في بكين، بدا المشهد هذا الأسبوع وكأنه إعادة إخراج محسوبة لعلاقة القوتين الأعظم في العالم: مراسم استقبال فخمة، نخب متبادلة، كلمات دافئة عن "الصداقة" و"الاستقرار"، وجلسات شاي داخل المجمع القيادي المغلق للحزب الشيوعي الصيني.

لكن خلف هذه الصور المصممة بعناية، كانت الولايات المتحدة والصين تتبادلان رسائل أكثر قسوة تتعلق بالعقوبات والتجسس السيبراني والذكاء الاصطناعي وإيران وتايوان، في واحدة من أكثر اللحظات تعقيدا في العلاقة بين البلدين منذ سنوات.

اقرأ أيضا list of 2 itemslist 1 of 2كاتب روسي: أمريكا على خطى آشور.. والقوة العمياء تمهّد للانهيارlist 2 of 2دير شبيغل: لماذا كل هذا الخوف من هانتا؟ 7 أسئلة تشرح القلقend of list

وهذا المشهد هو ما التقطه مراسلو صحيفتي نيويورك تايمز (New York Times) ووول ستريت جورنال (Wall Street Journal) على وجه التحديد.

تعليمات سبقت الزيارة

في تقريرها الإخباري، ذكرت نيويورك تايمز أن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب وصل إلى بكين وقد سبقته توجيهات من البيت الأبيض إلى كبار المسؤولين في إدارته أن تجنبوا أي مواجهات "غير ضرورية مع الصين، كبيرة كانت أم صغيرة" قد تُفسد مساعي التقارب مع أكبر منافس عسكري واقتصادي وتكنولوجي للولايات المتحدة.

غير أن مراسلي الصحيفة أفادوا بأن هذه الوقائع التي سبقت الزيارة جعلت هذا الهدف شبه مستحيل؛ إذ إن الأمور لم تسر على النحو الذي أراده البيت الأبيض.

ويعود السبب في ذلك -كما ورد في التقرير- إلى أن واشنطن صعّدت في الأسابيع الأخيرة إجراءاتها ضد بكين على عدة جبهات دفعة واحدة، حيث فرضت وزارة الخزانة عقوبات على شركات صينية اتهمتها بتزويد إيران بصور وبيانات استهداف عبر الأقمار الصناعية ساعدت طهران في شن هجمات ضد قواعد ومنشآت أمريكية في الشرق الأوسط.

كما اتهم البيت الأبيض جهات صينية بسرقة نماذج ذكاء اصطناعي أمريكية متقدمة واستخدامها لتطوير نماذج منافسة، بينما كشفت السلطات الفيدرالية عن اتهام رئيسة بلدية مدينة أركاديا في كاليفورنيا بالعمل بصورة غير قانونية لصالح الحكومة الصينية.

كشفت تقارير أمنية أمريكية وغربية عن شبكات قرصنة ترعاها الدولة الصينية وتستهدف البنى التحتية الحيوية وقواعد البيانات الحساسة، بما في ذلك أنظمة داخلية تابعة لمكتب التحقيقات الفيدرالي (إف بي آي)

بواسطة نيويورك تايمز

 

وفي الوقت نفسه، كانت أجهزة الأمن الأمريكية تدق ناقوس الخطر بشأن الاختراقات السيبرانية الصينية، وفق نيويورك تايمز التي كشفت أن تقارير أمنية أمريكية وغربية تحدثت عن شبكات قرصنة ترعاها الدولة الصينية وتستهدف البنى التحتية الحيوية وقواعد البيانات الحساسة، بما في ذلك أنظمة داخلية تابعة لمكتب التحقيقات الفيدرالي (إف بي آي).

إعلان

وبحسب المسؤولين الأمريكيين، فإن ما يثير القلق ليس مجرد وقوع الاختراقات، بل قدرة الصين المتكررة على العودة إلى الشبكات ذاتها رغم إجراءات الحماية السابقة.

وليس واضحا تماما -برأي الصحيفة- سبب هذا السيل المفاجئ من الإجراءات المتعلقة بالصين، باستثناء أن إدارة ترمب أمضت الآن نحو عام ونصف العام في السلطة، وهي فترة كافية لكي يجمع الصقور المناهضون للصين الذين عيّنهم الرئيس -وهم كثر- الأدلة ويبنون ملفاتهم.

وفي بعض الأحيان، يعني ذلك إجبار الرئيس على مواجهة أدلة على تحركات صينية تهدف إلى تقويض الولايات المتحدة أو حلفائها، حتى وإن كانت غريزته الأولى تتمثل في الحديث عن "العلاقة الجيدة" التي تربطه بنظيره شي جين بينغ، والإيحاء ضمنا بأن كل شيء يمكن تجاوزه.

 

نبرة تصالحية

ورغم هذه الإجراءات من جانب واشنطن، لفتت نيويورك تايمز إلى أن ترمب استخدم في الواقع "لهجة تصالحية" إلى حد كبير يوم الخميس، إذ وصف شي بأنه "قائد عظيم"، وخاطبه قائلا: "يشرفني أن أكون صديقك". من جانبه، حذر شي نظيره الأمريكي من أن "صراعات" قد تقع بين القوتين العظميين بسبب قضية تايوان.

وقال بعض الخبراء إن من غير المرجح أن تكون إدارة ترمب تحاول انتزاع أوراق ضغط على الصين خلال محادثات هذا الأسبوع عبر هذه موجة من الإجراءات الصارمة، لأن كثيرا منها لا يتجاوز كونه اتهامات تنفيها بكين بسهولة.

وبدلا من ذلك، قد يكون كبار المسؤولين يستغلون فرصة يرونها مناسبة لتسليط الضوء على التوترات مع الصين بشأن إيران والأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي، وتذكير الرئيس بأن بكين -إضافة إلى كونها أكبر تهديد جيوسياسي للولايات المتحدة- لم تقرر بعد أن تبدأ في التصرف بود.

وسط هذا المناخ، بدا أن الزيارة الرئاسية تسير في مسارين متوازيين: دبلوماسية علنية مفعمة بالمجاملات، وصراع استراتيجي يتوسع بهدوء في الخلفية.

الاستقرار الاستراتيجي

كما أشار تقرير نشرته صحيفة وول ستريت جورنال إلى أن القمة بين الزعيمين صُممت بعناية لإبراز أجواء إيجابية، لكنها أخفت خلافات عميقة بشأن طبيعة العلاقة الثنائية ومستقبلها.

فبينما ركز البيت الأبيض على إعادة ضبط العلاقات التجارية والاستثمارات المتبادلة، سعت بكين إلى تثبيت ما وصفته بـ"إطار الاستقرار الاستراتيجي" بهدف الحد من أي خطوات أمريكية مفاجئة، سواء في الرسوم الجمركية أو العقوبات أو ملف تايوان.

على أن ما بدا للصين محاولة لتأسيس "استقرار استراتيجي" طويل الأمد، قرأته دوائر أمريكية كثيرة بصورة مختلفة تماما.

فبحسب مسؤولين وخبراء تحدثوا لصحيفة وول ستريت جورنال، ترى بكين أن أفضل طريقة لإدارة ولاية ترمب الرئاسية الثانية هي تقييده سياسيا عبر تفاهمات علنية تمنع واشنطن من اتخاذ خطوات مفاجئة ضد الصين، سواء عبر عقوبات أو رسوم جمركية أو صفقات سلاح لتايوان.

ولهذا السبب، برز ملف تايوان باعتباره القضية الأكثر حساسية خلال المحادثات، إذ حذر شي جين بينغ نظيره الأمريكي بشكل مباشر من أن سوء إدارة الملف قد يدفع البلدين إلى "التصادم أو حتى المواجهة".

بكين تحاول ربط أي استقرار طويل الأمد في العلاقات بين البلدين بموقف واشنطن من تايوان، في مسعى لتقييد الدعم الأميركي لتايبيه وإبطاء صفقات السلاح المخصصة لها

بواسطة وول ستريت جورنال

الرسالة الصينية هنا -كما قرأتها وول ستريت جورنال- كانت شديدة الوضوح: لا يمكن الحديث عن استقرار استراتيجي بين القوتين إذا استمرت واشنطن في توسيع دعمها العسكري والسياسي لتايوان.

إعلان

ومن اللافت أن الإدارة الأمريكية كانت قد أرجأت بالفعل المصادقة النهائية على حزمة مساعدات عسكرية لتايوان تبلغ قيمتها نحو 13 مليار دولار، وهو قرار رأت فيه أوساط أمريكية محاولة لتجنب استفزاز بكين قبل القمة، ومنح شي فرصة لعرض اعتراضاته مباشرة على ترمب.

وتقول الصحيفة إن بكين تحاول ربط أي استقرار طويل الأمد في العلاقات بين البلدين بموقف واشنطن من تايوان، في مسعى لتقييد الدعم الأمريكي لتايبيه وإبطاء صفقات السلاح المخصصة لها.

 

هذه الابتسامات والمجاملات لم تحجب الخلافات بين ترمب (يمين) وشي جين بينغ  (رويترز)وراء الأكمة ما وراءها

لكن خلف المجاملات والابتسامات، بقيت الخلافات الجوهرية على حالها. فبينما ركزت الرواية الأمريكية للقمة على إعادة ضبط العلاقات التجارية وفتح الأسواق الصينية أمام الشركات الأمريكية، قدّمت بكين اللقاء باعتباره بداية إطار سياسي طويل الأمد لإدارة التنافس ومنع الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة.

وعلى الرغم من تراجع حدة الحرب التجارية التي اندلعت العام الماضي، إلا أن صحيفة وول ستريت جورنال ترى أن الهيكل الأساسي للعلاقة لم يتغير؛ ففي ملفات التكنولوجيا والاستثمارات الصينية وإيران، لا تزال واشنطن وبكين على طرفي نقيض.

وفي ملف إيران تحديدا، ظهر التناقض بوضوح. فقد استشهدت الصحيفة بتصريح أدلى به ترمب في مقابلة أجرتها معه قناة "فوكس نيوز" (Fox News)، حيث ذكر أن شي جين بينغ أخبره بأن الصين "لن تقدم معدات عسكرية" لطهران، لكن بكين لم تظهر أي إشارة على وقف شراء النفط الإيراني، الذي يمثل شريان الحياة للاقتصاد الإيراني المحاصر بالعقوبات الأمريكية.

كما أظهرت تقارير أمريكية أن الشركات الصينية ما تزال تواصل شراء النفط الإيراني، وهو يوفر لطهران شريانا اقتصاديا حيويا رغم العقوبات الغربية المفروضة عليها، طبقا لوول ستريت جورنال.

 

سكوت بيسنت يرى أن بلاده تتحدث مع الصين من موقع قوة (الأوروبية)سباق استراتيجي

أما في مجال الذكاء الاصطناعي، فقد اتفق الجانبان على إطلاق حوار حول معايير السلامة والتنظيم، لكن المسؤولين الأمريكيين تعاملوا مع الأمر باعتباره جزءا من سباق استراتيجي لا يقل أهمية عن سباقات التسلح التقليدية.

ونقلت الصحف الأمريكية عن مسؤولين في إدارة ترامب تأكيدهم أن واشنطن لا تدخل هذه المحادثات من موقع الندية، بل من موقع التفوق التقني الذي تسعى للحفاظ عليه.

وبحسب وول ستريت جورنال، فقد لخص وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت موقف بلاده الجديد بقوله إن الحوار مع الصين حول الذكاء الاصطناعي لا يتم إلا من موقع قوة: "نحن نتحدث معهم لأننا في الصدارة.. لا أعتقد أننا كنا سنحظى بنفس المناقشات لو كانوا هم المتقدمين علينا بهذا القدر".

خلاصة القول، انتهت القمة بدعوة ترمب الرئيس الصيني شي لزيارة واشنطن في سبتمبر/أيلول المقبل، لكن في الوقت الذي كان فيه الرئيس يغادر بكين، كانت التقارير الاستخباراتية في واشنطن ترسم صورة لمنافس لا يتوقف عن بناء ترسانته البحرية والنووية، ولا يكف عن محاكاة حصار تايوان؛ مما يجعل "الصداقة" المعلنة مجرد هدنة قصيرة في صراع طويل الأمد سيتحدد شكله عبر العقوبات والشيفرات البرمجية، لا عبر مآدب العشاء الرسمية.

المصدر

المصدر: الجزيرة

كلمات دلالية: وسم حريات دراسات وول ستریت جورنال نیویورک تایمز البیت الأبیض شی جین بینغ طویل الأمد مع الصین من موقع

إقرأ أيضاً:

أمين سر إسكان الشيوخ: العلاقات المصرية الصينية تدخل مرحلة جديدة من التكامل الاقتصادي والتنموي

تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق

أكد المهندس أحمد صبور، عضو مجلس الشيوخ، أن العلاقات المصرية الصينية تمثل أحد أنجح نماذج الشراكة الاستراتيجية في العالم النامي، مشيراً إلى أن مرور سبعين عاماً على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين يعكس قوة الروابط السياسية والاقتصادية التي نجحت في الصمود والتطور رغم المتغيرات الدولية والإقليمية المتلاحقة.

وقال "صبور "  بمناسبة الاحتفال بالذكرى السبعين لتأسيس العلاقات الدبلوماسية بين جمهورية مصر العربية وجمهورية الصين الشعبية، إن مصر كانت صاحبة رؤية استباقية عندما أصبحت أول دولة عربية وأفريقية تقيم علاقات رسمية مع الصين عام 1956، وهو القرار الذي أسس لعلاقة متينة تقوم على الاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية وتحقيق المصالح المشتركة.

وأضاف أن السنوات الأخيرة شهدت طفرة غير مسبوقة في مستوى التعاون بين القاهرة وبكين، خاصة بعد الارتقاء بالعلاقات إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية الشاملة، وهو ما انعكس في حجم الاستثمارات الصينية المتزايدة داخل السوق المصرية، ومشاركة الشركات الصينية في تنفيذ عدد من المشروعات القومية الكبرى، وفي مقدمتها مشروعات المنطقة الاقتصادية لقناة السويس والعاصمة الإدارية الجديدة وقطاعات البنية التحتية والطاقة والتكنولوجيا.

وأشار عضو مجلس الشيوخ إلى أن العلاقات المصرية الصينية لا تقتصر على التعاون الاقتصادي فحسب، وإنما امتدت لتشمل مجالات التعليم والثقافة ونقل التكنولوجيا والتنمية المستدامة، بما يعزز قدرة البلدين على مواجهة التحديات العالمية وتحقيق أهداف التنمية الشاملة، لافتا إلى أن مصر والصين تجمعهما حضارتان من أعرق الحضارات الإنسانية، وهو ما يمنح العلاقات بين الشعبين بعداً ثقافياً وحضارياً فريداً يتجاوز المصالح التقليدية، ويؤسس لمزيد من التعاون والتبادل المعرفي خلال المرحلة المقبلة.

وشدد النائب أحمد صبور تصريحاته على أن الاحتفال بمرور سبعة عقود على العلاقات الدبلوماسية بين البلدين يمثل محطة مهمة لاستشراف مستقبل أكثر تعاوناً وشراكة، في ظل الإرادة السياسية القوية لدى قيادتي البلدين لتعزيز العلاقات الثنائية ودعم الاستقرار والتنمية في المنطقة والعالم.

مقالات مشابهة

  • هل وصلت "وول ستريت" إلى منطقة التشبع؟
  • وول ستريت تتراجع بعد قمم تاريخية.. وطفرة الذكاء الاصطناعي تدعم أسهم التكنولوجيا
  • السياحة تطلق حملات ترويجية بعدد من الأسواق الأوروبية وأمريكا اللاتينية
  • السياحة تطلق حملات ترويجية بالأسواق الأوروبية وأمريكا اللاتينية
  • وكالة فارس: توقّف تبادل الرسائل بين إيران وأمريكا
  • سفير بكين بالقاهرة: الشاي جسر للحوار بين الحضارات والعلاقات المصرية الصينية نموذج للتعاون
  • وكالة «فارس»: لا تبادل للرسائل حالياً بين إيران وأمريكا​
  • ترامب مخاطباً نتنياهو: «أنت مجنون ولولاي لكنت في السجن»
  • زعيمة المعارضة التايوانية تسعى لكسب ثقة واشنطن وسط جدل بشأن الصين والإنفاق الدفاعي
  • أمين سر إسكان الشيوخ: العلاقات المصرية الصينية تدخل مرحلة جديدة من التكامل الاقتصادي والتنموي