في قرار تاريخي يعيد رسم حدود السلطة التنفيذية في الولايات المتحدة، قضت المحكمة العليا بعدم قانونية الجزء الأكبر من الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس دونالد ترامب استنادًا إلى قانون الطوارئ الاقتصادية لعام 1977، موجّهة ضربة قوية لأحد أبرز أعمدة سياسته الاقتصادية. 

ولا يقتصر تأثير الحكم الذي صدر بأغلبية ستة قضاة مقابل ثلاثة، على المسار القانوني للرسوم فحسب، بل يفتح الباب أمام تساؤلات معقدة بشأن مصير مئات المليارات من الدولارات التي جُمعت، ومستقبل الاتفاقات التجارية التي أُبرمت في ظل سياسة “الضغط الأقصى”، فضلًا عن التداعيات المحتملة على الأسواق والمالية العامة والعلاقات التجارية الدولية.



قضت المحكمة العليا الأمريكية بعدم قانونية غالبية الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس دونالد ترامب استنادًا إلى قانون الطوارئ الاقتصادية لعام 1977، في ضربة قانونية كبرى لأبرز سياساته الاقتصادية منذ عودته إلى البيت الأبيض.

وجاء في تقرير لـ"بلومبيرغ" أن الحكم جاء ليُبطل الرسوم المفروضة بموجب قانون الصلاحيات الاقتصادية الطارئة الدولية (IEEPA)، بما يشمل تعرفة أساسية بنسبة 10 بالمئة، ورسومًا “متبادلة” تراوحت بين 10 بالمئة و41 بالمئة على دول لم تبرم اتفاقات تجارية مع واشنطن، إضافة إلى رسوم إضافية على واردات من المكسيك والصين وكندا بررتها الإدارة بأزمة الفنتانيل. وكانت هذه الرسوم سارية رغم إبطالها سابقًا من محاكم أدنى درجة بانتظار الاستئناف.

وأشارت المحكمة، بأغلبية 6 مقابل 3، إلى أن الدستور يمنح الكونغرس سلطة فرض الرسوم، وأن أي تفويض رئاسي يجب أن يكون صريحًا ومحدودًا، وهو ما لا ينطبق على قانون 1977 الذي لا يذكر الرسوم الجمركية. وكتب رئيس المحكمة جون روبرتس أن تفسير الإدارة يمنح الرئيس سلطة غير مقيدة لتعديل التعرفات، وهو ما رفضته المحكمة.

ولم يشمل الحكم الرسوم المفروضة بموجب المادة 232 من قانون التوسع التجاري لعام 1962 على منتجات مثل الصلب والألمنيوم والسيارات والنحاس والأخشاب، والتي تستند إلى مبررات تتعلق بالأمن القومي.

ويفتح القرار الباب أمام معارك قانونية بشأن استرداد الرسوم المدفوعة، والتي قد تصل إلى 170 مليار دولار، فيما تركت المحكمة للمحاكم الأدنى تحديد آلية التعويض. كما قد يزيد الحكم الضغوط على المالية العامة الأمريكية، إذ كانت الإدارة تعوّل على إيرادات الرسوم لتعويض كلفة تخفيضات ضريبية أُقرت في تموز/ يوليو.


ورغم الانتكاسة، لا تزال لدى ترامب أدوات أخرى لفرض رسوم، منها المادة 232 أو المادة 122 من قانون التجارة لعام 1974 التي تتيح فرض رسوم مؤقتة تصل إلى 15 بالمئة لمدة 150 يومًا في حال حدوث أزمة خطيرة في ميزان المدفوعات، إضافة إلى تحقيقات محتملة بموجب المادتين 301 و201، وإن كانت تتطلب وقتًا أطول للتنفيذ، وهو ما حصل فعلًا بعد قرار المحكمة بساعات.

ومن ناحية أخرى، أكد تقرير لصحيفة "الغارديان" أنه رغم الحكم، أعلن ترامب أنه لن يتراجع عن حربه التجارية، مؤكدًا عزمه استخدام مسارات قانونية بديلة. وبعد ساعات من القرار، كشف عن فرض تعرفة عالمية جديدة، مشيرًا إلى أن إدارته ستلجأ إلى قانون التجارة لعام 1974 لإجراء "تحقيقات" بشأن ممارسات تجارية غير عادلة.

وقال إن قرار المحكمة قيّد صلاحياته بموجب قانون الطوارئ فقط، مضيفًا أن هناك "طرقًا أخرى عديدة" لمواصلة السياسة التجارية.

من جهته، أوضح وزير الخزانة سكوت بيسنت أن الإدارة ستستخدم بنودًا من قانون 1974، متوقعًا أن تبقى عائدات الرسوم في 2026 شبه مستقرة.

وتوجهت الإدارة الأمريكية بالفعل إلى فرض الرسوم الجديدة بموجب المادة 122 من قانون 1974، التي تتيح فرض تعريفات تصل إلى 15 بالمئة لمدة لا تتجاوز 150 يومًا لمعالجة اختلالات خطيرة في ميزان المدفوعات. كما تتطلب مواد أخرى من القانون تحقيقات وإجراءات استماع قبل الإقرار.
وتتريث الشركات التي أعادت هيكلة سلاسل التوريد استجابة للرسوم السابقة حاليًا بانتظار وضوح الرؤية. وقال ريتشارد رامبلو، من منظمة "ميك يو كيه"، إن الشركات تحتاج إلى إرشادات واضحة بشأن كيفية تنفيذ الحكم، خصوصًا ما يتعلق برسوم الصلب والألمنيوم.

وتُقدّر عائدات الرسوم العام الماضي بين 240 و300 مليار دولار، وتحملت الشركات الأمريكية نحو 90 بالمئة منها، مع تمرير جزء كبير إلى المستهلكين عبر ارتفاع الأسعار، وفق خبراء اقتصاديين.
ويرى قانونيون أن المستوردين قد يستردون أموالهم في نهاية المطاف، لكن العملية ستكون معقدة وطويلة، إذ ستشرف عليها هيئة الجمارك ومحكمة التجارة الدولية في نيويورك ومحاكم أخرى. واستبعد ترامب في الوقت الراهن فكرة إعادة الأموال، متوقعًا استمرار النزاع القضائي لسنوات.

أكدت وزارة الأعمال والتجارة البريطانية أن الحكم لا يؤثر على الاتفاق التفضيلي الذي تفاوضت عليه لندن بشأن الصلب والسيارات والأدوية. وأشارت إلى أن المملكة المتحدة تتمتع بأدنى رسوم متبادلة مع الولايات المتحدة، مع استمرار التعاون لفهم تداعيات القرار.

من جانبها، أعلنت المفوضية الأوروبية أنها تدرس الحكم بعناية، مؤكدة أهمية الاستقرار في العلاقات التجارية عبر الأطلسي والدعوة إلى خفض الرسوم. كما اعتبر اتحاد الصناعات الألمانية أن القرار يمثل إشارة قوية لدعم نظام تجاري قائم على القواعد.

ونقل تقرير لوكالة "أسوشيتد برس" عن رئيس المحكمة جون روبرتس قوله إن عدم لجوء أي رئيس سابق إلى هذا القانون لفرض رسوم يمثل "دليلًا قويًا" على أن هذه الصلاحية غير موجودة. وأكدت المحكمة أن الدستور يمنح الكونغرس، وليس الرئيس، سلطة فرض الضرائب والرسوم.

وانضم اثنان من القضاة الذين عيّنهم ترامب إلى الأغلبية، بينما خالف القضاة صامويل أليتو وكلارنس توماس وبريت كافانو القرار، معتبرين أن الرسوم قانونية من حيث النص والسوابق.

كان ترامب قد فرض، مطلع العام الماضي، رسومًا على المكسيك وكندا والصين بدعوى حالة طوارئ تتعلق بالهجرة غير النظامية وتهريب المخدرات مثل الفنتانيل. وفي نيسان/أبريل، فيما سماه "يوم التحرير"، أعلن رسومًا "متبادلة" تصل إلى 50 بالمئة على عشرات الدول، إضافة إلى تعرفة أساسية بنسبة 10 بالمئة على معظم الشركاء التجاريين.

كما استخدم القانون نفسه لفرض رسوم على واردات البرازيل بسبب ملاحقة الرئيس السابق جايير بولسونارو، وعلى الهند بسبب شرائها النفط الروسي.

ورغم أن الحكم يُسقط جزءًا كبيرًا من هذه الرسوم، فإن تعريفات أخرى فُرضت بموجب قوانين مختلفة – خصوصًا على قطاعات الصلب والألمنيوم والسيارات والنحاس والأخشاب – لا يشملها القرار.

ومن ناحية أخرى، ذكرت صحيفة "فاينانشيال تايمز" أن القضية رُفعت أساسًا من شركات و12 ولاية أمريكية طعنت في "الرسوم المتبادلة" التي فرضها ترامب، إضافة إلى الرسوم على الصين وكندا والمكسيك.

وكانت محكمة استئناف فدرالية قد رأت سابقًا أن ترامب تجاوز صلاحياته، لكنها طلبت من محكمة التجارة الدولية إعادة النظر في سبل المعالجة، وهي الجهة المرجح أن تتولى الملف مجددًا.

ويرى خبراء قانونيون أن قضايا إضافية قد تعود إلى المحكمة العليا لاحقًا إذا نشأت إشكالات قانونية جديدة. والحكم يُجبر إدارة ترامب على اللجوء إلى أدوات قانونية أخرى لفرض الرسوم، لكنها أقل شمولًا وأبطأ تنفيذًا من قانون الطوارئ.

ولم تحسم المحكمة مسألة إعادة أموال الرسوم التي جُمعت بموجب قانون الطوارئ، والتي يُقدّر خبراء أنها تجاوزت 160 مليار دولار خلال عام. وأشار القاضي كافانو إلى أن الحكومة قد تُضطر إلى رد مليارات الدولارات للمستوردين، واصفًا العملية المحتملة بأنها قد تكون "فوضوية".

وتتكدس بالفعل دعاوى استرداد أمام محكمة التجارة الدولية، فيما حذّرت غرفة التجارة الدولية من أن غياب الوضوح في الحكم بشأن الاسترداد يثير قلقًا واسعًا في أوساط الأعمال.

كما نبّه كافانو إلى أن إبطال الرسوم قد يثير حالة عدم يقين بشأن اتفاقات تجارية أُبرمت بمليارات الدولارات مع دول عدة، من بينها الصين والمملكة المتحدة واليابان.


ويرى خبراء أن القرار أدخل الشركات في مرحلة "انتظار وترقب"، مع استمرار الغموض بشأن أدوات الرسوم البديلة، وإمكانية تطبيقها بأثر رجعي، وآلية معالجة طلبات الاسترداد في المحاكم الأدنى، بحسب الصحيفة.

أما مديرة تحرير "فايننشال تايمز" في الولايات المتحدة بروك ماسترز، فقد قالت في مقال لها: "في قرار اعتُبر اختبارًا حاسمًا لحدود السلطة التنفيذية، قضت المحكمة العليا الأميركية بأغلبية ستة قضاة بأن الرئيس دونالد ترامب لا يملك صلاحية تجاوز القيود الدستورية والتشريعية وفرض رسوم جمركية استنادًا إلى قانون الطوارئ الاقتصادية".

وأضافت ماسترز: "قاد رئيس المحكمة جون روبرتس الأغلبية التي أكدت أن قانون الصلاحيات الاقتصادية في حالات الطوارئ الدولية لعام 1977 (IEEPA) لا يمنح الرئيس سلطة فرض تعريفات جمركية، في وقت ينص فيه الدستور صراحة على أن صلاحية فرض الضرائب تعود إلى الكونغرس.

وأوضح روبرتس أن المحكمة لا تدّعي خبرة في الشؤون الاقتصادية أو الخارجية، لكنها تؤدي دورها الدستوري في مراقبة السلطتين التنفيذية والتشريعية، مؤكدًا أن القانون المذكور لا يجيز للرئيس فرض رسوم".

وأوضحت: "القرار يمس أحد أبرز ملفات ترامب، الذي يقول إن الرسوم تدرّ نحو 900 مليار دولار سنويًا، بينما يرى اقتصاديون أن كلفتها تقع بشكل أساسي على الشركات والمستهلكين الأميركيين. كما يُعد أول خسارة حاسمة تتكبدها إدارته في طعن قانوني مكتمل المرافعات خلال ولايته الثانية".

ووصفت: "شكّل الحكم تحالفًا غير معتاد بين القضاة الليبراليين الثلاثة وروبرتس، إضافة إلى اثنين من القضاة الذين عيّنهم ترامب، هما إيمي كوني باريت ونيل غورساتش. في المقابل، شهدت المداولات خلافات داخلية حادة حول المعايير القانونية المعتمدة، ما أفضى إلى رأي متعدد الأجزاء مع آراء متوافقة ومخالفة".

وأشارت إلى أنه: "رغم أن المحكمة لم تحسم مسألة ما إذا كان يتعين رد أموال الرسوم التي جُمعت بموجب القانون، فإن القرار يُمثل، وفق مراقبين، إعادة تأكيد لدور القضاء كضابط توازن في مواجهة ما اعتبروه توسعًا متكررًا من ترامب في استخدام الصلاحيات التنفيذية منذ عودته إلى البيت الأبيض".

وأضافت: "يأتي الحكم بعد سلسلة قرارات خلال العام الماضي مالت في معظمها لمصلحة الإدارة على جدول الطوارئ، غير أن المحكمة أظهرت في مناسبات سابقة استعدادًا لتقييد صلاحيات الرئيس، من بينها رفضه السيطرة على الحرس الوطني في إلينوي، والنظر في طعن يتعلق بإقالة مسؤولة في الاحتياطي الفيدرالي".

وتعقيبًا على هذه المستجدات المختلفة، أكد الباحث والخبير الاقتصادي زيد برزنجي أن قرار المحكمة العليا الأميركية بشأن الرسوم الجمركية لن يُحدث تأثيرًا فوريًا كبيرًا في الأسواق، مشيرًا إلى أن الرئيس دونالد ترامب كان قد فرض بالفعل تعريفات أخرى تراوحت بين 10 و15 في المئة، في حين أن بعض الرسوم الملغاة كانت أعلى بكثير من هذا المستوى، ما يعني وجود تراجع ملحوظ في معدلات الضرائب المفروضة.

وأوضح برزنجي لـ"عربي21" أن الإشكالية الأبرز تتعلق بمصير الاتفاقات الدولية التي أبرمتها إدارة ترامب، إذ إن عددًا من الدول قبل بشروط وصفها بغير العادلة نتيجة سياسة "ليّ الذراع". وأضاف أن هذه الدول قد تجد نفسها اليوم أمام خيارين: الالتزام بالاتفاقات الجديدة التي فُرضت عليها، أو العودة إلى المعاهدات السابقة، خاصة في ظل احتمال تحدي بعض الحكومات للإدارة الحالية وانتظار انتهاء ولايتها خلال نحو عامين.

View this post on Instagram A post shared by Arabi21 - عربي21 (@arabi21news)
وأشار إلى وجود انعكاسات داخلية أيضًا، حيث طالب عدد من حكام الولايات بتعويضات لرجال الأعمال المتضررين من الرسوم. ولفت إلى أن المحكمة العليا لم تحسم بعد آلية إعادة المبالغ المحصلة، والتي تتراوح بين 130 و170 مليار دولار، وهو مبلغ لا يُعد ضخمًا قياسًا بحجم الاقتصاد الأميركي، لكنه ليس ضئيلًا كذلك. وبيّن أن ما بين 70 و80 في المئة من كلفة الرسوم تحمّلها في نهاية المطاف المستوردون أو المستهلك الأميركي، ما يعني أن خفضها قد ينعكس إيجابًا على الأسعار والشارع الأميركي، باستثناء بعض الشركات التي استفادت من الحماية الجمركية خلال الحرب التجارية.

وفي السياق ذاته، اعتبر برزنجي أن ترامب استخدم التعريفات الجمركية كأداة لتمرير سياساته الخارجية، وكأنها صندوق مالي خارج نسبيًا عن رقابة الكونغرس، واصفًا الخطوة بأنها ذكية سياسيًا لكنها غير قانونية، وهو ما دفع القضاء إلى رفضها. وأكد أن خلف هذه السياسات رؤية تعتبر أن النظام الدولي الذي أسهمت الولايات المتحدة في بنائه منذ عقود، من الأمم المتحدة إلى منظمة التجارة العالمية، لم يعد يخدم مصالحها، خاصة في ظل التنافس المتصاعد مع الصين.

وأوضح أن استراتيجية ترامب تقوم على فرض أهداف اقتصادية عبر الضغط التجاري، بما في ذلك إضعاف الدولار لتحفيز الصادرات وتقليل عبء الدين، غير أن ذلك يرافقه مخاطر على سوق السندات وقوة العملة الأميركية، ما يدفع الإدارة إلى استخدام أدوات التهديد التجاري مع تكتلات مثل "بريكس".


وفي ما يتعلق بالتضخم، قال إن مستواه الحالي في الولايات المتحدة يدور حول 3 في المئة، وهو معدل منخفض نسبيًا عالميًا، ولا يشكل مصدر قلق مباشر في الوقت الراهن، لكنه حذر من احتمال تفاقمه إذا استمرت السياسات نفسها. وأشار إلى أن استمرار هيمنة الدولار يرتبط بعدم رغبة أوروبا في تعزيز دور اليورو عالميًا، إضافة إلى حذر الصين في تحرير عملتها، معتبرًا أن أي تحول كبير في هذا الاتجاه قد يضعف مكانة الدولار على المدى البعيد.

وعن أوروبا، رأى برزنجي أنها تفتقر إلى وحدة القرار والرؤية، ما يحد من قدرتها على مواجهة النفوذ الاقتصادي الأميركي أو إصلاح بنيتها المالية الداخلية بصورة موحدة، في حين وصف الصين بأنها تعمل بهدوء واستراتيجية طويلة الأمد عبر بناء سلاسل توريد وبنى تحتية عالمية، مؤكدًا أن نموذجها الاقتصادي يبدو أكثر تماسكًا في المرحلة الراهنة.

وختم بالإشارة إلى أن كثيرًا من الشركات الأميركية لم تغيّر استراتيجياتها طويلة المدى بسبب سياسات ترامب، لاعتقادها بصعوبة استمرارها لسنوات طويلة، لكنه اعتبر أن هذه السياسات ألحقت ضررًا بجهود البحث والتطوير والصناعة في الولايات المتحدة، ما قد يتيح للصين اللحاق بها أو تجاوزها في مجالات عدة، بينها السيارات الكهربائية والتصنيع المتقدم.

المصدر

المصدر: عربي21

كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة سياسة عربية مقابلات حقوق وحريات اختبار سياسة دولية الرسوم الجمركية ترامب الحرب التجارية ترامب الرسوم الجمركية الحرب التجارية العليا الامريكية المزيد في سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة الرئیس دونالد ترامب فی الولایات المتحدة الرسوم الجمرکیة التجارة الدولیة المحکمة العلیا قانون الطوارئ ملیار دولار أن المحکمة إضافة إلى إلى قانون من قانون فرض رسوم تصل إلى وهو ما إلى أن رسوم ا

إقرأ أيضاً:

من الذي أوقف الحرب.. ولماذا الآن؟

 

 

 

عباس الزدجالي

abbas@omanamana.com

 

كشفت التقارير المتزامنة التي نشرتها صحف ومؤسسات إعلامية دولية بارزة، من بينها هآرتس وفايننشال تايمز ورويترز وأكسيوس، عن مشهد غير مألوف في العلاقة بين واشنطن وتل أبيب. فبحسب هذه الروايات، لم يكن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يستعد فقط لتوسيع العمليات العسكرية في لبنان، بل كانت هناك خطط لضربات أكبر قد تطال بيروت نفسها، قبل أن يتدخل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب شخصيًا في اللحظات الأخيرة لوقف التصعيد أو الحد منه.

وتذهب بعض التقارير إلى أبعد من ذلك، متحدثة عن مكالمة غاضبة وغير مسبوقة بين ترامب ونتنياهو، استخدم خلالها الرئيس الأمريكي لغة حادة عكست حجم التوتر بين الرجلين. وبغض النظر عن دقة كل عبارة منسوبة إلى المكالمة أو مدى صحة التسريبات المتداولة، فإن تعدد المصادر وتطابق الخطوط العامة للرواية يشيران إلى وجود خلاف حقيقي حول مسار الحرب وحدودها، وليس مجرد اختلاف تكتيكي عابر.

اللافت في هذه التطورات أن ترامب لم يكن طوال السنوات الماضية معروفًا بممارسة ضغوط جدية على الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، بل على العكس، ارتبط اسمه بأكثر المواقف الأمريكية دعمًا لإسرائيل. ولذلك فإن تدخله المفاجئ لوقف أو تأجيل عملية عسكرية واسعة يثير تساؤلات عديدة حول الدوافع الحقيقية وراء هذا التحول.

قد يكون أحد التفسيرات أن الإدارة الأمريكية بدأت تدرك أن استمرار التصعيد يهدد بتوسيع دائرة الحرب إلى مستوى يصعب احتواؤه. فبعد أشهر طويلة من القتال والدمار في غزة، والتوتر المتصاعد على الجبهة اللبنانية، والمواجهة المفتوحة مع إيران، باتت المنطقة أقرب إلى حافة انفجار إقليمي شامل. وفي مثل هذا السيناريو، لن تكون الكلفة مقتصرة على إسرائيل أو خصومها فقط، بل ستمتد إلى المصالح الأمريكية المنتشرة في أنحاء الشرق الأوسط، وإلى الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة والممرات البحرية الحيوية.

كما أن واشنطن تُدرك أن صورتها الدولية تعرضت خلال الفترة الماضية إلى ضرر كبير نتيجة مشاهد الدمار وسقوط أعداد هائلة من الضحايا المدنيين؛ فالدعم الأمريكي غير المشروط لإسرائيل أصبح موضع انتقاد متزايد حتى داخل الولايات المتحدة نفسها، وبين قطاعات واسعة من الرأي العام الغربي. ومع اقتراب الاستحقاقات السياسية الداخلية، لا يمكن تجاهل أثر هذه التطورات على الحسابات الانتخابية والسياسية لأي إدارة أمريكية.

أما نتنياهو، فيبدو بدوره محاصرًا بين ضغوط متناقضة. فمن جهة يواجه مطالب متزايدة من اليمين المتطرف بمواصلة التصعيد وتوسيع العمليات العسكرية، ومن جهة أخرى يواجه انتقادات داخلية متصاعدة بسبب طول أمد الحرب وتكاليفها البشرية والاقتصادية والسياسية. ولذلك فإن أي تراجع أو قبول بوقف التصعيد قد يُفسَّر من قبل خصومه وحلفائه على حد سواء باعتباره رضوخًا للضغوط الأمريكية.

لكن ما تكشفه هذه الأزمة يتجاوز شخص ترامب أو نتنياهو؛ فهي تُذكِّر بحقيقة كثيرًا ما يجري تجاهلها في الخطاب السياسي والإعلامي، وهي أن العلاقة الأمريكية الإسرائيلية، مهما بدت وثيقة، ليست علاقة تطابق كامل في المصالح. فعندما تشعر واشنطن بأن سياسات تل أبيب تهدد أولوياتها الاستراتيجية الأوسع، فإنها لا تتردد في التدخل، ولو خلف الأبواب المغلقة، لإعادة رسم الحدود التي لا ينبغي تجاوزها.

وفي المقابل، تكشف الأحداث أيضًا حجم المأزق الذي وصلت إليه المنطقة بأسرها. فبعد شهور طويلة من الحروب والدمار وسقوط الضحايا في غزة ولبنان وإيران، لم يعد السؤال من انتصر ومن خسر في معركة هنا أو هناك، بل إلى أين يقود هذا المسار الجميع. فالحروب قد تبدأ بقرار سياسي، لكنها كثيرًا ما تنتهي بنتائج لم يتوقعها حتى الذين أشعلوها.

ولهذا فإن السؤال الأهم في نهاية المطاف ليس ما إذا كان ترامب قد أوقف هجومًا على بيروت، ولا ما إذا كان نتنياهو قد تراجع تحت الضغط الأمريكي، بل لماذا حدث ذلك الآن تحديدًا؟ هل كان الأمر تعبيرًا عن إدراك متأخر بأن المنطقة تقف على حافة انفجار شامل؟ أم أنه محاولة من واشنطن لإنقاذ نفسها من تداعيات سياسات ساهمت هي نفسها في صنعها؟ أم أن كلفة استمرار الحرب أصبحت ببساطة أعلى من قدرة الجميع على تحملها؟

ذلك هو السؤال الذي ستحدد إجابته ليس فقط مستقبل العلاقة بين ترامب ونتنياهو، بل ربما مستقبل الشرق الأوسط بأسره في السنوات المقبلة.

مقالات مشابهة

  • تعديلات جديدة على رسوم السفر.. 100 جنيه عند الخروج من مصر
  • ترامب: التقارير الإخبارية التي تزعم توقف التواصل بين إيران والولايات المتحدة قبل أيام قليلة كاذبة
  • إيران تتجه إلى إسبانيا ثم المكسيك استعدادا للمونديال رغم أزمة التأشيرات
  • من الذي أوقف الحرب.. ولماذا الآن؟
  • "سبيس إكس" تتفاوض على خفض رسوم طرحها الأولي
  • سياسة تجارية جديدة في واشنطن.. مراجعة شاملة لـ«الرسوم الجمركية»
  • لجنة التجارة في البرلمان الأوروبي تمهد الطريق أمام اعتماد اتفاق الرسوم الجمركية مع الولايات المتحدة
  • واشنطن تفرض رسوماً 25% لمعاقبة البرازيل على ممارسات تجارية
  • إدارة ترامب تقترح فرض رسوم بنسبة 25% على واردات برازيلية بدعوى ممارسات تجارية غير عادلة
  • محاكمة جرائم الحرب السورية في النمسا تُحيل مسؤولين سابقين في نظام الأسد أمام المحكمة الأوروبية