هل يمكن للديمقراطية أن تستغني عن السياسيين؟ قراءة في أطروحة الحكم بالقرعة
تاريخ النشر: 23rd, February 2026 GMT
أثار كتاب "سياسة بلا سياسيين" للمفكرة الفرنسية هيلين لانديمور Hélène Landemore نقاشاً واسعاً في الأوساط الفكرية والإعلامية بعد مراجعة نقدية نشرتها الصحفية البريطانية غابي هينسليف Gaby Hinsliff، في صحيفة "الغارديان" اليوم، تناولت فيها أطروحة راديكالية تقترح استبدال البرلمانات المنتخبة بمواطنين عاديين يتم اختيارهم عشوائياً لإدارة شؤون الدولة.
فكرة "اللوتوقراطية".. حكم الشعب بالقرعة
الكتاب الصادر عن دار Allen Lane يدافع عن نموذج سياسي تسميه المؤلفة "اللوتوقراطية"، يقوم على اختيار هيئة حاكمة من المواطنين عشوائياً لفترات محددة، بدلاً من الانتخابات والأحزاب السياسية. وترى لانديمور، أستاذة العلوم السياسية في Yale University، أن هذا النظام قد يعالج أزمات الديمقراطية التمثيلية مثل هيمنة النخب والمال والنزعة الشعبوية.
وتستند أطروحتها إلى تجارب "مجالس المواطنين" التي طُبقت في عدة دول، بينها فرنسا عقب احتجاجات "السترات الصفراء"، حيث استعان الرئيس إيمانويل ماكرون بمواطنين مختارين عشوائياً لمناقشة قضايا المناخ والموت الرحيم، إضافة إلى تجارب مشابهة في أيرلندا وآيسلندا وبلجيكا.
مزايا المشاركة الشعبية
تشير المراجعة إلى أن أقوى فصول الكتاب هي تلك التي تصف الأثر الإنساني لمشاركة المواطنين في صنع القرار، إذ أسهمت هذه المجالس في بناء روابط اجتماعية وتعزيز التفاهم بين أشخاص ذوي خلفيات مختلفة، ما يخفف الاستقطاب السياسي ويشجع النقاش الهادئ بدلاً من الجدال الحاد على وسائل التواصل.
كما ترى المؤلفة أن إشراك المواطنين يمنحهم إحساساً بملكية القرار، وهو ما ظهر ـ وفق طرحها ـ في تجارب تشريعية حساسة مثل تقنين الإجهاض في أيرلندا.
انتقادات جوهرية
رغم إشادة المراجعة ببعض جوانب الطرح، فإنها تشكك في إمكانية تطبيقه على مستوى حكم الدول. فبينما قد تنجح هيئات المواطنين في مناقشة قضية محددة، يبقى الانتقال من ذلك إلى إدارة دولة كاملة قفزة كبيرة، خصوصاً في أوقات الأزمات المفاجئة مثل الحروب أو الانهيارات الاقتصادية.
يأتي الجدل حول الكتاب في سياق عالمي يتزايد فيه التشكيك بالسياسيين التقليديين، في ظل صعود شخصيات شعبوية مثل دونالد ترامب وغيرهم، وهو ما يمنح أفكار الحكم المباشر جاذبية لدى بعض الجمهور. لكن المراجعة تخلص إلى أن جاذبية الفكرة لا تعني قابليتها للتطبيق، محذّرة من اختبارها عملياً بطريقة قد تكلف الدول استقرارها.وتطرح المراجعة تساؤلات عملية: ماذا لو فشل أعضاء المجلس المختارون عشوائياً؟ كيف يمكن عزلهم في غياب الانتخابات؟ وهل سيُجبر المواطنون على تولي المنصب أم يُسمح لهم بالاعتذار؟ وتقترح لانديمور بديلاً يتمثل في استفتاءات متكررة لضمان محاسبتهم، وهو حل تعتبره المراجعة إشكالياً.
بين المثالية والواقع
تلفت المراجعة إلى أن انتقادات المؤلفة للنظام السياسي التقليدي ـ من فساد وضغط جماعات المصالح وهيمنة الأثرياء ـ صحيحة في نظر كثيرين، لكنها ترى أن إلغاء السياسيين المحترفين لا يضمن اختفاء هذه العيوب، لأن المشكلة الأساسية تكمن في الطبيعة البشرية نفسها، لا في المهنة السياسية.
وللدلالة على مخاطر السلطة غير المقيدة، تستحضر المراجعة تحذيرات الكاتب جورج أورويل George Orwell في روايته الشهيرة Animal Farm التي تصوّر كيف يمكن للثورات المثالية أن تنقلب إلى أنظمة استبدادية.
يأتي الجدل حول الكتاب في سياق عالمي يتزايد فيه التشكيك بالسياسيين التقليديين، في ظل صعود شخصيات شعبوية مثل دونالد ترامب وغيرهم، وهو ما يمنح أفكار الحكم المباشر جاذبية لدى بعض الجمهور. لكن المراجعة تخلص إلى أن جاذبية الفكرة لا تعني قابليتها للتطبيق، محذّرة من اختبارها عملياً بطريقة قد تكلف الدول استقرارها.
يطرح الكتاب رؤية جذرية لإعادة تصميم الديمقراطية، لكنه ـ وفق غابي هينسليف ـ ينجح أكثر في تشخيص أزمات السياسة المعاصرة من تقديم بديل قابل للتنفيذ.
المصدر
المصدر: عربي21
كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي أفكار كتب الذاكرة السياسية تقارير كتب كتاب فرنسا الجدل فرنسا كتاب جدل نشر المزيد في أفكار كتب كتب كتب كتب كتب كتب أفكار أفكار أفكار سياسة سياسة أفكار أفكار أفكار أفكار أفكار أفكار سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة إلى أن
إقرأ أيضاً:
«أنا وياسر عرفات».. شهادة صحفية تعيد قراءة سيرة الزعيم الفلسطيني الراحل
صدر في مصر كتاب جديد بعنوان «أنا وياسر عرفات» للكاتب الصحفي المصري أسامة شرشر، يقدم شهادة تجمع بين الذاكرة الصحفية والتوثيق السياسي حول حياة الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، المعروف بلقب «أبو عمار»، ومسيرته التي ارتبطت لعقود طويلة بتاريخ القضية الفلسطينية والنضال العربي.
ويأتي صدور الكتاب في مرحلة حساسة تمر بها القضية الفلسطينية، في ظل تحديات سياسية وإنسانية متصاعدة، ليعيد تسليط الضوء على واحدة من أكثر الشخصيات تأثيرًا في تاريخ فلسطين الحديث، من خلال رواية تعتمد على شهادات وذكريات مباشرة للكاتب مع الزعيم الفلسطيني الراحل.
ويستند الكتاب إلى سلسلة من اللقاءات والحوارات التي أجراها أسامة شرشر مع ياسر عرفات خلال سنوات من التواصل بينهما، ما يمنح القارئ فرصة للتعرف على جوانب مختلفة من شخصية أبو عمار بعيدًا عن السرد التاريخي التقليدي، ومن خلال رؤية صحفي عايش جزءًا من تجربته السياسية والإنسانية.
ولا يكتفي الكتاب بعرض المحطات العامة في حياة ياسر عرفات، بل يتتبع مراحل متعددة من مسيرته، بداية من تشكل وعيه الوطني والسياسي، مرورًا بفترات الكفاح الفلسطيني والتحولات الكبرى التي شهدتها المنطقة، وصولًا إلى المرحلة التي شهدت مفاوضات السلام والتحديات السياسية المعقدة التي أحاطت بدوره.
ويخصص «أنا وياسر عرفات» مساحة واسعة للحديث عن العلاقة بين الزعيم الفلسطيني ومصر، إذ يؤكد مؤلف الكتاب أن القاهرة شكلت محطة محورية في حياة أبو عمار، وأسهمت خلال مراحل مبكرة من حياته في تشكيل رؤيته الوطنية والسياسية وعلاقته بالقضية الفلسطينية.
ويرى أسامة شرشر أن الدور المصري كان حاضرًا بشكل أساسي في مسيرة ياسر عرفات، نظرًا للمكانة التي احتلتها مصر تاريخيًا في دعم القضية الفلسطينية، وكونها إحدى أبرز الدول العربية التي لعبت أدوارًا سياسية في مراحل الصراع المختلفة ومسارات التفاوض.
ويقدم الكتاب قراءة تجمع بين السيرة الشخصية والتاريخ السياسي، حيث يتناول جوانب من شخصية أبو عمار، وطريقة تعامله مع الأحداث الكبرى، ورؤيته للتطورات التي أثرت على مسار القضية الفلسطينية والمنطقة العربية.
كما يناقش الكتاب عددًا من القرارات والمنعطفات السياسية المرتبطة بمسيرة ياسر عرفات، محاولًا وضعها في سياقها التاريخي والإقليمي والدولي، بعيدًا عن تقديم تجربة الزعيم الفلسطيني من زاوية واحدة أو اختزالها في رواية منفردة.
ويظهر ياسر عرفات في صفحات الكتاب باعتباره شخصية سياسية تركت أثرًا واسعًا في تاريخ القرن العشرين، إذ ارتبط اسمه بمراحل طويلة من النضال الفلسطيني، وبأحداث سياسية شكلت مسار الصراع العربي الإسرائيلي لعقود.
ويأتي إصدار «أنا وياسر عرفات» ضمن محاولات توثيق الذاكرة السياسية العربية عبر شهادات شخصيات صحفية وإعلامية اقتربت من القادة وصناع القرار، حيث لا يقدم الكتاب مجرد سيرة شخصية لأبو عمار، بل يسعى إلى قراءة مرحلة كاملة من تاريخ فلسطين والمنطقة من خلال علاقة صحفي مصري بأحد أبرز رموز القضية الفلسطينية.
ويطرح الكتاب تساؤلات حول كيفية قراءة تجربة ياسر عرفات بعد سنوات من رحيله، خصوصًا في ظل التحولات الكبرى التي شهدتها القضية الفلسطينية والعالم العربي، مقدمًا شهادات وذكريات تسلط الضوء على شخصية أبو عمار وإرثه السياسي والنضالي.
هذا ويعد ياسر عرفات، الذي توفي عام 2004، من أبرز القادة الفلسطينيين في العصر الحديث، إذ قاد منظمة التحرير الفلسطينية لسنوات طويلة، وكان حاضرًا في العديد من المحطات السياسية والعسكرية التي شكلت تاريخ القضية الفلسطينية.
كما لعبت مصر دورًا محوريًا في مختلف مراحل القضية الفلسطينية، سواء عبر الدعم السياسي أو المشاركة في مسارات التفاوض والسلام.