في أعقاب الزيارة التي أجراها الرئيس الأمريكي دونالد ترمب إلى بكين ولقائه الرئيس الصيني شي جين بينغ، باتت الأنظار تتجه إلى الدور المتنامي الذي تلعبه الصين في الشرق الأوسط، في وقت تشهد فيه المنطقة توترا متصاعدا بين الولايات المتحدة وإيران، وسط مساعٍ دولية لاحتواء واحدة من أكثر جولات التصعيد حساسية منذ سنوات.

وبحسب تقرير لأزهار أحمد أعدته للجزيرة، باتت الصين، التي توصف بأنها "مصنع العالم" وثاني أكبر اقتصاد عالمي، تفرض حضورها المتزايد سياسيا واقتصاديا وإستراتيجيا في المنطقة، مستفيدة من التحولات التي يشهدها الاقتصاد العالمي واتجاه مراكز الثقل الصناعي نحو آسيا.

ومع اتساع سلاسل القيمة العالمية، برزت الصين بوصفها شريكا قادرا على تلبية متطلبات المرحلة الجديدة في الشرق الأوسط، القائمة على التصنيع والتكنولوجيا والاستثمار طويل الأمد، بعدما تجاوزت العلاقة التقليدية القائمة على تبادل النفط والسلع.

وباتت دول الخليج تمثل بالنسبة للصين مصدرا رئيسيا للطاقة وبيئة موثوقة للاستثمار، في حين توفر بكين القدرات التصنيعية والتكنولوجية والبنى التحتية الصناعية والرقمية، ضمن شراكة تقوم على تبادل المصالح الإستراتيجية.

وتعد الصين من أبرز مستوردي الطاقة الخليجية، إذ تتجاوز وارداتها من نفط المنطقة 280 مليار دولار، بما يعادل نحو 40% من إجمالي وارداتها النفطية، وفق بيانات الجمارك الصينية.

كما ارتفع حجم التبادل التجاري بين الصين ودول الخليج إلى قرابة 300 مليار دولار، مقارنة بـ182 مليار دولار عام 2014، وهو رقم يفوق بأكثر من الضعف حجم التبادل التجاري الأمريكي الخليجي.

نفوذ يتجاوز الاقتصاد

ورغم أن الصين تطرح نفسها بوصفها قوة تعتمد على الاستثمار والتجارة والتكنولوجيا والصعود السلمي، فإنها في الوقت ذاته تسعى إلى بناء نظام عالمي بديل يحد تدريجيا من الهيمنة الغربية عبر توظيف الاقتصاد كأداة نفوذ جيوسياسي.

إعلان

ويبرز مشروع "الحزام والطريق" بوصفه أحد أبرز أدوات هذا التوجه، إذ أطلقته الصين عام 2013 مستلهمة طريق الحرير القديم بهدف تعزيز شبكات التجارة والاستثمار والتواصل بين آسيا وأفريقيا وأوروبا، وتقليل الاعتماد على الممرات البحرية الحساسة مثل مضيق هرمز، الذي تنظر إليه بكين باعتباره نقطة ضعف إستراتيجية.

وفي هذا السياق، وسّعت بكين استثماراتها في موانئ ومشاريع تنموية في المنطقة خلال العقدين الماضيين، بقيمة تقارب 250 مليار دولار، شملت تطوير الموانئ والتجمعات الصناعية وتقنيات الذكاء الاصطناعي.

ومن أبرز هذه المشاريع تطوير ميناء الدقم في سلطنة عُمان، وميناء خليفة في الإمارات، وميناء حمد في قطر.

مبادرة النقاط الأربع

سياسيا، تحاول الصين الحفاظ على سياسة متوازنة في المنطقة عبر بناء علاقات مع مختلف الأطراف، بما يشمل دول الخليج وإيران وحتى إسرائيل، وبما يتيح لها الحفاظ على قنوات التواصل ومساحة الحركة مع الجميع دون الانحياز الصريح إلى طرف على حساب آخر.

وبرز هذا الدور بوضوح عام 2023 عندما نجحت الصين في رعاية الاتفاق بين السعودية وإيران، والذي أنهى 7 سنوات من القطيعة بين البلدين، في خطوة اعتبرت مؤشرا على رغبة بكين في لعب دور سياسي موازٍ لنفوذها الاقتصادي.

ورغم أن الصين تبدو في المحافل الدولية أقرب إلى الموقف الإيراني، فإنها أبدت في عام 2024 دعمها للمساعي الإماراتية الرامية إلى حل قضية الجزر الثلاث المتنازع عليها مع إيران وفق القانون الدولي، وهي الجزر المطلة على الطريق المؤدي إلى مضيق هرمز، ما أثار آنذاك غضب طهران ودفعها إلى استدعاء السفير الصيني.

ومع تصاعد التوتر بين واشنطن وطهران، سعت بكين إلى تقديم نفسها طرفا داعما للاستقرار الإقليمي بعيدا عن سياسة الاصطفافات الحادة عبر تبني مقاربة تقوم على التوازن والحوار في واحدة من أكثر المناطق حساسية على مستوى العالم.

وفي هذا السياق، طرح الرئيس الصيني مبادرة من 4 نقاط تهدف إلى ترسيخ التعايش السلمي، واحترام سيادة الدول والقانون الدولي، وتحقيق التوازن بين متطلبات التنمية والأمن، إلى جانب العمل على معالجة التحديات الأمنية والاقتصادية التي تواجه المنطقة.

ويعكس هذا الطرح سعي الصين إلى ترسيخ حضورها كفاعل دولي يفضل الحوار والتفاهم، ويركز على المصالح المشتركة والاستقرار، بدل الانخراط في محاور الاستقطاب السياسي التقليدية.

المصدر

المصدر: الجزيرة

كلمات دلالية: وسم حريات دراسات ملیار دولار

إقرأ أيضاً:

«الغرف العربية»: دعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة مفتاح التمكين الاقتصادي

شارك الدكتور خالد حنفى، أمين عام اتحاد الغرف العربية، في الاجتماع التنسيقي للمجموعة العربية الأعضاء في مجلس إدارة منظمة العمل الدولية، الذى عُقد في مقر منظمة العمل الدولية، وحضره ممثلون عن أطراف الإنتاج الثلاثة في مجلس إدارة منظمة العمل الدولية، المتمثلة فى الحكومات وأصحاب الأعمال والعمال.
وتُعقد الدورة الـ 114 لمؤتمر العمل الدولي (برلمان العمل العالمي) في جنيف، سويسرا، خلال الفترة من 1 إلى 12 يونيو 2026، ويجمع هذا الحدث السنوي وفوداً ثلاثية التكوين تمثل (الحكومات، أصحاب الأعمال، والعمال) من187 دولة عضوا في منظمة العمل الدولية (ILO). وقد تولى وزير العمل المصري (حسن رداد) رئاسة الاجتماعات التنسيقية بصفته رئيساً لمجلس إدارة منظمة العمل العربية.
ونوّه أمين عام الاتحاد الدكتور خالد حنفي، إلى أنّ "رؤية ومشاركة اتحاد الغرف العربية في هذه المحافل الدولية تكمن في تمكين القطاع الخاص، والتشديد على أن القطاع الخاص هو المحرك الرئيسي للنمو الاقتصادي وتوليد فرص العمل المستدامة، مشددا على أنّ "اتحاد الغرف العربية يدعو إلى تبني سياسات اقتصادية وهيكلية تدعم مرونة الأسواق وتواكب التحولات الرقمية والاقتصاد القائم على المنصات الرقمية، بالإضافة إلى التركيز على دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة، التي يرى الاتحاد أنها أساس خلق فرص العمل والتمكين الاقتصادي.
وقال إنّ "اتحاد الغرف العربية يطالب بدمج مبادئ الاستدامة والمسؤولية الاجتماعية للشركات في استراتيجيات القطاع الخاص العربي. كما أنّ من أولويات الاتحاد دعم حقوق العمال والشعب الفلسطيني، والسعي لتوحيد الرؤى بين أطراف الإنتاج الثلاثة في الدول العربية".
وتركزت مناقشات المجموعة العربية في جنيف حول عدة قضايا استراتيجية تهم المنطقة، وفي مقدّمها حماية الحقوق العمالية في الأراضي المحتلة (فلسطين ولبنان والجولان)، حيث جرى استعراض ومتابعة التقرير السنوي لملحق المدير العام حول انتهاكات الاحتلال بحق العمال، كما تمّ التشديد على أهمية حشد الدعم الدولي لـ "الملتقى الدولي للتضامن مع عمال وشعب فلسطين" لإدانة تدمير المنشآت الإنتاجية وتوقف ملايين الوظائف.
وتبنى المجتمعون أهمية صياغة مواقف موحدة بشأن "المعايير الجديدة" حول “اقتصاد المنصات الرقمية”، وتم الاتفاق على تنسيق رؤى أصحاب الأعمال والعمال العرب لضمان أن تتماشى الاتفاقية الدولية الجديدة للعمل عبر التطبيقات مع الهياكل الاقتصادية للدول العربية، كما تمّ التوصل خلال الاجتماع التنسيقي إلى تحديد الموقف العربي من تقرير المدير العام "تسخير الذكاء الاصطناعي في سبيل تحقيق العمل اللائق" لضمان ألا تسبب التكنولوجيا بطالة واسعة في المنطقة.
وطالب الجانب العربي بالتوسع في استخدام اللغة العربية كأداة عمل رسمية في كافة وثائق اللجان والمداولات الفنية للمنظمة الدولية، كما نوه المجتمعون بوجوب دفع المنظمة الدولية لتوجيه المزيد من برامج الدعم والتمويل والتعاون التقني نحو الدول العربية المتضررة من النزاعات والأزمات الاقتصادية.
إلى ذلك عقد الملتقى الدولي للتضامن مع عمال وشعب فلسطين والأراضي العربية المحتلة الأخرى على هامش أعمال مؤتمر العمل الدولي بدورته (114).
وركز الملتقى على الأرقام الواردة في ملحق تقرير المدير العام، والتي أظهرت تدمير ما يقرب من 85 ٪؜ من المنشآت الإنتاجية في قطاع غزة، ووصول معدلات البطالة إلى مستويات غير مسبوقة (تتجاوز 75%). 
وطالبت منظمة العمل العربية بالتعاون مع الوفود الآسيوية والأفريقية بتفعيل صندوق تمويل دولي عاجل تحت إشراف منظمة العمل الدولية، لإعادة تأهيل العمال المصابين وتقديم معونات بطالة عاجلة لعمال الأراضي المحتلة. كما دعت النقابات العمالية العربية نظيراتها الدولية إلى الضغط على الشركات متعددة الجنسيات لسحب استثماراتها من المستوطنات، واعتبار العمل فيها انتهاكاً صارخاً لمعايير العمل الدولية.

مقالات مشابهة

  • وحدة الخليج العربي ونداءات الفرقة
  • حضور إيطالي غير مسبوق في صراع التأهل لنصف نهائي بطولة فرنسا
  • قرقاش: اليمن ودول الخليج ولبنان والعراق تدفع ثمن الطموح الإيراني
  • روبيو: نحن في مرحلة تفاوض مع إيران على الكثير من النقاط
  • سفير بكين بالقاهرة: الشاي جسر للحوار بين الحضارات والعلاقات المصرية الصينية نموذج للتعاون
  • الروسية أندرييفا تبلغ نصف نهائي بطولة فرنسا للتنس
  • مصر تعلن عن طفرة اقتصادية في قناة السويس
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش
  • «الغرف العربية»: دعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة مفتاح التمكين الاقتصادي
  • مسؤول إسرائيلي: لن ننسحب من جنوب لبنان طالما بقي هناك تهديد على الأرض