مملكة طولها 6 آلاف كيلومتر: هل تمكن النمل من بناء حضارة كالبشر؟
تاريخ النشر: 17th, May 2026 GMT
في عام 2002، نشرت دورية "بي إيه إن إس" (PANS) دراسة لافتة عن نوع صغير من النمل اسمه النمل الأرجنتيني، وهو حشرة لا يتجاوز طولها بضعة مليمترات، كشفت أن مستعمراته في جنوب أوروبا لم تعد تتصرف كوحدات منفصلة، بل كونت شبكة هائلة من الأعشاش المتعاونة تمتد قرابة 6 آلاف كيلومتر من إيطاليا إلى الساحل الأطلسي الإسباني، حتى وصفها الباحثون بأنها أكبر وحدة تعاون سجلت في الطبيعة.
لا يعني ذلك أن هناك "مدينة نمل" واحدة تحت الأرض، أو عاصمة مركزية، أو ملكة واحدة تدير الإمبراطورية كلها، لكن ما اكتشفه الباحثون هو شيء أغرب، فهناك ملايين الأعشاش المنفصلة، تضم أعدادا هائلة من الشغالات والملكات، لكنها تتعامل كما لو كانت جزءا من كيان اجتماعي واحد.
في هذا السياق، فإن الدراسة رصدت مثلا أن النملة القادمة من عش بعيد لا يتم مهاجمتها، بل يتم تقبلها كفرد من الجماعة، طالما أنها تحمل الإشارات الكيميائية المناسبة، وفي عالم النمل، فإن هذه الإشارات تؤدي دور بطاقة الهوية، أو جواز السفر.
عادة، تقوم حياة النمل على التمييز الصارم بين "نحن" و"هم"، ومن ثم فإن العاملات من مستعمرة ما تهاجم غالبا العاملات الغريبات، لأن الغذاء والموارد ومواقع التعشيش محدودة. لكن النمل الأرجنتيني في أوروبا كسر هذه القاعدة.
جمع الباحثون في الدراسة آلاف العاملات من 33 موقعا على امتداد سواحل جنوب أوروبا، من شمال إيطاليا إلى شمال غرب إسبانيا، ثم قارنوها ببعضها سلوكيا ووراثيا، وقارنوها كذلك بمجموعات من موطنها الأصلي في أمريكا الجنوبية، كذلك أجرى العلماء اختبارات مواجهة بين العاملات، فمثلا يضعون نملتين أو مجموعتين صغيرتين من منطقتين مختلفتين، ثم يراقبون ما يحدث، إن كان هناك قتال أم لا.
كانت النتيجة حاسمة، فقد تبين بحسب الدراسة أن معظم النمل القادم من المستعمرة الفائقة الكبرى لم يظهر عدوانية تجاه بعضه، رغم أن العينات جاءت من مناطق متباعدة للغاية.
إعلانوحين تم وضع نمل من هذه المستعمرة الكبرى مع نمل من مستعمرة فائقة أخرى أصغر في كتالونيا، تغير المشهد تماما، حيث ظهرت العدوانية، ووصلت المواجهات إلى القتل، ما يعني أن النمل لم يكن مسالما بطبيعته، بل استجاب لواقع اجتماعي مختلف في الحالتين.
الأغرب في الأمر أن مستعمرات النمل تدار بدون قيادة مركزية، نعم هناك ملكات، لكن إدارة شؤون المستعمرة تتم بشكل لامركزي تماما، حيث تكون هناك قواعد صغيرة يتفق عليها الجميع، وتنفذها كل نملة في سياق "مسؤولية خاصة".
يسمى ذلك في سياق الدراسات البيولوجية بـ "المستعمرة الفائقة"، أو "الكائن الفائق"، أو "السلوك الجمعي". في هذا التصور، لا تُفهم النملة بوصفها فردا مستقلا تماما، بل كخلية صغيرة داخل جسد اجتماعي كبير.
وكما أن الخلايا في جسم الإنسان لا تفهم خطة الجسد كله، لكنها تؤدي وظائف متخصصة تجعل الكائن يعيش، فإن النملة العاملة لا تحتاج إلى وعي بالمنظومة كاملة كي تسهم في تشغيلها.
حضارة أم لا؟يصور بعض العلماء هذا السلوك بأنه يشبه ما تعنيه "الحضارة" في التعريف البشري، فنحن نتحدث عن مجتمع ضخم موزع جغرافيا، يتواصل مع بعضه ويتعلم من بعضه ويتعاون، وله امتداد زمني مستمر.
يأتي ذلك في سياق مهم، فقد كشفت الأبحاث الأحدث عن وجود عنصر "الثقافة" في بعض ممالك عالم الحيوان، حيث يتعلم الصغار من الكبار ويشكلون ممارسات خاصة بهم.
لكن في النهاية يجدر بنا الحذر حينما نتحدث عن عالم الحيوان بصفات "بشرية"، لأننا في هذه الحالة نسقط عالمنا على عالمهم، وربما تكون العوالم مختلفة تماما عن بعضها، وإن اتفقت في سبل العيش والبقاء.
أكبر مثال على ذلك هو فكرة اللامركزية في عالم النمل، حيث نرى "دولة بلا حكومة"، لا توجد وزارة تموين ولا طرق مرسومة ولا قيادة عسكرية مركزية، ومع ذلك يتحرك الكيان كله عبر قواعد محلية صغيرة ناجحة.
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: وسم حريات دراسات
إقرأ أيضاً:
إصلاح الأحزاب السودانية وبناء القوى الحديثة «7-10»: نحو جيل جديد من الأحزاب
إصلاح الأحزاب السودانية وبناء القوى الحديثة «7-10»: نحو جيل جديد من الأحزاب
ميرغني الحبر/ المحامي
لم تعد الأحزاب السياسية في القرن الحادي والعشرين تعمل بالوسائل التي نشأت بها في منتصف القرن الماضي. فقد أحدثت الثورة الرقمية، والذكاء الاصطناعي، وتطور وسائل الاتصال، ومنصات التواصل الاجتماعي، تحولاً عميقاً في طبيعة العمل السياسي، وأعادت تعريف العلاقة بين الحزب والمواطن، وبين القيادة والعضوية، وبين المعرفة وصناعة القرار.
وفي المقابل، ما تزال غالبية الأحزاب السودانية، على اختلاف مدارسها الفكرية وتوجهاتها السياسية، تعمل بهياكل وأساليب تنظيمية تعود إلى عقود مضت، تعتمد على الاجتماعات التقليدية، والقيادة الهرمية، وضعف توظيف التكنولوجيا في الإدارة، ومحدودية مشاركة القواعد في صناعة القرار.
ومن هنا يبرز سؤال يفرض نفسه بإلحاح، خاصة في ظل ما يمر به السودان من مرحلة إعادة بناء بعد الحرب: هل يحتاج السودان إلى مجرد أحزاب جديدة تحمل أسماء مختلفة، أم أنه يحتاج إلى جيل جديد من الأحزاب، يختلف في فلسفته، وأدواته، وبنيته المؤسسية، وقدرته على الاستجابة لمتطلبات العصر؟
إن الحديث عن جيل جديد من الأحزاب لا يقتصر على استخدام الوسائل التقنية الحديثة، ولا يعني مجرد استبدال الأوراق بالشاشات، أو الاجتماعات الحضورية بالاجتماعات الافتراضية. فالتحول الحقيقي يبدأ بإعادة تعريف الحزب نفسه، باعتباره مؤسسة وطنية تتخذ قراراتها على أساس المعرفة، وتدير شؤونها بالمؤسسية، وتستثمر التكنولوجيا لتعزيز المشاركة والشفافية والكفاءة. ومن هذا المنطلق تبرز فكرة “الحزب الذكي” باعتبارها أحد أهم نماذج الأحزاب التي يمكن أن تستجيب لتحديات المستقبل.
الحزب الذكي… ليس حزباً افتراضياًحين نتحدث عن “الحزب الذكي”، فإننا لا نعني حزباً يعمل عبر الإنترنت فقط، ولا تنظيماً افتراضياً يفتقد حضوره في المجتمع.
بل نعني حزباً يوظف التكنولوجيا والبيانات والذكاء الاصطناعي لبناء مؤسسة سياسية أكثر كفاءة وشفافية وقدرة على خدمة المواطنين، فيجمع بين الحضور الميداني الفاعل والإدارة الرقمية الحديثة، ويجعل التكنولوجيا وسيلة لتعزيز الديمقراطية، لا بديلاً عن العمل السياسي المباشر.
أولاً: العضوية الرقميةلم يعد من المقبول أن تعتمد الأحزاب على سجلات ورقية أو قواعد بيانات غير محدثة.
فالحزب الحديث ينبغي أن يمتلك نظاماً رقمياً متكاملاً لإدارة العضوية، يتيح التسجيل الإلكتروني، وتحديث البيانات بصورة مستمرة، وإصدار بطاقات عضوية رقمية، مع ضمان أمن المعلومات وحماية خصوصية الأعضاء.
ولا تقتصر أهمية ذلك على تسهيل الإدارة، وإنما تمتد إلى تحسين التخطيط، ومعرفة التوزيع الجغرافي والمهني للعضوية، والاستفادة من خبراتها في مختلف مجالات العمل الحزبي.
ثانياً: الديمقراطية الرقميةيمكن للتكنولوجيا أن تعيد الحيوية إلى الحياة الحزبية.
فبدلاً من انتظار المؤتمرات العامة التي قد تنعقد كل عدة سنوات، يستطيع الحزب تنظيم انتخابات داخلية إلكترونية، وإجراء استفتاءات واستطلاعات رأي حول القضايا المهمة، بما يوسع دائرة المشاركة، ويعزز شعور الأعضاء بأنهم شركاء حقيقيون في صناعة القرار.
ثالثاً: الحزب الذي يصنع قراراته بالمعرفةأصبحت البيانات في عالم اليوم مورداً استراتيجياً لا يقل أهمية عن الموارد المالية أو البشرية.
ولهذا فإن الحزب الذكي لا يبني مواقفه على الانطباعات أو ردود الأفعال، وإنما يعتمد على الدراسات والإحصاءات، واستطلاعات الرأي، وتحليل احتياجات المجتمع، والاستفادة من الخبراء والمتخصصين في مختلف المجالات.
فالسياسة الحديثة لم تعد مجرد فن للخطابة أو الحشد الجماهيري، بل أصبحت علماً يقوم على المعرفة والتحليل والتخطيط.
رابعاً: الذكاء الاصطناعي في خدمة السياسةلا يعني استخدام الذكاء الاصطناعي أن تحل الآلات محل الإنسان في اتخاذ القرار السياسي، وإنما أن تصبح أداة تساعد على تحليل المعلومات، ودراسة البدائل، وتقييم آثار السياسات العامة، وإعداد التقارير، واختصار الوقت والجهد.
أما القرار النهائي، فيظل مسؤولية الإنسان، لأنه وحده القادر على الموازنة بين القيم والمصالح والاعتبارات الوطنية والأخلاقية.
خامساً: مراكز التفكير وصناعة السياساتالحزب الذي يطمح إلى قيادة دولة حديثة لا يمكن أن يكتفي باللجان التنظيمية التقليدية.
إنه يحتاج إلى مراكز دائمة للبحوث والدراسات، تضم خبراء في الاقتصاد والقانون والتعليم والزراعة والصحة والإدارة والبيئة والتحول الرقمي وغيرها من المجالات، حتى تصبح برامجه وسياساته مبنية على المعرفة والخبرة، لا على الاجتهادات الفردية أو ردود الأفعال الآنية.
سادساً: الشفافية الرقميةالثقة هي رأس المال الحقيقي لأي حزب سياسي.
ولهذا ينبغي أن يتيح الحزب لأعضائه، وللرأي العام، الاطلاع على تقاريره المالية، وأنشطته، ونتائج انتخاباته الداخلية، وخططه وبرامجه، عبر منصات رقمية محدثة، تعكس التزامه بالمحاسبة والشفافية، وتمنح المواطنين أسباباً حقيقية للثقة فيه.
هل يستطيع السودان بناء هذا النموذج؟قد يرى البعض أن الحديث عن حزب ذكي، في ظل ما يواجهه السودان من تحديات سياسية واقتصادية وأمنية، يبدو سابقاً لأوانه.
غير أن التجارب الدولية تثبت أن فترات إعادة بناء الدول هي في كثير من الأحيان أفضل الفرص لإعادة بناء مؤسساتها أيضاً.
وليس من الحكمة أن نعيد تأسيس أحزاب القرن الماضي بالأدوات نفسها، بينما يتغير العالم من حولنا بوتيرة غير مسبوقة.
ويمتلك السودان من الطاقات البشرية والكفاءات المهنية، في الداخل والخارج، ومن الشباب المتعلم القادر على استيعاب أدوات العصر، ما يؤهله لبناء نموذج حزبي جديد، متى ما توافرت الإرادة السياسية والرؤية المؤسسية.
نحو حزب للمستقبلإن الحزب الذي يحتاجه السودان ليس حزباً للنخب وحدها، ولا حزباً انتخابياً يظهر كل بضع سنوات ثم يغيب، وإنما مؤسسة وطنية دائمة، تتعلم باستمرار، وتراجع أداءها باستمرار، وتفتح أبوابها للكفاءات، وتعتبر خدمة المواطن معيار نجاحها الأول.
فالمستقبل لن يكون للأحزاب الأكبر عدداً، بل للأحزاب الأكثر معرفة، والأفضل تنظيماً، والأكثر قدرة على التعلم، والأقرب إلى المجتمع.
ختاماًإن بناء الحزب السوداني الذكي ليس حلماً تقنياً، بل مشروعاً سياسياً وأخلاقياً، يقوم على الإيمان بأن الديمقراطية تصبح أكثر قوة وكفاءة وشفافية عندما توظف أدوات العصر في خدمة الإنسان، لا في السيطرة عليه.
وقد تكون الحرب التي مزقت السودان درساً بالغ القسوة، لكنها تمنحنا أيضاً فرصة تاريخية لإعادة التفكير في شكل الدولة، وطبيعة الأحزاب، وأدوات العمل السياسي.
فإذا كنا نطمح إلى بناء جمهورية سودانية جديدة، فإن هذه الجمهورية تحتاج، بالضرورة، إلى جيل جديد من الأحزاب؛ أحزاب تستلهم أفضل ما وصلت إليه الخبرة الإنسانية في التنظيم والإدارة وصناعة السياسات، دون أن تفقد هويتها الوطنية أو صلتها بقضايا المجتمع وتطلعات مواطنيه.
وفي الحلقة القادمة، ننتقل من الفكرة إلى التطبيق، لنجيب عن سؤال عملي: كيف يمكن تأسيس حزب سوداني حديث؟ وما المبادئ التنظيمية والدستورية التي ينبغي أن يقوم عليها منذ يومه الأول؟.
إصلاح الأحزاب السودانية وبناء القوى الحديثة «6-10»: نحو نموذج حزبي يستجيب لتحديات السودان
الوسومالأحزاب السودانية الحزب الرقمي الديمقراطية الديمقراطية الرقمية الذكاء الاصطناعي السودان الشفافية الرقمية القوى الحديثة صناعة السياسات مركز التفكير ميرغني الحبر المحامي