علم فلسطين يُرفع في مهرجان برلين ورسائل صفراء يقتنص الذهب
تاريخ النشر: 22nd, February 2026 GMT
لم تكن الكلمات مجرد خطاب قبول جائزة، بل كانت "صرخة" هزت أركان "برليناله بالاست" في ليلة ختام الدورة الـ76 لمهرجان برلين السينمائي الدولي، مساء أمس السبت 21 فبراير/شباط 2026.
ومع صعود المخرج الفلسطيني عبد الله الخطيب لمنصة التتويج لتسلم جائزة أفضل عمل أول عن فيلمه «حكايات من الحصار» (Chronicles From the Siege)، تحولت القاعة إلى ساحة للمواجهة.
الخطيب، الذي انتقد بشدة موقف الحكومة الألمانية من الحرب في غزة، تحدى الضغوط التي مورست عليه للصمت، ليطلق صرخته المدوية التي فجرت عاصفة من التصفيق الحاد وقوفا: "لقد جئت إلى هنا لسبب واحد فقط.. لأقول إن الفلسطينيين سيكونون أحرارا".
اللحظة التي وُصفت بأنها "الذروة العاطفية" للمهرجان، لم تكن سوى الشرارة التي أثبتت أن السينما هي "الملاذ الأخير" للحلم والاحتجاج.
ليلة التتويجاستطاع الفيلم الألماني-التركي "رسائل صفراء" (Gelbe Briefe / Yellow Letters) للمخرج إلكر تشاتاك (İlker Çatak) أن يقتنص جائزة "الدب الذهبي"، وهي أعلى جوائز المهرجان.
ويمثل هذا الفوز لحظة تاريخية استثنائية، إذ يعد أول تتويج بـ"الذهب" لمخرج ألماني منذ أكثر من عقدين، وتحديدا منذ فوز فاتح أكين بفيلمه "ضد الجدار" عام 2004.
وصرح تشاتاك عقب تسلمه الجائزة بأن هذا الفوز يمنح صوتا لمن لا صوت لهم، محذرا من صعود الأنظمة التي تضيق الخناق على الكلمة الحرة، ومستحضرا دروس التاريخ لعام 1933 في ألمانيا، مؤكدا أن الفن يظل الحصن الأخير في مواجهة التوتاليتارية.
شهدت المسابقة الرسمية التي تنافس فيها 22 فيلما تنوعا مذهلا في الطروحات الجمالية والسياسية، وجاءت القائمة الكاملة للجوائز مصحوبة بشرح وافٍ لقضايا الأفلام الفائزة:
إعلانيتناول فيلم "رسائل صفراء" (Gelbe Briefe / Yellow Letters) الفائز بالدب الذهبي معاناة زوجين فنانين في تركيا بعد تعرض الزوج للملاحقة الأمنية بسبب منشوراته الرقمية، مما يضطرهم للتخلي عن استقرارهم.
ونال فيلم "الخلاص" (Kurtuluş / Salvation) جائزة الدب الفضي (الجائزة الكبرى للجنة التحكيم)، ويقدم المخرج أمين ألبير من خلاله رؤية ملحمية للصراعات الأخلاقية والسياسية التي تضرب جذورها في أعماق القرى النائية، حيث تتقاطع المصائر الفردية مع تعقيدات السلطة والتقاليد في مواجهات درامية شائكة.
أما فيلم "ملكة في البحر" (Queen at Sea) فقد حصد جائزة الدب الفضي (جائزة لجنة التحكيم)، ويستعرض المخرج لانس هامر تجربة سينمائية تأملية حول العزلة الإنسانية من خلال قصة امرأة تواجه تدهور ذاكرة والدتها وتأثيرات ذلك النفسية على حياتها الزوجية.
وفاز المخرج غرانت غي بجائزة الدب الفضي لأفضل إخراج عن فيلم "الجميع يعشق بيل إيفانز" (Everybody Digs Bill Evans)، الذي يركز على السيرة الذاتية والموسيقية لعازف الجاز الشهير بيل إيفانز في قالب وثائقي وتجريبي يستكشف عبقريته الفنية وصراعاته الشخصية بأسلوب بصري متميز.
وحصلت النجمة الألمانية ساندرا هولر على جائزة الدب الفضي لأفضل أداء رئيسي عن فيلم "وردة" (Rose)، حيث تجسد دورا مركبا لامرأة تضطر للتنكر في زي رجل لمواجهة أشباح ماضيها وتحديات واقعها، في دراما تاريخية تستكشف مفاهيم الهوية والنوع الاجتماعي.
وذهبت جائزة الدب الفضي لأفضل أداء مساند مناصفة لتوم كورتيناي وآنا كالدر-مارشال عن فيلم "ملكة في البحر" (Queen at Sea)، بينما نال فيلم "نينا روزا" (Nina Roza) جائزة أفضل سيناريو للكاتبة جنيفيف دولود دي سيل، وهو عمل يطرح قصة منسقة فنية تعود لبلغاريا للتحقق من عبقرية طفل معجزة في الرسم.
وحصل فيلم "يو (الحب طائر متمرد)" (Yo – Love is a Rebellious Bird) على جائزة المساهمة الفنية المتميزة، إذ يقدم تجربة بصرية استثنائية تركز على الجماليات السينمائية ليروي حكاية عن الشغف والتمرد باستخدام لغة سينمائية تمزج بين الموسيقى والواقع المعاصر.
وفي فئة الأفلام الوثائقية، فاز فيلم "لو تحول الحمام إلى ذهب" (If Pigeons Turned to Gold) بجائزة أفضل فيلم وثائقي، وهو عمل للمخرجة بيبا لوبوجاكي يعكس نظرة تأملية حول تحولات الواقع والقدرة على استخراج الجمال من وسط الظروف الصعبة.
واختتمت الجوائز الكبرى بفوز الفيلم الفلسطيني "حكايات من الحصار" (Chronicles From the Siege) للمخرج عبد الله الخطيب بجائزة أفضل عمل أول، وهو فيلم يوثق فصولا مؤلمة وبطولية من صمود الإنسان الفلسطيني تحت الحصار، مقدما شهادة حية وجريئة على البقاء.
زلزال التضامن والاحتجاجلم يغب صدى الحرب في غزة عن أي ركن من أركان الحفل، بل تحولت منصة التتويج إلى ساحة للاحتجاج السياسي الصارخ.
وكانت اللحظة الأكثر تأثيرا هي وقوف المخرج الفلسطيني عبد الله الخطيب، الذي ألقى كلمة نارية انتقد فيها الصمت الدولي وموقف الحكومة الألمانية، منتقدا "الخطوط الحمراء" التي تُفرض على الأصوات المدافعة عن الحق، ومنهيا خطابه بصرخة "الفلسطينيين سيكونون أحرارا"، مما فجر موجة تصفيق حاد وقوفا في القاعة.
إعلانوفي لقطة توتر غير معتادة، شهدت الفعاليات الموازية موقفا بطوليا للمخرجة التونسية كوثر بن هنية، التي رفضت تسلم جائزة عن عملها "صوت هند رجب"، وتركت التمثال في القاعة مصرحة بأن السلام ليس "عطرا نرشه على العنف كي تبدو السلطة مهذبة"، واصفة الجائزة بأنها تذكير بالدم لا تكريما للفن.
كما سجل المهرجان انسحاب الكاتبة الهندية أرونداتي روي احتجاجا على تصريحات رئيس لجنة التحكيم، فيم فيندرز، التي دعا فيها إلى "إبعاد السينما عن السياسة"، معتبرة ذلك محاولة لتجريد الفن من مسؤولياته الأخلاقية.
هذا التوتر دفع فيندرز في كلمته الختامية إلى محاولة احتواء الموقف بدعوة السينمائيين والناشطين لأن يكونوا "حلفاء لا خصوما" في معركة الحقيقة، مؤكدا أن "السينما لا تملك جيوشا لكنها تملك القدرة على اختراق الجدران".
وعلى السجادة الحمراء، لم يكتفِ النجوم بالأزياء، بل وقّع أكثر من 80 مشاركا، من بينهم خافيير بارديم وتيلدا سوينتون، على رسالة مفتوحة تتهم المهرجان بـ "الصمت المؤسسي" تجاه غزة.
منصة المواجهةوتميزت الدورة الـ76 بميل واضح نحو "سينما المواجهة" التي تبتعد عن الترفيه المجرد لتغوص في عمق الأزمات الإنسانية.
لم تكن الجوائز مجرد تقييم فني، بل كانت انحيازا واضحا للأفلام التي تملك الشجاعة لقول الحقيقة في وجه السلطة.
ويأتي فوز فيلم مثل "رسائل صفراء" واحتفاء القاعة بـ "حكايات من الحصار" ليؤكد أن السينما تظل السلاح الأقوى في مواجهة التعتيم، وأن المهرجانات العالمية هي المساحة التي يتنفس فيها الفن هواء الحرية.
ومع إسدال الستار، تبقى أصوات المحتجين وصرخات الفائزين تتردد في فضاء برلين، مذكرة الجميع بأن السينما هي "الملاذ الأخير" للحلم والاحتجاج في آن واحد، وأن الفن حين يلامس قضايا الإنسان، فإنه يتجاوز كونه مجرد صورة ليصبح وثيقة تاريخية للتغيير.
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: وسم حريات دراسات جائزة أفضل عن فیلم
إقرأ أيضاً:
توكا: أزمة الكهرباء أحد أبرز العوامل التي تستنزف دخل المواطن الليبي
أكدت الحقوقية مونا توكا، أن أزمة الكهرباء في ليبيا أحد أبرز العوامل التي تستنزف دخل المواطن بشكل يومي، فالكلفة الحقيقية للأزمة تتجاوز ساعات الانقطاع وتمتد إلى كل تفاصيل الحياة الاقتصادية للأسر الليبية.
وترى توكا، في تصريحات صحفية، أن الخسارة تبدأ من داخل المنزل، إذ يؤدي تذبذب التيار والانقطاعات المتكررة للكهرباء إلى تلف الأجهزة الكهربائية فتتحول الثلاجة أو المكيف أو الغسالة إلى نفقات طارئة تستنزف موازنة الأسرة الليبية، ومع ارتفاع أسعار الأجهزة وقطع الغيار يصبح إصلاح الأعطال أو استبدال الأجهزة عبئاً مالياً متكرراً يقتطع جزءاً من الدخل المخصص للحاجات الأساسية، وفق قولها.
وأضافت أن آثار الأزمة تنتقل إلى الأسواق عبر ارتفاع كلفة النشاط التجاري فالتاجر يتحمل خسائر في المواد الغذائية التي تحتاج إلى التبريد، إضافة إلى تكلفة الوقود وتشغيل المولدات، ما يعكس هذه النفقات الإضافية على ارتفاع أسعار السلع التي يتحملها المواطن الليبي سواء في الغذاء أو الدواء وغيرها من الحاجات اليومية، على رغم أن دخله لم يشهد زيادة تقابل هذا الارتفاع، إذ يراوح متوسط المرتبات الشهرية ما بين 160 و275 دولاراً.
وتابعت أن الأزمة تفرض أيضاً نمطاً جديداً من الإنفاق على الأسر يشمل شراء المولدات الكهربائية والوقود والزيوت اللازمة لتشغيلها ووسائل حماية الأجهزة من تذبذب التيار إضافة إلى كلفة الصيانة المستمرة، بجانب مصاريف تصفها الحقوقية الليبية بالبند الثابت في موازنة الأسرة على حساب الإنفاق على التعليم أو الصحة أو تحسين مستوى المعيشة.
وقالت توكا، إن هذه الحلقة تقود إلى تراجع القوة الشرائية للمواطن لأن الدخل يتآكل بالتدرج تحت تأثير نفقات متزايدة لا ترتبط بتحسين جودة الحياة وإنما بالحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار داخل المنزل.
وواصلت حديثها: “إذا ما تكلمنا عن حق المواطن في الكهرباء الذي يرتبط بشكل وثيق بالحق في مستوى معيشي لائق، فعندما تؤدي أزمة الكهرباء إلى استنزاف دخل الأسر وارتفاع أسعار السلع وإتلاف الممتلكات فإن آثارها تمتد إلى الأمن الاقتصادي للأسر الليبية وتؤثر في قدرتها على توفير حاجتها الأساسية والعيش بكرامة، لأن الكهرباء ليست رفاهية إنما حق أساس للمواطن في دولة النفط والغاز”.