فى نقد الثوابت الفكرية والسياسية
تاريخ النشر: 22nd, February 2026 GMT
أفضل ما فى دعوة صديقنا السياسى المجتهد النائب محمد عبدالعليم داوود لتكريم الرئيس الأسبق محمد حُسنى مبارك، أنها تعكس مُراجعة رأى وفكر وموقف، وهى سمة نادرة تغيب عن ساحتنا الفكرية.
كان داوود معارضاً حقيقياً لنظام مبارك، ذهب إلى معرض الكتاب يوماً وعمره 24 عاماً فوجد جناحاً باسم دولة إسرائيل الصديقة، فحشد وقاد مظاهرة شعبية ضد مشاركتها فى المعرض ليتم اعتقاله على أثرها.
وبعد خمسة عشر عاماً من سقوط مبارك، ومع زوال أى مصلحة أو مكسب فى مدحه، طالب النائب المخضرم بتكريم الرئيس مبارك على دوره الوطنى العظيم غير المُنكر فى حرب أكتوبر 1973، وكأنه يقول للناس جميعا: إن الإنصاف ضرورة، والمراجعة فضيلة، وإعادة الحسابات أعظم من تصيفتها. فالمواقف الثابتة موت، والتمترس عند زمن بعينه هلاك فكرى.
يغلب الظن المعاكس لهذا الطرح عقول نُخبنا العربية. نحمل أفكارا أولية، نشب بها لا عليها، ننفعل ونُبالغ فى طرحها، ثُم تظل مُنغرسة برؤوسنا طوال سنين العُمر، فلا تخضع لمراجعة، ولا تدخل فى اختبار، ولا يتزحزح رسوخها داخل نفوسنا كأنها أعمدة معابد قديمة.
كان أصدقاؤنا الشيوعيون ينعون أياً من رفاقهم الراحلين بعبارة أثيرة تقول «وظل ثابتاً على مواقفه حتى رحيله» كأنهم بذلك يُثبتون عظمة الراحل ونبله وشرفه، متناسين أن الأشرف والأنبل هو تغيير الموقف بناء على المراجعة اللازمة. فأسوأ المصطلحات المتداولة فى بيئة الفكر والسياسة هو مصطلح «الثوابت»، إذ لا ثابت فى حقيقة الأمر إلا الله.
فى تاريخنا المعاصر شواهد عديدة أبرزها أن الحزب الوطنى القديم الذى أسسه مصطفى كامل عام 1906 رفع شعارا حماسيا حادا فى وجه الاحتلال البريطانى هو «لا مفاوضة إلا بعد الجلاء» وبسبب هذا الشعار لم يدخل الحزب فى أى مفاوضات للجلاء، وظل ورثة مصطفى كامل متمترسين على الشعار حتى انفض أصحاب الآمال وانزوى الحزب بناسه.
على الجانب الآخر نتذكر جميعاً عبارة فارقة مُعلمة طرحها السياسى البارع مصطفى النحاس يوم 8 أكتوبر سنة 1951 فى خطابه أمام البرلمان إذ قال «من أجل مصر وقعت معاهدة 1936، ومن أجل مصر أطالبكم اليوم بإلغائها»، وهى تعنى أن توقيع الاتفاق كان صواباً فى وقت ما، ثُم صار الاتفاق خطأ فى وقت آخر. لقد تغيّر موقف زعيم الوفد بناء على تغير الظروف، واستناداً لاستقراءات ومراجعات واختبارات عملية.
إن التقييم الشامل، والتفكر المستمر، والمراجعات الدائمة، ورجرجة النظريات واختبارها، وتوسيع النقاشات بشأنها، والاحتكاك بالآخرين، والتعلم من السوابق العملية، وجرأة الاعتراف بالخطأ ضرورة من ضرورات التطور.
أُطالب أبنائى وأجيالهم الناشئة دائما بمراجعة كل شىء. أقول لهم: اختبروا وفككوا وحللوا كل موقف وكل درس وكل فكرة... حتى هذه الفكرة.
والله أعلم
[email protected]
المصدر
المصدر: بوابة الوفد
كلمات دلالية: مصطفى عبيد
إقرأ أيضاً:
مختار جمعة: أطالب بحرمان طالب غش السماعات عامًا كاملًا واعتباره راسبًا في كل المواد تحقيقًا للردع
تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق
اقترح الدكتور محمد مختار جمعة، وزير الأوقاف السابق، ألا تقل عقوبة الغش بالوسائل الذكية أو سماعة الأذن عن عام دراسي كامل مع اعتبار الطالب راسبًا في جميع المواد في العام الذي غش فيه لتحقيق الردع، مؤكدًا أن الغش هو أخطر داء لقتل المواهب وتقديم من لا يستحق التقديم وإصابة المجتهدين بالإحباط، موضحًا أن الغش مناف لكل القيم الدينية والأخلاقية والوطنية، والتستر عليه جريمة في حق الدين والوطن والعلم.
وطالب الدكتور محمد مختار جمعة، في منشور عبر صفحته الرسمية على موقع التواصل الاجتماعي "فيس بوك"، بتنظيم حملة توعوية كبيرة عبر جميع البرامج ووسائل الإعلام عن خطورة الغش وأثره في تدمير الفرد والمجتمع، قبل بدء امتحانات الثانوية العامة والأزهرية، مع التركيز على توعية أولياء الأمور بخطر ذلك على مستقبل أبنائهم، موضحًا أن مراقب اللجنة والمشرف عليها مسئول أمام الله عز وجل عن ضبط اللجان بما يعطي كل ذي حق حقه، وأن الممتحن في لجان الشفوي والعملي ونحوهما وكذلك المصحح بمثابة قاض، عليه أن يجتهد في إعطاء كل ذي حق حقه، وأن يدرك أن درجة واحدة نقصًا قد تنحرف بمسار طالب عن الطريق الذي اختطه لنفسه وأن درجة زائدة لطالب قد تكون على حساب طالب آخر، وعلى كل الأحوال إنها أمانة.
واقترح وزير الأوقاف السابق تغليظ العقوبة لأي شخص يحاول التأثير على سير العملية الامتحانية كاستخدام مكبرات الصوت للغش الجماعي أو تهديد بعض القائمين على العملية الامتحانية أو التعرض لهم بسوء، قاصدًا التأثير على إحكام سيطرتهم على اللجان، مؤكدًا أن الأمم لا تتقدم إلا بتعليم جيد ومتميز، وذلك لا يمكن أن يتحقق إلا بجدية الامتحانات والنأي بها عن أي شائبة غش أو خلافه.