هل تكرر واشنطن سيناريو فنزويلا في كوبا من بوابة كاسترو؟
تاريخ النشر: 17th, May 2026 GMT
وسط انقطاعات للكهرباء تصل إلى 22 ساعة يوميا، وحصار نفطي أمريكي مشدد، وزيارات استخبارية استثنائية، تقف كوبا أمام تصعيد أمريكي غير مسبوق يلوّح بتكرار سيناريو فنزويلا.
وتأتي هذه الحزمة من الضغوط ضمن مساعٍ واضحة لدفع النظام الكوبي نحو تقديم تنازلات سياسية واقتصادية كبرى، وصولا إلى التلويح بتوجيه اتهامات جنائية للرئيس السابق راؤول كاسترو.
يتجلى الضغط في أزمة الطاقة الخانقة، فمنذ يناير/كانون الثاني الماضي، فرضت إدارة الرئيس دونالد ترمب حصارا نفطيا، ولم تسمح بدخول سوى ناقلة نفط روسية واحدة تُدعى "أناتولي كولودكين" في مارس/آذار.
ونتيجة لذلك، أعلن وزير الطاقة الكوبي نفاد احتياطيات الوقود كليا، مما أدى إلى خروج 65% من الأراضي الكوبية عن الشبكة الكهربائية في وقت متزامن.
هذا المشهد، الذي تسبب في توقف الخدمات وتلف الأغذية، دفع سكانا في هافانا والأحياء المحيطة بها إلى الخروج في احتجاجات ليلية تخللها قرع للأواني للمطالبة بعودة التيار، بحسب شهادات نقلتها وكالات أنباء دولية.
ولم يقتصر التصعيد على الاقتصاد بل امتد إلى استعراض القوة العسكرية، ففي الأسابيع الأخيرة، نفذت القوات والوكالات الاستخبارية الأمريكية عشرات الطلعات الجوية الاستطلاعية باستخدام طائرات مسيّرة وغيرها قبالة السواحل الكوبية، في خطوة تزيد من التوتر في الجزيرة.
وسط هذا الاحتقان، سربت وسائل إعلام أمريكية نية وزارة العدل توجيه اتهامات جنائية إلى الرئيس السابق راؤول كاسترو (94 عاما).
وتتعلق التهم المحتملة بحادثة وقعت عام 1996، حين أسقطت طائرات حربية كوبية طائرتين مدنيتين لجماعة "إخوة للإنقاذ" المعارضة، وكان كاسترو حينها وزيرا للدفاع.
إعلانوتربط تقارير غربية -في مقدمتها صحيفة نيويورك تايمز- بين هذا التوجه وما جرى في فنزويلا مطلع العام، حين استُخدمت لائحة اتهام مشابهة مبررا لعملية عسكرية أدت إلى اعتقال الرئيس نيكولاس مادورو ونقله إلى الولايات المتحدة.
وعزز ترمب هذا التهديد بتصريح أشار فيه إلى إمكانية إيقاف حاملة الطائرات "أبراهام لينكولن" على بُعد 100 ياردة فقط من الشواطئ الكوبية.
لكن المؤرخ أرماندو تشاغواسيدا، في حديث لصحيفة "إلباييس" الإسبانية، يلفت إلى فارق بنيوي جوهري، إذ يرى أن بنية السلطة في كوبا أكثر تجانسا وتماسكا، وليست عبارة عن "مجموعة مراكز نفوذ متنافسة" كما هو الحال في فنزويلا، مما يجعل اختراقها أمرا بالغ الصعوبة.
وحذر في الوقت ذاته من أن هذه المركزية الشديدة قد تجعل انهيار النظام -إن حدث- انهيارا مفاجئا وشاملا.
ويوم 3 يناير/كانون الثاني الماضي، شنت قوات أمريكية خاصة هجوما على فنزويلا، أسفر عن اعتقال رئيسها مادورو وزوجته ونقلهما إلى نيويورك لمحاكمتهما، إذ تتهم واشنطن مادورو بتهم بينها الإرهاب المرتبط بالمخدرات وحيازة الأسلحة.
وأعلن الرئيس الأمريكي لاحقا أن بلاده ستتولى إدارة شؤون فنزويلا خلال فترة انتقالية، وسترسل شركاتها للاستثمار في قطاع النفط، دون تحديد جدول زمني.
"دبلوماسية الإذعان" والمساعدات المشروطةتترافق الضغوط الأمريكية تجاه كوبا مع تحرك استخباري، تمثل في هبوط مدير وكالة الاستخبارات المركزية (سي آي إيه) جون راتكليف في هافانا للقاء مسؤولين كوبيين، في مقدمتهم حفيد راؤول كاسترو.
ووفقا لـنيويورك تايمز، حمل راتكليف إنذارا بضرورة إغلاق محطات التنصت الروسية والصينية، وهو تحرك وصفه المحلل بيتر كورنبلوه -المتخصص في العلاقات الأمريكية الكوبية- لشبكة "سي إن إن" بأنه يندرج ضمن "دبلوماسية الإذعان".
وفي سياق الأزمة المتفاقمة، عرضت واشنطن 100 مليون دولار مساعدات بشرط توزيعها عبر الكنيسة الكاثوليكية وليس الحكومة، واشترط وزير الخارجية ماركو روبيو "تغيير مسار القيادة" لتقديمها.
وقال وزير الخارجية الكوبي برونو رودريغيز إن بلاده "مستعدة للاستماع إلى تفاصيل المقترح وكيفية تنفيذه"، دون إعلان قبول صريح.
وبموازاة هذا الحذر الدبلوماسي، تعيش كوبا حالة من الاستنفار الداخلي للتعامل مع أسوأ السيناريوهات، إذ أصدرت هيئة الدفاع المدني الكوبية "دليلا عائليا" يوجه المواطنين للاستعداد لـ"عدوان عسكري محتمل"، داعية العائلات إلى تجهيز حقائب طوارئ وتعلّم الإسعافات الأولية.
ولفهم هذا التصعيد، تشير الباحثة ديبورا شنوكال في موقع "ذا كونفرزيشن" إلى أن مساعي واشنطن للسيطرة على كوبا تسبق الحرب الباردة، ففي عام 1898، استغلت الولايات المتحدة الثورة الكوبية ضد الاستعمار الإسباني لتتدخل وتحتل الجزيرة، لقطع الطريق على استقلالها التام، خشية تكرار نموذج ثورة هايتي في جوارها، حيث نجح العبيد حينها في الإطاحة بالمستعمر وتأسيس جمهورية مستقلة.
إعلانوبلغ الاستياء الأمريكي ذروته عام 1906، حين كشفت رسالة خاصة للرئيس ثيودور روزفلت عن غضبه الشديد من "الجمهورية الكوبية الصغيرة"، معبّرا عن رغبته في "محو شعبها من على وجه الأرض".
وقد أسست هذه الحقبة التاريخية -التي تعاملت مع كوبا لعقود بوصفها "منتجعا" أمريكيا- لصدام طويل الأمد، بدأ فعليا عام 1959 مع صعود فيدل كاسترو وإطلاقه مشروع "كوبنة كوبا" لاستعادة السيادة الوطنية.
وفي النهاية، يكتسب هذا التصعيد أبعادا إضافية بالنظر إلى توقيته، إذ تشير التسريبات إلى صدور الاتهام المحتمل لراؤول كاسترو يوم 20 مايو/أيار الجاري، وهو يوم استقلال كوبا وجلاء القوات الأمريكية عنها، مما يعيد إلى الواجهة إرث الصراع التاريخي بين واشنطن وهافانا.
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: وسم حريات دراسات
إقرأ أيضاً:
طلبات إعانة البطالة الأمريكية تهبط لأدنى مستوى منذ 1969
انخفض عدد الأمريكيين المتقدمين بطلبات جديدة للحصول على إعانات البطالة إلى أدنى مستوى له منذ أكثر من خمسة عقود خلال الأسبوع الماضي، في إشارة إلى استمرار متانة سوق العمل، وهو ما يمنح مجلس الاحتياطي الفدرالي مساحة أكبر للإبقاء على تركيزه على مكافحة التضخم.
وأعلنت وزارة العمل الأمريكية، اليوم الخميس، تراجع الطلبات الأولية للحصول على إعانات البطالة بمقدار 22 ألف طلب، وهو أكبر انخفاض أسبوعي في ثلاثة أشهر، إلى 187 ألف طلب بعد التعديل في ضوء العوامل الموسمية خلال الأسبوع المنتهي في 18 يوليو/تموز، مقارنة مع توقعات المحللين البالغة 212 ألف طلب.
اقرأ أيضا list of 3 itemslist 1 of 3قوة باقية وهيمنة تتآكل.. ماذا تغير في مكانة أمريكا الاقتصادية؟list 2 of 3التوظيف الأميركي يتباطأ في يونيو والبطالة عند 4.2%list 3 of 3الاقتصاد الأمريكي ينمو 2.1% والتضخم بأعلى مستوى في 3 سنواتend of listويعد هذا أدنى مستوى للطلبات الأولية منذ سبتمبر/أيلول 1969، كما يغطي التقرير أسبوع المسح الذي يعتمد عليه تقرير الوظائف الشهري لشهر يوليو/تموز، المقرر صدوره خلال نحو أسبوعين، مما يجعله مؤشرا مبكرا على أوضاع سوق العمل.
كما انخفض عدد المستفيدين المستمرين من إعانات البطالة، وهو مؤشر يعكس قوة الطلب على العمالة، إلى 1.796 مليون شخص في الأسبوع المنتهي في 11 يوليو/تموز، وهو أدنى مستوى في ستة أسابيع.
وتراجع المتوسط المتحرك لأربعة أسابيع، الذي يخفف أثر التقلبات الأسبوعية، إلى 207.5 آلاف طلب مقارنة مع 214.75 ألفا في الأسبوع السابق، بما يعزز المؤشرات على استمرار استقرار سوق العمل.
وكان معدل البطالة قد انخفض على غير المتوقع إلى 4.2% في يونيو/حزيران، وهو أدنى مستوى له خلال عام، إلا أن ذلك جاء نتيجة تراجع حجم القوة العاملة أكثر من كونه انعكاسا لتسارع وتيرة التوظيف.
الفدرالي والتضخموتأتي هذه البيانات قبل اجتماع مجلس الاحتياطي الفدرالي الأسبوع المقبل، وسط توقعات واسعة بالإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير، في حين لا تزال أسواق العقود الآجلة ترجح تنفيذ زيادة واحدة على الأقل بمقدار ربع نقطة مئوية قبل نهاية العام.
إعلانوتزايدت رهانات الأسواق على استمرار تشدد السياسة النقدية في ظل بقاء التضخم أعلى من المستوى المستهدف البالغ 2%، خاصة مع المخاوف من أن تؤدي التوترات الجيوسياسية وارتفاع أسعار الطاقة إلى تجدد الضغوط التضخمية.
ويصف اقتصاديون سوق العمل الأمريكية بأنها تشهد توازنا غير معتاد بين محدودية المعروض من العمالة، وتباطؤ وتيرة خلق الوظائف، وانخفاض معدلات تسريح العاملين، وهو ما أبقى معدل البطالة عند مستويات تاريخية منخفضة.
ويرى مراقبون أن استمرار قوة سوق العمل يقلل مخاوف الاحتياطي الفدرالي بشأن تباطؤ النشاط الاقتصادي، ويمنحه مرونة أكبر للإبقاء على سياسة نقدية متشددة إلى حين التأكد من عودة التضخم إلى مستواه المستهدف.