أم هند رجب أمام الأمم المتحدة: العالم سمع استغاثتها ولم ينقذها
تاريخ النشر: 15th, May 2026 GMT
في كل بيت صورة لا تغادر الجدار، وفي كل أم فراغ لا يملؤه شيء، لكن وجع وسام حمادة والدة الطفلة هند رجب كان مختلفا؛ لأنها لم تفقد طفلتها فقط، بل سمعت خوفها الأخير، وارتجاف صوتها، واستغاثتها الصغيرة وهي محاصرة بالموت وحدها داخل سيارة باردة في شوارع غزة.
حين ظهرت وسام أمام لجنة الأمم المتحدة المعنية بممارسة الشعب الفلسطيني لحقوقه غير القابلة للتصرف، لم تكن تتحدث كسياسية أو ناشطة، بل كأم ما زالت تنتظر أن تفتح ابنتها الباب وتدخل ضاحكة كما كانت تفعل دائما.
قالت إن عيد ميلاد هند مر قبل أيام. منذ رحيلها، صار يوم الميلاد موعدا جديدا للحزن. كانت هند تحب البحر بشكل جنوني، وتعتبر يوم ميلادها عيدا للحياة كلها. آخر احتفال لها في غزة كان مختلفا، اجتمعت فيه العائلة كاملة دون أن يغيب أحد، وكأن الجميع حضروا لالتقاط الصورة الأخيرة دون أن يعرفوا.
تقول أمها إن هند لم تكن تشبه الأطفال في عمرها. كانت في الخامسة، لكنها تتحدث كأنها أكبر بسنوات. تساعدها في البيت، تشاركها الأفكار، تذهب معها إلى السوق وإلى البحر، وتجلس قربها كصديقة لا كطفلة.
"كنت أشعر أنها رفيقة دربي"، تقول الأم، "ولما رحلت أخذت راحتي وفرحتي معها".
لكن غزة، التي اعتادت أن تخطف أحلام أطفالها فجأة، لم تمنح هند وقتا لتكبر أكثر. في ذلك اليوم، كانت العائلة داخل سيارة تحاول النجاة. الرصاص كان يقترب، والدبابة الإسرائيلية تسير بمحاذاتهم. اتصلت ليان، قريبة هند، بالهلال الأحمر وهي ترتجف:
"عمو.. يطلقون علينا النار.. الدبابة بجانبنا".
حاول الموظف أن يهدئها، أن يسألها إن كانوا مختبئين، لكن الكلمات انكسرت فجأة تحت صوت الرصاص.. صراخ.. إطلاق نار كثيف.. ثم صمت.
إعلانبعد لحظات، عاد الهاتف ليرن.. لكن الصوت هذه المرة لم يكن صوت امرأة، بل صوت طفلة صغيرة نجت وحدها بين الجثث.
"ألو.. كلهم ميتين؟" كان ذلك صوت هند رجب.. طفلة في الخامسة من عمرها تسأل سؤالا لا يجب أن يعرفه الأطفال أبدا.
سألها موظف الهلال الأحمر بصوت مرتبك "أين أنتِ يا حبيبتي؟".. قالت بصوت خافت: "في السيارة". ثم همست الجملة التي مزقت قلوب الملايين: "الدبابة بجانبي".
كانت تصف الموت وهو يتحرك حولها. تصف جنازير الدبابة وهي تقترب أكثر، بينما هي محاصرة وحدها داخل السيارة، بين أجساد أقاربها الذين سقطوا أمام عينيها.
حاول الرجل أن يبقيها متماسكة: "لا تخافي.. سأبقى معكِ".
لكن هند، بصوتها الصغير المرتجف، لم تطلب سوى شيئا واحدا: "تعالوا خذوني.. أمانة تعالوا خذوني".
لم تطلب دمية.. لم تطلب أمها.. لم تطلب البحر الذي أحبته.. كانت فقط تريد أن تنجو.. وكان العالم كله يسمعها.
335 رصاصة
تقول الأم وسام إنها لا تستطيع أن تنسى تلك اللحظة. كيف يمكن لأم أن تتحمل سماع طفلتها تتوسل النجاة من دبابة؟ كيف يمكن لقلب أم أن يعيش بعدما يسمع ابنته تستغيث ولا يستطيع الوصول إليها؟
ثم جاءت الحقيقة الأشد قسوة.. تقول الأم إن ابنتها أعدمت بـ335 رصاصة.. ثلاثمئة وخمس وثلاثون رصاصة اخترقت جسد طفلة كانت قبل أيام فقط تختار كعكة عيد ميلادها وتخطط للذهاب إلى البحر.
لكن وسام، رغم انكسارها، لم تتحدث عن هند وحدها. كانت تتحدث عن آلاف الأمهات في غزة اللواتي دفن أبناءهن دون وداع، وعن أطفال ظلوا يصرخون تحت الأنقاض حتى اختفت أصواتهم إلى الأبد.
قالت بصوت تختلط فيه المرارة بالغضب: "هذه ليست أرقاما في التقارير.. هؤلاء بشر لهم وجوه وذكريات وحياة".
ثم سألت العالم سؤالا بدا أثقل من كل الخطب السياسية: "هل تعرفون كيف يشعر الطفل حين يجوع فيرسم الطعام بدلا من أن يأكله؟".
وفي القاعة، لم يكن هناك ما يمكن أن يقال بعد ذلك. لأن هند، الطفلة التي كانت تخاف من صوت الدبابة، تحولت بعد رحيلها إلى صوت غزة كلها.
صوت طفلة صغيرة كانت تحلم بعيد ميلاد جديد، وبنزهة إلى البحر، وبحياة عادية جدا.. لكن آخر ما بقي منها في ذاكرة العالم كان همستها المرتجفة: "تعالوا خذوني".. ولم يأتِ أحد.
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: وسم حريات دراسات لم تطلب
إقرأ أيضاً:
السفير المصري بجوبا يؤكد دعم القاهرة الكامل لبعثة الأمم المتحدة بجنوب السودان
استقبلت أنيتا كيكي جبيهو، الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة ورئيس بعثة الأمم المتحدة في جنوب السودان (UNMISS)، السفير حازم ممدوح فوزي، سفير مصر لدى جنوب السودان، وذلك بمناسبة توليها مهام منصبها الجديد، في تأكيد جديد على التزام مصر بدعم جهود السلام والاستقرار في جنوب السودان.
وخلال اللقاء، حرص السفير المصري على تقديم التهنئة للسيدة جبيهو بمناسبة تعيينها رئيسة لبعثة الأمم المتحدة في جنوب السودان، متمنياً لها التوفيق والنجاح في أداء مهامها خلال المرحلة المقبلة، التي تشهد تحديات مهمة على صعيد دعم مسيرة السلام وتعزيز الاستقرار والتنمية في الدولة الأفريقية الشابة.
وأكد السفير حازم ممدوح فوزي حرص مصر على مواصلة التعاون والتنسيق مع بعثة الأمم المتحدة في جنوب السودان، مشدداً على استعداد السفارة المصرية والبعثة المصرية في جوبا لتقديم كافة أشكال الدعم الممكنة لإنجاح مهمة البعثة الأممية وتحقيق أهدافها الرامية إلى دعم الأمن والاستقرار وتعزيز جهود بناء السلام.
وأشار إلى أن مصر تولي أهمية خاصة لاستقرار جنوب السودان باعتباره أحد ركائز الأمن والاستقرار في منطقة حوض النيل وشرق أفريقيا، مؤكداً استمرار القاهرة في مساندة مؤسسات الدولة الجنوب سودانية ودعم جهود التنمية وبناء القدرات، إلى جانب دعم المبادرات الدولية والإقليمية الهادفة إلى تحقيق السلام المستدام.
من جانبها، أعربت أنيتا كيكي جبيهو عن تقديرها للدور المصري الفاعل في جنوب السودان، وللدعم الذي تقدمه القاهرة في مختلف المجالات، مؤكدة أهمية التعاون مع الشركاء الدوليين والإقليميين، وفي مقدمتهم مصر، لتعزيز جهود البعثة الأممية في تنفيذ ولايتها وتحقيق تطلعات الشعب الجنوب سوداني نحو الأمن والاستقرار والتنمية.
ويأتي هذا اللقاء في إطار التنسيق المستمر بين مصر والأمم المتحدة بشأن دعم عملية السلام في جنوب السودان، بما يعكس الدور المصري النشط في مساندة الاستقرار الإقليمي وتعزيز الجهود الدولية الرامية إلى ترسيخ الأمن والتنمية في القارة الأفريقية.