لم يعد تجاوز الدين الأمريكي حاجز 100% من الناتج المحلي الإجمالي مجرد رقم رمزي داخل واشنطن، بل تحول إلى إشارة متزايدة على اتساع أزمة مالية طويلة الأمد تتداخل فيها تكاليف الفائدة المرتفعة والإنفاق العسكري والتضخم والحرب، وسط غياب أي مؤشرات جدية على احتواء العجز المتضخم، وفق ما أوردته صحيفة "نيويورك تايمز".

ورغم أن بلوغ الدين العام هذا المستوى أثار تحذيرات من مؤسسات مالية واقتصادية، فإن رد الفعل السياسي بقي محدوداً، إذ واصل الكونغرس مناقشة حزم إنفاق جديدة، بينما دافعت إدارة دونالد ترمب عن أكبر موازنة دفاعية في تاريخ أمريكا.

ونقلت الصحيفة عن "لجنة الموازنة الفدرالية المسؤولة" قولها إن وصول الدين إلى أكثر من 100% من الناتج المحلي يمثل "جرس إنذار مرتفعاً بشكل خاص"، فيما وصفت مؤسسة "بيترسون" الخطوة بأنها "محطة مالية مقلقة".

عجز بلا نهاية

لكن المشكلة، بحسب التقرير، لا تكمن في الرقم نفسه بقدر ما تكمن في غياب أي مسار واضح لوقف التصاعد المستمر للدين.

وقال مايكل بيترسون، الرئيس التنفيذي لمؤسسة "بيترسون"، إن "99 رقم سيئ، و101 أسوأ من 100، لكننا نهتم كثيراً لأنه رقم دائري".

مدفوعات الفائدة عبء يفوق الإنفاق الدفاعي في أمريكا (الأوروبية)

وأوضحت الصحيفة أن الدين الأمريكي ارتفع نتيجة تراكم آثار الأزمة المالية العالمية في 2008، وجائحة كورونا، وارتفاع كلفة رعاية السكان المتقدمين في السن، إلى جانب التخفيضات الضريبية المتكررة غير الممولة، وتضخم مدفوعات الفائدة.

وكان آخر مرة تجاوز فيها الدين الأمريكي حجم الاقتصاد بعد الحرب العالمية الثانية، لكنه تراجع لاحقاً إلى نحو 23% من الناتج المحلي بحلول عام 1974، بدعم من النمو القوي والتضخم والفوائض المالية.

أما اليوم، فيتوقع مكتب الموازنة في الكونغرس أن يرتفع الدين العام إلى نحو 175% من الناتج المحلي بحلول عام 2056.

الفائدة تضغط

وتزايدت الضغوط مع ارتفاع عوائد السندات الأمريكية طويلة الأجل، إذ وصلت عوائد سندات الخزانة لأجل 30 عاماً هذا الأسبوع إلى 5.12%، وهو أعلى مستوى منذ عام 2007، مقارنة بنحو 1% فقط في عام 2020.

إعلان

كما تجاوزت مدفوعات الفائدة الصافية على الدين حجم الإنفاق الدفاعي الأمريكي، في وقت تضطر فيه الحكومة إلى إصدار سندات جديدة لسداد فوائد الديون القائمة.

وقالت إلين زينتنر، كبيرة الاستراتيجيين الاقتصاديين في "مورغان ستانلي ويلث مانجمنت"، إن العملاء يسألون باستمرار عما إذا كان مسار الدين الأمريكي "قابلاً للاستدامة"، مضيفة: "بالنسبة لي، هذا من أسهل الأسئلة… نحن لسنا على مسار مستدام".

مقارنة اليابان

ويشير بعض الاقتصاديين إلى أن اليابان تدير ديناً عاماً أعلى بكثير، إذ قدر صندوق النقد الدولي نسبة الدين الحكومي الياباني عند نحو 201% من الناتج المحلي في عام 2024.

الحرب وأسعار الطاقة عاملان إضافيان في تفاقم العجز الأمريكي (رويترز)

لكن "نيويورك تايمز" أوضحت أن معظم الدين الياباني مملوك لمستثمرين محليين، بينما تعتمد أمريكا بصورة أكبر على التمويل الخارجي.

وقال لورنس كوتليكوف، أستاذ الاقتصاد في جامعة بوسطن، إن الوضع المالي الأمريكي "أسوأ من إيطاليا" إذا جرى احتساب التزامات الضمان الاجتماعي والرعاية الصحية غير المدرجة بالكامل في أرقام الدين الرسمية.

وأضاف: "لا يوجد أشخاص بالغون في الغرفة داخل واشنطن… لا أحد يلتقط المشكلة ويقول: لديكم أزمة".

تضخم وحرب

ويأتي تصاعد القلق المالي الأمريكي بالتزامن مع موجة تضخمية جديدة غذتها الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران وارتفاع أسعار الطاقة.

وأشارت الصحيفة إلى أن بيانات التضخم الأخيرة أظهرت تسارع الأسعار إلى أعلى مستوياتها في ثلاث سنوات، فيما سجل مؤشر أسعار المنتجين أكبر زيادة شهرية منذ مارس/آذار 2022.

كما زادت المخاوف من أن تؤدي أسعار النفط المرتفعة والإنفاق الحكومي المتسارع إلى إبقاء أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول.

وفي الوقت نفسه، طلب البيت الأبيض تخصيص نحو 1.5 تريليون دولار لموازنة الدفاع لعام 2027، بزيادة تبلغ 44%، بينما بقي الحديث محدوداً حول برامج الإنفاق الاجتماعي التي تقود الجزء الأكبر من العجز طويل الأمد.

قلق بلا تحرك

ورغم تنامي القلق الشعبي، لا تزال التحركات السياسية محدودة.

وأظهر استطلاع لمؤسسة "غالوب" في مارس/آذار أن نصف الأمريكيين تقريباً يشعرون بقلق كبير تجاه الإنفاق الحكومي والعجز، وهي نسبة تعادل تقريباً القلق المرتبط بالتضخم والاقتصاد.

لكن التقرير أشار إلى أن تجاوز نسبة الدين 100% من الناتج المحلي لم يخلق الصدمة السياسية التي توقعها دعاة خفض العجز، خصوصاً مع غياب أزمة مالية مباشرة حتى الآن.

وقال جيسون فورمان، الاقتصادي في جامعة هارفارد، إن كثيرين كانوا يتوقعون "أسعار فائدة مرتفعة للغاية وربما أزمة اقتصادية حادة" إذا وصلت الديون والعجوزات إلى المستويات الحالية.

وأضاف أن ذلك "لم يحدث بعد"، ما يجعل "عدم القيام بأي شيء" أسهل سياسياً من اتخاذ قرارات مؤلمة تشمل رفع الضرائب أو خفض الإنفاق.

المصدر

المصدر: الجزيرة

كلمات دلالية: وسم حريات دراسات من الناتج المحلی الدین الأمریکی

إقرأ أيضاً:

احتجاجات الأهالي توقف مصانع الإسمنت في الخمس بسبب غياب المردود المحلي

بلدي الخمس يطالب «الأهلية للإسمنت» بدعم المشروعات الخدمية وتنظيم الحجز الإلكتروني

ليبيا – قال الناطق باسم المجلس البلدي الخمس عمر الطبال إن المدينة تضم مصانع مهمة تابعة للشركة الأهلية للإسمنت المساهمة، وتسهم بجزء كبير من الإنتاج المحلي لمادة الإسمنت باعتبارها عنصرًا أساسيًا في البناء واستكمال مساكن المواطنين، كما تحقق إيرادات للشركة التي تعمل داخل النطاق الإداري للبلدية.

مطالب بتوجيه جزء من الإيرادات للتنمية المحلية

وأضاف الطبال، في تصريح لقناة «ليبيا الأحرار» التي تبث من تركيا وتابعته صحيفة المرصد، أن المجلس البلدي عقد منذ تولي عميد البلدية وأعضائه مهامهم رسميًا عام 2023 عدة اجتماعات مع إدارة الشركة، بهدف التوصل إلى أرضية مشتركة للاستفادة من المصانع والمحاجر التابعة لها في دعم التنمية المكانية والبنية التحتية والمؤسسات الخدمية داخل الخمس، من خلال تخصيص جزء من الإيرادات السنوية المتحققة من نشاط الشركة داخل البلدية.

وأشار إلى أن محاولات الوصول إلى خطوات عملية في هذا الاتجاه تعثرت خلال مراحلها السابقة، مبينًا أن عميد البلدية عقد اجتماعًا تنسيقيًا خدميًا مع المدير التنفيذي للشركة، بحضور آمر القوة 112 المساعدة لقوة العمليات المشتركة ومدير أمن المرقب، لبحث عدد من الأولويات، في مقدمتها دعم مركز أورام الخمس ومركز الكلى، وتنفيذ مشروعات لإنشاء متنزهات وصيانة طرق رئيسية، خصوصًا الواقعة بالقرب من المصانع ومقار الشركة.

لجان مشتركة لإطلاق المشروعات

وأوضح الطبال أن المشروعات المطلوبة عُرضت على المدير التنفيذي للشركة، الذي أبدى استعداده لتشكيل لجان مشتركة تتولى التنسيق لبدء تنفيذها فعليًا على الأرض.

وشدد على ضرورة تنظيم حجز الإسمنت إلكترونيًا، في ظل لجوء المواطنين بصورة متكررة إلى البلدية لترتيب الحجوزات وتحديد أولوياتها، مؤكدًا أهمية وضع آلية تنسيقية واضحة لعمليات توزيع الإسمنت على المواطنين.

احتجاجات الأهالي توقف عمل المصانع

ونوه الطبال إلى أن انقطاع التيار الكهربائي أثر في إنتاج المصانع، لكنه لا يؤدي بمفرده إلى إغلاقها، موضحًا أن التوقف الأخير جاء نتيجة اعتراض الأهالي على آلية عمل المصانع داخل نطاق البلدية من دون أن يلمس المواطنون فوائد مباشرة أو مساهمات فعلية في المشروعات والخدمات المحلية.

مقالات مشابهة

  • اليورو يتجه لأعلى مستوى في أسبوع
  • كيف تُعيد الولايات المتحدة هندسة اقتصادها العسكري؟
  • احتجاجات الأهالي توقف مصانع الإسمنت في الخمس بسبب غياب المردود المحلي
  • مصطفى بكري: تحرك الكونجرس يكشف تصاعد الرفض الأمريكي للتصعيد العسكري مع إيران
  • المركزي الأوروبي يبقي على أسعار الفائدة دون تغيير
  • أسعار النفط تتجاوز 100 دولار مع تصاعد هجمات الحوثيين
  • أسعار النفط تتجاوز 100 دولار للبرميل
  • أسعار النفط تتجاوز 100 دولار للبرميل للمرة الأولى منذ مايو مع تصاعد التوترات في الشرق الأوسط
  • أسعار الذهب مساء اليوم الخميس 23 يوليو 2026.. عيار 21 بكام؟
  • مورجان ستانلي: التوترات الجيوسياسية وارتفاع الطاقة يهددان مسار التضخم في تركيا