الأمن، تُعدّ أرضًا محتلة منذ عام 1967، ولا يعترف المجتمع الدولي بضمّها أو تغيير طابعها القانوني والديمغرافي. كما تنص اتفاقيات جنيف الرابعة واتفاقيات لاهاي على حماية الأماكن الدينية والثقافية في الأراضي المحتلة، وتحظر على سلطة الاحتلال اتخاذ إجراءات تغيّر من الوضع القائم أو تمسّ بالمؤسسات الدينية المحلية.

وعليه، فإن أي تدخل مباشر في إدارة المسجد الأقصى، أو فرض قيود على شعائر دينية، أو التضييق على موظفي الأوقاف، يندرج ضمن أفعال تتعارض مع أحكام القانون الدولي الإنساني. فالمسجد الأقصى ليس موقعًا محليًا فحسب، بل موقع ذو مكانة دينية عالمية، وأي تغيير في طبيعته القانونية أو الإدارية ينعكس على السلم الإقليمي والدولي.

أبعاد استراتيجية تتجاوز حدود القدس ، اذ لا يمكن النظر إلى ما يجري في الأقصى بمعزل عن السياق السياسي الأشمل. فالقدس تمثل قلب مشروع التسوية السياسية، وأي مساس بالوضع القائم فيها يضعف الثقة في إمكانية الوصول إلى حل عادل ودائم. كما أن  تجاوز الدور الأردني يخلّ بمعادلة إقليمية دقيقة أسهمت، عبر عقود، في احتواء الأزمات المتكررة داخل الحرم.

إن استمرار هذه السياسات يحمل مخاطر جدية، من بينها:، تصعيد التوتر في القدس والضفة الغربية. وتقويض فرص استئناف أي مسار تفاوضي ذي مصداقية ، وهذا من شأنه توسيع دائرة الاحتقان الإقليمي نظرًا للمكانة الدينية للقدس لدى المسلمين والمسيحيين حول العالم.

إن حماية المسجد الأقصى وصون الوصاية الهاشمية مسؤولية لا تقع على عاتق الأردن وفلسطين وحدهما، بل على المجتمع الدولي الذي يؤكد التزامه بحل الدولتين وبالقدس الشرقية عاصمةً للدولة الفلسطينية المستقبلية. احترام الوضع القائم في الحرم الشريف هو اختبار حقيقي لمدى جدية هذا الالتزام.

كما أن المطلوب عربيًا وإسلاميًا تحرك دبلوماسي منسق، يدعم الموقف الأردني–الفلسطيني، ويعيد التأكيد على أن الوصاية الهاشمية جزء لا يتجزأ من الشرعية التاريخية والقانونية للقدس ومقدساتها.
وعليه ووفق كل ذلك إن معركة الأقصى اليوم ليست معركة شعارات، بل معركة قانون وشرعية وسيادة. فالمساس بالوصاية الهاشمية أو فرض واقع جديد داخل الحرم الشريف يمثل خرقًا واضحًا للاتفاقيات الدولية، ويهدد بإشعال فتيل توتر لا يمكن حصر تداعياته.

الحفاظ على الوضع القائم في المسجد الأقصى هو حجر الزاوية في حماية القدس، وصون المقدسات الإسلامية والمسيحية، ومنع انزلاق المنطقة إلى موجة جديدة من عدم الاستقرار. وفي ميزان السياسة والقانون، يبقى احترام الشرعية الدولية هو الطريق الوحيد لضمان سلام عادل ومستدام يحقق الأمن والاستقرار للجميع على حد سواء.

الدستور الأردنية

المصدر

المصدر: عربي21

كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي مقالات قضايا وآراء كاريكاتير بورتريه الأقصى القدس الوصاية الهاشمية الاحتلال القدس الأقصى الاحتلال الوصاية الهاشمية مقالات مقالات مقالات سياسة سياسة سياسة سياسة صحافة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة الوصایة الهاشمیة المسجد الأقصى الوضع القائم فی القدس

إقرأ أيضاً:

محافظة القدس تحذّر من أخطر تصعيد شهدته باحات المسجد الأقصى منذ أشهر

قالت محافظة القدس إن اقتحام 4248 مستوطنًا، اليوم الخميس، المسجد الأقصى المبارك، يتقدمهم وزير الأمن القومي في حكومة الاحتلال إيتمار بن غفير، وعدد من أعضاء الكنيست الإسرائيلي والحاخامات وقادة منظمات "الهيكل" المتطرفة، تحت حماية مشددة من قوات الاحتلال، تزامنا مع ما يسمى "ذكرى خراب الهيكل"، يشكل أخطر تصعيد تشهده باحات المسجد الأقصى منذ أشهر، ويؤكد سعي حكومة الاحتلال إلى فرض وقائع سياسية ودينية وقانونية جديدة، تستهدف تكريس التقسيم الزماني والمكاني وفرض السيادة الاحتلالية على المسجد.

وقالت المحافظة، في بيان صدر عنها، مساء اليوم، إن ما جرى لم يكن مجرد اقتحام واسع من حيث الأعداد، بل عملية منظمة سبقتها حملات تحريض وحشد قادتها منظمات "الهيكل" بمشاركة مسؤولين حكوميين وأعضاء في الكنيست الإسرائيلي، ورافقتها إجراءات عسكرية هدفت إلى إفراغ المسجد من المصلين المسلمين، وتهيئة الظروف أمام المستوطنين لأداء طقوسهم داخل باحاته.

وأضافت أن المستوطنين أدوا طقوس "السجود الملحمي" في أكثر من موقع داخل المسجد، وارتدوا لفائف "التفلين"، ورددوا الأدعية والترانيم التلمودية، ورفعوا أعلام الاحتلال وما يسمى "علم الهيكل" داخل المسجد الأقصى وبلدة القدس القديمة، إلى جانب أداء رقصات وغناء جماعي.

وأشارت إلى أن بن غفير شارك في الاقتحام وأدى طقوسا تلمودية داخل المسجد للمرة الثامنة عشرة منذ توليه منصبه، إلى جانب عضو الكنيست الإسرائيلي عميت هليفي، ونائب رئيس الكنيست نسيم فاتوري، وعدد من الحاخامات وقادة منظمات "الهيكل"، الذين دعوا علنا إلى تغيير الوضع القائم في المسجد الأقصى.

ولفتت المحافظة إلى أن الحاخام المتطرف أرييه ليبو، برفقة الحاخام يهودا غليك، عرض حجارة جرى إحضارها من مستوطنة "حفات غلعاد" شمال الضفة الغربية، وادعى أنها مخصصة لبناء ما يسمى "الهيكل"، ومن بينها حجر زعم أنه "حجر من السماء"، معتبرة أن هذه الخطوة تمثل تصعيدا خطيرا ضمن حملات الترويج العملي لمشروع بناء "الهيكل" المزعوم على حساب المسجد الأقصى المبارك.

وأوضحت أن شرطة الاحتلال نصبت، في سابقة منذ احتلال القدس عام 1967، مظلة ثابتة في الساحة الشرقية للمسجد الأقصى لخدمة المستوطنين خلال الاقتحام، في خطوة عدتها محاولة لفرض وجود دائم في الباحات الشرقية، بما يندرج ضمن مخططات التقسيم المكاني للمسجد.

وأضافت أن قوات الاحتلال منعت غالبية موظفي دائرة الأوقاف الإسلامية من الوصول إلى أماكن عملهم، ولم تسمح إلا للحراس المناوبين بالدخول، كما أغلقت أبواب الملك فيصل والقطانين والحديد أمام المصلين، وحولت محيطها إلى ساحات مخصصة للمستوطنين، بالتزامن مع ما يسمى "مسيرة السيادة".

وأشارت إلى أن شرطة الاحتلال فرضت قيودا عمرية على دخول المصلين، بدأت بمنع من هم دون الخامسة والسبعين، قبل أن ترفع السن إلى ثمانين عاما، وأبلغت العديد منهم بأن "اليوم مخصص لليهود"، مطالبة إياهم بمغادرة المكان، في وقت انتشر فيه المئات من عناصر شرطة الاحتلال داخل المسجد ومحيط البلدة القديمة لتأمين اقتحامات المستعمرين.

وأكدت محافظة القدس أن هذه التطورات تأتي في سياق تصعيد متواصل خلال الأشهر الأخيرة، تمثل في اتساع مساحة الاقتحامات، وارتفاع أعداد المشاركين فيها، وتزايد مشاركة الوزراء وأعضاء الكنيست الإسرائيلي وقادة المؤسسة الدينية المتطرفة، إلى جانب عقد مؤتمرات رسمية تدعو صراحة إلى تغيير الوضع التاريخي والقانوني للمسجد الأقصى، ما يؤكد أن هذه الممارسات أصبحت جزءا من السياسة الرسمية لحكومة الاحتلال.

وشددت على أن المسجد الأقصى المبارك، بكامل مساحته البالغة 144 دونما، هو مكان عبادة خالص للمسلمين، وأن جميع الإجراءات التي تنفذها سلطات الاحتلال داخله أو في محيطه باطلة ولا تنشئ أي حق قانوني أو تاريخي، وتشكل انتهاكا صارخا للقانون الدولي ولقرارات الأمم المتحدة، ولا سيما قراري مجلس الأمن 476 و478.

ودعت محافظة القدس المجتمع الدولي، والأمم المتحدة، ومنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو)، ومنظمة التعاون الإسلامي، وجامعة الدول العربية، إلى اتخاذ خطوات عملية وعاجلة لوقف الاعتداءات الإسرائيلية المتصاعدة على المسجد الأقصى، مؤكدة أن استمرار الصمت الدولي يشجع سلطات الاحتلال على المضي في مخططاتها الرامية إلى تغيير هوية القدس ومقدساتها الإسلامية والمسيحية، وتقويض الوضع التاريخي والقانوني القائم في المدينة المحتلة.

المصدر : وكالة وفا اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد المزيد من آخر أخبار فلسطين "الحية" يوجّه رسالة إلى الوسطاء لإنقاذ اتفاق غزة والانتقال إلى المرحلة التالية سلطة النقد تحذر من تداعيات خطيرة لقطع العلاقات المصرفية المراسلة تكليف أبو ماهر حلس مفوضا للتعبئة والتنظيم في غزة.. مركزية فتح تتخذ سلسلة إجراءات داخلية الأكثر قراءة انتخابات حركة حماس - خالد مشعل وخليل الحية إلى جولة إعادة حاسمة مجلس السلام يتراجع عن خطة التعافي الكاملة لغزة لصالح مشروع تجريبي محدود فضيحة دكتور فود من هو دكتور فود ويكيبيديا قطر تنفي مزاعم إسرائيلية حول مشاركتها في هجوم عسكري ضد إيران عاجل

جميع الحقوق محفوظة لوكالة سوا الإخبارية @ 2026

مقالات مشابهة

  • الإمارات: لا سيادة لإسرائيل على القدس المحتلة أو أماكنها المقدسة
  • مصر ودول عربية وإسلامية تدين التصعيد الإسرائيلي في المسجد الأقصى
  • بيان مشترك لوزراء خارجية الإمارات وسبع دول أخرى
  • انتهاكات غير مقبولة.. مصر و7 دول يدينون التصعيد الإسائيلي في المسجد الأقصى
  • الإمارات و7 دول تدين التصعيد الإسرائيلي في المسجد الأقصى
  • القدس : الاقتحامات الإسرائيلية برعاية رسمية من حكومة نتنياهو
  • محافظة القدس تحذّر من أخطر تصعيد شهدته باحات المسجد الأقصى منذ أشهر
  • سرايا القدس” تنعى كوكبة من مجاهديها ارتقوا في معركة “طوفان الأقصى”
  • متحدث القدس المحتلة: 4248 مستوطنا اقتحموا المسجد الأقصى
  • بن غفير ومئات المستوطنين يدنسون الأقصى.. والجامعة العربية تحذر من فرض وقائع جديدة