دخلت العلاقات التجارية بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة مرحلة جديدة من التعقيد، عقب الحكم الصادر عن المحكمة العليا الأميركية بعدم قانونية جزء من الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس الأميركي دونالد ترامب. 

 

وبينما رحبت عواصم أوروبية بالقرار من حيث المبدأ، فإنها سارعت في الوقت نفسه إلى الدعوة لاعتماد “نهج أوروبي موحد” تحسباً لاستمرار حالة الضبابية في السياسة التجارية لواشنطن.

 

 

المستشار الألماني فريدريش ميرتس أعرب عن توقعه بتراجع الأعباء المفروضة على الشركات الألمانية نتيجة إلغاء جزء من الرسوم، لكنه شدد على ضرورة التنسيق الوثيق مع شركاء الاتحاد الأوروبي قبل زيارته المرتقبة إلى الولايات المتحدة. 

 

وأكد أن سياسة الرسوم الجمركية تندرج ضمن الصلاحيات الحصرية للاتحاد، ولا يمكن التعامل معها بشكل منفرد من قبل الدول الأعضاء، مشيراً إلى أن استمرار الضبابية يشكل “أكبر خطر” على اقتصادَي أوروبا وأميركا معاً.

 

ورغم الحكم القضائي، لا تزال بعض الرسوم قائمة، لا سيما تلك المفروضة على قطاعات السيارات والصلب والألومنيوم، وهي قطاعات حيوية للاقتصاد الألماني. ويرى مراقبون أن الإبقاء على هذه الرسوم يعكس تعقيد المشهد القانوني والتجاري، ويحدّ من تأثير القرار القضائي على أرض الواقع.

 

من جهته، دعا وزير التجارة الفرنسي نيكولا فوريسييه إلى اعتماد “نهج موحد” داخل الاتحاد الأوروبي، مؤكداً أن بروكسل تمتلك أدوات كافية للرد إذا اقتضت الضرورة. 

 

وتلوح في الأفق آلية “مكافحة الإكراه”، التي تمنح الاتحاد صلاحيات واسعة تشمل فرض رسوم على الخدمات أو تقييد الصادرات أو حتى استبعاد شركات أميركية من عقود التوريد الأوروبية. 

 

وفي السياق ذاته، يتجه البرلمان الأوروبي إلى مناقشة تعليق تنفيذ الاتفاق الجمركي الذي تم التوصل إليه سابقاً بين أورسولا فون دير لاين وترمب، والذي نصّ على سقف لا يتجاوز 15% لمعظم الواردات الأوروبية. 

 

رئيس لجنة التجارة في البرلمان الأوروبي بيرند لانجه أشار إلى أن غياب اليقين القانوني يطرح تساؤلات حول قدرة الولايات المتحدة على الالتزام بالاتفاقات المبرمة.

 

ويعكس هذا التطور حالة شدّ وجذب في العلاقات عبر الأطلسي، حيث تحاول أوروبا الموازنة بين تجنب التصعيد التجاري والحفاظ على مصالحها الاستراتيجية. وبينما يمنح حكم المحكمة العليا متنفساً مؤقتاً للشركات الأوروبية، فإن مستقبل العلاقات التجارية سيظل رهناً بمدى التزام واشنطن بقواعد التجارة الدولية، وبقدرة الاتحاد الأوروبي على بلورة موقف موحد يحمي اقتصاده من تقلبات السياسات الأميركية.

المصدر

المصدر: بوابة الوفد

كلمات دلالية: أوروبا الاتحاد الأوروبي الولايات المتحدة المحكمة العليا الأميركية الرسوم الجمركية الرئيس الأميركي ترامب دونالد ترامب فريدريش ميرتس المستشار الألماني البرلمان الأوروبي الاتحاد الأوروبی

إقرأ أيضاً:

القتال الصامت.. كيف أعاد الأمن السيبراني تشكيل مسار الحرب؟

 

 

 

د. علي موسى الكناني

في سياق الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، لم يعد الأمن السيبراني عاملا ثانويا، أو مكمّلا؛ بل تحوّل إلى أحد المحرّكات الخفيّة التي أثّرت بشكل مباشر على مسار الأحداث؛ سواء في الميدان أو داخل بنية الدولة. ما جرى في هذا المجال لم يكن حدثا واحدا واضحا؛ بل سلسلة من العمليات المتداخلة التي تراكم تأثيرها مع الوقت.

أول ما يمكن ملاحظته هو أن الهجمات السيبرانية أدّت إلى إرباك مستمر في إدارة البنى التحتية الحيوية. لم يكن الهدف دائما التدمير الكامل؛ بل خلق حالة من الضغط المتواصل عبر اختراقات محدودة، أو محاولات تعطيل جزئية؛ شبكات الكهرباء، أنظمة الاتصالات، وبعض المرافق المرتبطة بالطاقة، تعرّضت لمحاولات اختراق أو تشويش، ما فرض على المؤسسات المعنية العمل في حالة استنفار دائم. هذا الاستنزاف الفني والتقني انعكس على كفاءة الأداء العام، وأجبر الدول على تخصيص موارد إضافية للحماية بدلا من توجيهها بالكامل إلى الجهد العسكري التقليدي.

كما لعبت الهجمات السيبرانية دورًا واضحًا في تعزيز القدرة الاستخبارية للأطراف المتصارعة. عمليات الاختراق لم تكن تهدف فقط إلى التعطيل؛ بل إلى جمع معلومات دقيقة حول التحركات، والاتصالات، والبنية التنظيمية. هذا النوع من المعلومات وفر أفضلية نسبية في اتخاذ القرار، سواء على المستوى العسكري أو السياسي. في بعض الحالات، أدى تسريب أو الوصول إلى بيانات حساسة إلى تغيير تكتيكات ميدانية أو إعادة ترتيب أولويات.

وكان هناك تأثير ملحوظ في القطاع الاقتصادي والمالي؛ فالهجمات التي استهدفت أنظمة مصرفية أو خدمات إلكترونية لم تؤدّ بالضرورة إلى انهيار شامل، لكنها خلقت حالة من القلق وعدم اليقين. المستخدمون واجهوا صعوبات مؤقتة في الوصول إلى خدماتهم، والشركات اضطرّت إلى تعليق بعض العمليات أو تعزيز إجراءاتها الأمنية بشكل مكلف. هذه الأجواء أثّرت على ثقة السوق، خاصة في ظل تزامنها مع توترات عسكرية، ما جعل الاقتصاد جزءا من دائرة الضغط.

ومن أبرز ما حدث أيضًا هو تصاعد الحرب الإعلامية الرقمية. الفضاء السيبراني تحوّل إلى ساحة لنشر الروايات المتضاربة، سواء عبر منصّات التواصل أو من خلال اختراق حسابات أو مواقع. هذا الأمر أدّى إلى تشويش في تدفّق المعلومات، وصعوبة في التمييز بين ما هو حقيقي، وما هو مضلل. نتيجة لذلك، أصبح الرأي العام هدفا مباشرا، حيث تسعى كل جهة إلى التأثير عليه أو توجيهه بما يخدم مصالحها.

إضافة إلى ذلك، شهدت الحرب استهدافًا للأنظمة اللوجستية وسلاسل الإمداد. بعض العمليات ركّزت على تعطيل منصات إدارة النقل أو الشحن، أو إرباك الأنظمة المرتبطة بتوزيع الموارد. ورغم أن هذه الهجمات غالبا ما تكون محدودة زمنيا، إلّا أن تأثيرها التراكمي يؤدي إلى بطء في الحركة الاقتصادية وخلل في توفر بعض الخدمات أو المواد.

ومن الجوانب المهمة أيضا التأثير النفسي والاجتماعي؛ فمجرد الإعلان عن هجوم سيبراني أو حتى احتمال حدوثه كان كفيلًا بإثارة القلق داخل المجتمع. الخوف من فقدان خدمات أساسية مثل الكهرباء أو الاتصالات أو الأنظمة الصحية الرقمية خلق حالة من التوتر، خاصة في المدن الكبرى التي تعتمد بشكل كبير على التكنولوجيا. هذا الضغط النفسي يشكل بحد ذاته أحد أهداف الهجمات، لأنه يؤثّر على الاستقرار الداخلي.

في الوقت نفسه، أجبرت هذه التطورات الدول على إعادة توزيع أولوياتها ومواردها. لم يعد التركيز منصبّا فقط على الجبهات العسكرية؛ بل أصبح من الضروري تعزيز الدفاعات الرقمية، وتأمين الشبكات، وتدريب الكوادر. هذا التحول يعني أن جزءًا من الجهد والميزانية يتم توجيهه نحو مواجهة تهديد غير مرئي، لكنه مؤثر.

كما برزت مسألة صعوبة تحديد المسؤولية كعامل معقد في هذه الحرب. في كثير من الحالات، لا يمكن الجزم بشكل قاطع بمن يقف وراء الهجوم، بسبب استخدام تقنيات إخفاء المصدر، أو الاعتماد على أطراف وسيطة. هذا الغموض يقلل من فرص الرد المباشر، لكنه في الوقت نفسه يفتح المجال أمام تصعيد غير محسوب، لأن كل طرف قد يفسر الهجمات بطريقته.

ولا يمكن تجاهل أن ما يحدث اليوم هو امتداد لتجارب سابقة، مثل هجوم "ستوكسنت"، الذي أظهر مبكرًا كيف يمكن للهجمات الرقمية أن تنتقل من مجرد تعطيل أنظمة إلى التأثير على منشآت مادية حساسة. هذا النموذج أصبح مرجعا ضمنيا لما يجري حاليًا، لكن بأدوات أكثر تطورًا وانتشارًا.

في المحصلة.. ما حدث بسبب الأمن السيبراني في هذه الحرب لم يكن حدثًا حاسمًا واحدًا؛ بل تراكم تأثيرات متعدّدة غير مباشرة. هذه التأثيرات شملت إرباك البنى التحتية، وتعزيز القدرات الاستخبارية، الضغط على الاقتصاد، التأثير على الرأي العام، واستنزاف الموارد. وبذلك، أصبح الأمن السيبراني عاملًا يحدّد إيقاع الصراع ويضيف إليه بُعدًا مُعقدًا، يجعل من الحرب أكثر تشابكا وأقل قابلية للتنبؤ بنتائجها.

مقالات مشابهة

  • القتال الصامت.. كيف أعاد الأمن السيبراني تشكيل مسار الحرب؟
  • سياسة تجارية جديدة في واشنطن.. مراجعة شاملة لـ«الرسوم الجمركية»
  • لجنة التجارة في البرلمان الأوروبي تمهد الطريق أمام اعتماد اتفاق الرسوم الجمركية مع الولايات المتحدة
  • اتفاق أوروبي مؤقت يمهد لدراسة إنشاء مراكز لترحيل المهاجرين خارج الاتحاد
  • اختلالات تهدد استدامة التجارة بين أوروبا والصين.. خبير يطالب بإعادة التوازن
  • يورونيوز : الاتحاد الأوروبي يشترط وقف إطلاق النار لتعزيز دوره في المحادثات الأوكرانية الروسية
  • واشنطن تفرض رسوماً 25% لمعاقبة البرازيل على ممارسات تجارية
  • إدارة ترامب تقترح فرض رسوم بنسبة 25% على واردات برازيلية بدعوى ممارسات تجارية غير عادلة
  • اتفاق مؤقت بين البرلمان الأوروبي والاتحاد الأوروبي يمهد لإنشاء مراكز ترحيل خارج التكتل
  • فيتسو يدعو إلى الامتناع عن التصريحات حول خطر الحرب بين الاتحاد الأوروبي وروسيا