رام الله- منذ نحو ربع قرن، يواصل الشاب الفلسطيني محمد الزغير دفع ثمن باهظ من صحته، بدأ ببتر يده واحتراق شبه كامل لجسده خلّف تشوهات صعبة أدت لإعاقة أقعدته عن العمل، وجعلته رهينة راتب كانت تدفعه السلطة الفلسطينية له وللجرحى والأسرى، لكنها توقفت عن ذلك دون تفسير أو بديل يذكر.

إلى عام 2002 تعود قصة الجريح الزغير، حين أصيب بقصف إسرائيلي استهدف أحد عناصر حركة الجهاد الإسلامي في مدينة الخليل جنوبي الضفة الغربية، بعمر  13 عاما ليبدأ بعدها مسلسل المعاناة خاض والده خلاله رحلة طويلة ومضنية في البحث عن علاج في فلسطين وخارجها.

وتعدت مأساة الزغير حدود الجرح والإصابة بعد أن اعتقله الاحتلال الإسرائيلي عام 2023، وأودعه أسيرا في سجونه، لتتحول قصته من جريح إلى أسير، ثم محتج يترك أطفاله الخمسة وزوجته ويأتي والعديد من أمثاله من الجرحى والأسرى المحررين إلى مدينة رام الله للاعتصام مطالبين بحقهم وإعادة رواتبهم التي قطعت عنهم منذ عدة أشهر.

الضغط بكل الاتجاهات

ويواصل عشرات الجرحى والأسرى المحررين اعتصامهم المفتوح أمام مقر الحكومة الفلسطينية وسط رام الله لليوم الخامس على التوالي، احتجاجاً على قطع مخصصاتهم المالية.

ويقول المعتصمون، الذين قدموا من محافظات الضفة الغربية، إن توقيت الاعتصام جاء تزامنا مع انعقاد المؤتمر الثامن لحركة التحرير الوطني "فتح"، للضغط على المستوى السياسي الفلسطيني من أجل إعادة فتح ملف قطع رواتب الأسرى والجرحى وذوي الشهداء.

ويتصاعد الرفض الشعبي لقرار قطع رواتب الأسرى والجرحى وعائلات الشهداء وتحويل جزء منهم إلى المؤسسة الوطنية للتمكين الاقتصادي "تمكين"، لما أثاره ذلك من مخاوف لديهم من تغيير صفتهم الوطنية، والتعامل معهم كحالات اجتماعية بدلاً من اعتبارهم جزءاً أصيلاً من تاريخ النضال الفلسطيني.

وأوقفت السلطة الفلسطينية مخصصات الأسرى والجرحى بموجب مرسوم رئاسي صدر عام 2025، ألغى القوانين التي تعتمد صفة "الأسير" أو "الجريح" كمعيار للاستحقاق المالي واستبدالها بنظام اجتماعي خاضع لمعايير اقتصادية وإحالتها إلى مؤسسة تمكين.

إعلان

جاء قرار الرئيس الفلسطيني في ظل ضغوط أمريكية وإسرائيلية بسبب دفعها مخصصات لعائلات الشهداء والأسرى، في حين تواصل سلطات الاحتلال اقتطاع ما يعادل هذه الأموال من عائدات المقاصة وهي أموال ضرائب تجنيها إسرائيل على البضائع المستوردة نيابة عن السلطة الفلسطينية، والتي تجاوزت قيمتها 5 مليارات دولار أمريكي، وفق تصريحات لرئيس الوزراء الفلسطيني بمؤتمر المانحين في بروكسيل في 20 أبريل/نيسان (أبريل) الماضي.

اعتصام بلا استجابة

ومثل غيره اكتوى الجريح محمد الزغير بإجراءات السلطة الفلسطينية، خاصة وأن 9 أشهر من انقطاع الراتب زادت الطين بلة وفاقمت معضلة علاجه وثمن دوائه الذي يصل إلى 400 دولار شهريا ولا يجده في المستشفيات الحكومية ولا يقدر على شرائه الآن.

ويقول الزغير -للجزيرة نت- إن إصابته تمنعه من العمل لإعالة أسرته، وإن جل اعتماده كان على تلك المخصصات التي توفرها السلطة الفلسطينية. ويضيف "نعيش مأساة حقيقية بعد قطع رواتبنا. أصبحنا اليوم بلا أي مصدر دخل".

ويلفت الزغير إلى أنه وغيره من الجرحى الذين "يعاني 80% منهم إعاقة جزئية وأغلبهم 100%"، يطالبون بحق لهم، مؤكدا أنهم ومنذ اعتصامهم قبل 5 أيام، لم يزرهم أي وزير أو مسؤول في السلطة، مستفسرا أو محاولا تقديم مساعدة، مناشدا الرئيس الفلسطيني محمود عباس للنظر في مطالبهم بإعادة رواتبهم وتقديم العلاج أيضا.

ويؤكد أنه وقبل قدومه إلى رام الله طرق أبواب الجهات الرسمية في مدينته الخليل، ولكن دون أن يتلقى أي رد واضح، واصفا وضعهم بأنهم "مُهمَلون ومنسيون".

الأسير المحرر والجريح علاء وشاحي تهجر من مخيم جنين إثر عمليات الاحتلال وانقطع راتبه أيضا (الجزيرة)

وليس بعيدا عن الزغير، كان الجريح القادم من مخيم جنين شمال الضفة الغربية علاء وشاحي يفترش الأرض ويلتحف السماء، متحملا برد رام الله القارس وأخطاراً أمنية تتجسد باقتحامات جيش الاحتلال.

ويقول وشاحي للجزيرة نت إن اعتصامهم جاء بعد أشهر طويلة من انقطاع رواتب الجرحى والأسرى الفلسطينيين دون تقديم حلول واضحة، مضيفاً أنهم تُرِكوا يواجهون مصيرهم وحدهم.

وأصيب وشاحي عند اجتياح مخيم جنين خلال عملية "السور الواقي" عام 2002، وتعرض للاعتقال لعامين ونصف. ويعيش اليوم ظروفًا صحية ومعيشية صعبة، خاصة بعد تهجير عائلته قسرًا من المخيم إثر عملية السور الحديدي التي يشنها جيش الاحتلال ضد مخيمات جنين وطولكرم منذ يناير/كانون الثاني (كانون الثاني) 2025.

وأشار إلى أن راتبه المقطوع والبالغ نحو 600 دولار أمريكي كان المصدر الوحيد والأساسي لتأمين العلاج واحتياجات أسرته، مضيفا "لا أستطيع العمل بسبب الإصابة، وأحتاج إلى أدوية للأعصاب بشكل شهري تبلغ تكلفتها 90 دولاراً (نحو 90 دولاراً)، علماً بأن التأمين الصحي لا يغطي كامل التكاليف العلاجية، وحتى دخول المستشفى يتطلب دفع مبالغ لا أستطيع تحملها، في حين أن راتبي قبل قطعه أقل من الحد الأدنى للأجور".

ولفت وشاحي إلى أن غالبية المعتصمين يعانون إصابات دائمة ومزمنة وبينهم كبار سن ينامون في العراء بينما تتجاهل الجهات الرسمية قضيتهم. ووجه رسالته إلى الجهات الفلسطينية الرسمية والمسؤولة عن قطع الرواتب، قائلاً: "نطالب الرئيس الفلسطيني محمود عباس وأعضاء المؤتمر الثامن لحركة فتح بالتدخل العاجل من أجل إعادة الرواتب والنظر إلى أوضاعنا".

علاء زيات يصر على البقاء معتصما أمام مقر مجلس الوزراء برام الله هو والعشرات حتى إعادة رواتبهم إليهم (الجزيرة)مستمرون حتى نيل الحقوق

بدوره أكد علاء زيات، وهو جريح من مخيم بلاطة في نابلس، استمرار الاعتصام المفتوح حتى إعادة رواتب الأسرى والجرحى وذوي الشهداء، مشيراً إلى أن بعض الجرحى تلقوا سابقاً وعوداً من جهات رسمية بحلّ قضيتهم، إلا أنها لم تُنفّذ على أرض الواقع.

إعلان

وقال للجزيرة نت "نحن نطالب بحقوقنا عبر هذا الاعتصام المستمر منذ أيام، ولا نريد مساعدات أو تبرعات"، مضيفاً أن المعتصمين يرفضون نقل ملفات بعضهم إلى مؤسسة تمكين، وموضحاً أن "مؤسسة تمكين تمحو صفتنا الوطنية والنضالية".

ووصف طبيعة الأسئلة التي تطرحها المؤسسة عند تعبئة ملفات المساعدات الاجتماعية بأنها "تمس كرامة المناضلين الذين ضحوا من أجل القضية الفلسطينية". لافتا إلى تساؤلٍ يطرحه الكثيرون اليوم: كيف تحوّل الأسير أو الجريح من رمزٍ وطنيّ إلى مجرد حالةٍ اجتماعية؟.

ووفق معطيات سابقة لهيئة شؤون الأسرى والمحررين، كان عدد حسابات الأسرى المحررين حتى عام 2020 يقدر بنحو 7500، في حين يبلغ إجمالي الفاتورة قرابة 50 مليون شيكل (الدولار= 3 شواكل) شهريا.

وتشير معطيات نادي الأسير الفلسطيني (جهة شبه حكومية) إلى أنّ الاحتلال يواصل اعتقال أكثر من 9400 أسير في سجونه، بينهم 86 أسيرة، و3376 معتقلًا إداريًا، إضافة إلى 1283 معتقلًا تصنفهم سلطات الاحتلال تحت مسمى "المقاتلين غير الشرعيين"، في إطار منظومة قانونية استثنائية تُستخدم لتكريس جرائم الاعتقال التعسفي والإخفاء القسري بحق الفلسطينيين.

يذكر أن قرار وقف مخصصات الأسرى قوبل برفض فلسطيني واسع بما في ذلك المؤسسات المختصة بشؤون الأسرى والجرحى، والفصائل الفلسطينية.

عشرات الجرحى والأسرى المحررين يواصلون اعتصامهم المفتوح أمام مقر مجلس الوزراء الفلسطيني لليوم الخامس (الجزيرة)

المصدر

المصدر: الجزيرة

كلمات دلالية: وسم حريات دراسات السلطة الفلسطینیة الأسرى المحررین الأسرى والجرحى إعادة رواتب رام الله إلى أن

إقرأ أيضاً:

مشيخة الأزهر بين السلطة والمعارضة

يعود الخلاف بين المؤسسة الدينية ونظام السيسي مع مشروع قانون الأحوال الشخصية الذي يود السيسي إقراره، ورَبْطُ السيسي بالمشروع ليس من قبيل الإقحام، فهو الذي قال خلال فترة ترشحه للرئاسة عام 2014: "أنا مسؤول عن القيم والمبادئ والأخلاق والدين"، وهو الذي يريد فرض مسألة الطلاق الشفهي منذ عقد تقريبا، وهي مسألة دينية بحتة وشديدة الدقة يترتب عليها هدم منزل أو وضع شخصين في علاقة محرَّمة. ومعلوم أن السيسي لا يملك شيئا من المعرفة الدينية التي تؤهله للخوض في مسائل دينية بسيطة، فضلا عن مسألة بهذه الدقة وهذه الخطورة.

لكن الأهم من هذا الخلاف -الذي لن ينتهي ما بقي السيسي في الحكم- هو طريقة التعامل مع الأزهر من أركان النظام السياسي من جانب، والمعارضين للنظام من جانب آخر، إذ الأهم دائما وضع القواعد التي تنبني عليها المواقف الآنِيَّة واللاحقة، لا مجرد التفوق أو التراجع في المواقف الآنية، وللأسف يسعى نظام السيسي إلى تدمير أحد أهم مصادر القوة في مصر بالإصرار على بسط السيطرة على الأزهر، حتى في الجوانب التعبدية لا الإطار السياسي العام، وكذلك تسعى المعارضة إلى تحقيق مكسب بإظهار أن هناك معارضة داخلية للنظام السياسي، الأمر الذي يُضعف من موقف الشيخ الطيب، والمؤسسة في دولة قمعية ستستغل هذه الدعاية قطعا للضغط وتصوير الشيخ والمؤسسة في وضع يُحرج النظام السياسي.

دخل شيخ الأزهر في عدة معارك بعضها معلن والآخر في الأروقة المغلقة، لكن ضجيج الخلاف نَفَذَ إلى الجوار.

من الخلافات العلنية، رفْض شيخ الأزهر عمليات القمع والقتل منذ مذبحة الحرس الجمهوري في تموز/يوليو 2013، وما تبع ذلك من عمليات دموية وإجرامية، وفي الأروقة المغلقة طُولِب شيخ الأزهر بإخراج الراحل الشيخ يوسف القرضاوي من هيئة كبار العلماء، ومن جملة الذرائع المساقَة لتبرير الموقف، انتقاصه من شيخ الأزهر، لكن الشيخ "الطَّيِّب" رفض ذلك إلى أن استقال الشيخ القرضاوي بنفسه.

ثم وقف شيخ الأزهر موقفا صلبا في عدم وضع اسم جماعة الإخوان المسلمين في بيانات الأزهر الرسمية، كما رفض إصدار فتوى بتكفير المنتسبين إلى تنظيم داعش، وكان الشيخ عباس شومان -وكيل المشيخة حينها- يقول: "إنهم مجرمون ويجب قتالهم"، وهو موقف يفرِّق فيه الأزهر بين الجريمة والمعتَقَد، وأن باب التكفير يجب إغلاقه على الجميع، لا فتْحه للسلطة وإغلاقه أمام غيرها.

كذلك، طولِب الشيخ باستبعاد الراحل د. محمد عمارة من رئاسة تحرير مجلة الأزهر، ورفَضَ ذلك، إلى أن استقال د. عمارة لرفع الحرج عن الشيخ، وكذلك طولِب الشيخ باستبعاد الشيخ عباس شومان من منصبه، والشيخ حسن الشافعي من منصب كبير مستشاري شيخ الأزهر، والقاضي المستشار محمد عبد السلام الذي كان مستشارا للشيخ، وشارك في كتابة الدستور المصري في اللجنة التأسيسية لكتابة الدستور المصري وتعديله عاميْ 2012 و2013 وشارك في صياغة عدد من وثائق الأزهر الشريف في الفترة ما بين 2011 و2018، وهي الوثائق التي أَعْلَتْ من شأن الحريات وتطلعات الشعوب نحو الحرية، ورغم الضغوط المتوالية رفض الشيخ الطيب هذه الطلبات كلها. ثم جاء الصدام العلني الأقوى والأبرز في مسألتيْ: الطلاق الشفهي، وتعديل مشروع قانون الأوقاف.

في مسألة الطلاق الشفهي، تحدث السيسي، في أثناء الاحتفال بعيد الشرطة في 24 كانون الثاني/ يناير 2016، عن تزايد حالات الطلاق، فاقترح منع الطلاق الشفهي وحصْر الطلاق في الحالات الموثقة فقط، ثم توجَّه، باقتراحه ذلك إلى شيخ الأزهر على الهواء، ثم قال له: "تعبتني يا فضيلة الإمام". وبعد أكثر من عام من صمت الأزهر العلني عن المسألة، ورَفْضِه لها في الغرف المغلقة، اضطُر الأزهر لإصدار بيان بعنوان "بيان للناس"، وهذا العنوان نادر الصدور عن المشيخة، ولا يصدر إلا في الأمور الكبرى، فـ"هيئة كبار العلماء في الأزهر الشريف هي المرجعية العلمية العليا المسؤولة عن البت في المسائل الدينية، والقضايا الاجتماعية ذات الطابع الأخلاقي التي تواجه العالم والمجتمع المصري، وكذا البت في المسائل المستجدة في حياة الناس على أساس شرعي"، كما يقول أمينها العام الحالي الشيخ عباس شومان.

أصدر الأزهر بيانه القاسي يوم 8 من جمادى الأولى 1438هـ الموافق 5 من شباط/ فبراير 2017م، وجاء فيه: "وترى هيئة كبار العلماء أنَّ ظاهرةَ شيوع الطلاق لا يقضي عليها اشتراط الإشهاد أو التوثيق، لأن الزوجَ المستخفَّ بأمر الطلاق لا يُعيِيه أن يذهب للمأذون أو القاضي لتوثيق طلاقه (..) وأنَّ العلاج الصحيح لهذه الظاهرة يكون في رعاية الشباب وحمايتهم من المخدرات بكلِّ أنواعها، وتثقيفهم عن طريق أجهزة الإعلام المختلفة، والفن الهادف".

وفي إشارة نبيهة، اختتُم البيان بقولهم: "وتتمنَّى هيئةُ كبار العلماء على مَن يتساهلون في فتاوى الطلاق، على خلاف إجماع الفقهاء وما استقرَّ عليه المسلمون، أن يُؤدُّوا الأمانةَ في تَبلِيغ أحكامِ الشريعةِ على وَجهِها الصحيح، وأن يَصرِفوا جُهودَهم إلى ما ينفعُ الناس ويُسهم في حل مشكلاتهم على أرض الواقع؛ فليس الناس الآن في حاجةٍ إلى تغيير أحكام الطلاق، بقدر ما هم في حاجةٍ إلى البحث عن وسائل تُيسِّرُ سُبُلَ العيش الكريم". والجملة الأخيرة في غاية الأهمية.

انتهت هذه المرحلة بتربّص نظام السيسي بالمشيخة، فخرجت تسريبات تؤكد تغيير المواد المتعلقة بالأزهر في الدستور، قبيل التعديلات الدستورية عام 2019، وطُرحت المواد المقتَرَح تعديلها في الإعلام المصري، دون إعلان رسمي، لكن معلوم أن الإعلام المصري لا يتحرك إلا وفق تعليمات، وبانضباط شديد لا يتجاوز النصوص المرسَلَة من الجهات الأمنية. وفي النهاية لم تُدرَج مواد الأزهر في مشروع الدستور، ولم تكن هناك معلومة واضحة عن سبب سحب المواد من مشروع التعديل.

لم تتوقف محاولات تقييد الأزهر، فاقترح مجلس النواب عام 2020 تشريعا تصبح وفْقَهُ تبعية دار الإفتاء لوزارة العدل المصرية لا الأزهر الشريف، ورغم رفض الأزهر للمشروع، قرر المجلس مناقشة التشريع، فأرسل الشيخ الطيب ليلة المناقشة خطابا إلى المجلس يطلب فيه حضور المناقشة، ليضطر المجلس إلى سحب المشروع.

ثم أعاد السيسي قضية الطلاق الشفهي إلى الواجهة في احتفالية الأسرة المصرية آذار/ مارس 2023، فأعلن بنفسه عن إفتاء ديني، ولم يُرضِه قول "هيئة كبار العلماء"، أي أكبر وأنبه علماء الديار المصرية من مختلف المذاهب الفقهية، ثم انبرى في جرأة فاجعة بقوله: "إن كان في المسألة [عدم الاعتداد إلَّا بالطلاق الموثَّق] إثم فأنا من يتحمله". وكتب صاحب هذه السطور -وقتها- أن كلامه "يُشبه في حُمقه قول المشركين للنبي "اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك، فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم". والتشبيه هنا في الحماقة فقط لا في الإيمان والكفر؛ فهم إن كانوا ذوي عقل لقالوا: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك "فاهدنا"، لكنهم طلبوا العذاب فنالوه، ومثلهم هذا الذي يُعارض قول كبار العلماء ثم يقول بجرأة: "أنا أحمل الإثم"، فلْيَنَلْه بجرأته وذهاب عقله".

الآن تتجدد محاولات النظام السياسي تجاهل الأزهر، أو تحجيم دوره القانوني والدستوري والديني أيضا، على خلفية مقترح مشروع الأحوال الشخصية. ومعلوم أن مسألة الأحوال الشخصية تخضع للتشريعات الدينية، وهو ما فعله النظام المصري في مسألة الأحوال الشخصية للمسيحيين، فعَرَضَ المشروع على الكنائس، وهذا حق طبيعي وليس منَّة من أي طرف، أما أحوال المسلمين الشخصية، فلم يعرض النظام على الأزهر مشروع القانون، وفق بيان الأزهر الرسمي 18 أيار/ مايو الجاري!

في مقابل هذا السلوك، نجد المعارضة المصرية منشغلة بنفخ النيران الإعلامية، ووضْعِ الأزهر في موقع المعادي للنظام السياسي، والحقيقة أن الأزهر لا يريد أن يقف موقف المعارضة من النظام السياسي ولا المؤيِّد له، بل كل ما يريده ويتغيَّاه أن يحفظ على المسلمين دينهم وعبادتهم، لكن للأسف تنشغل المعارضة بتحقيق مكسب "إعلامي" على حساب المكسب الحقيقي المتعلق بمصلحة المجتمع في أن تحفظ المؤسسة عليه دينه. ويجدر التأكيد بأنه مكسب إعلامي، إذ إن تبعات الخلاف لن تُسقط النظام السياسي، بل ربما تُسقط المؤسسة وشيخها أمام ضربات النظام القمعية، وآنَ للمعارضة أن تتوقف عن دور لا يُستبعَد وصفُه بالمشبوه، والرغبةِ في تصفية الحسابات نتيجة حضور الشيخ الطيب بيان الانقلاب في تموز/ يوليو 2013، ورغم ما يمكن قوله في الواقعة وما ارتبط بها وما لحقها من مواقف أخرى، فإن المحصِّلة أن الشيخ جانبَه الصواب في هذا الموقف، لكن ما يعني المهتمِّين بالمسألة الدينية ألا ينهدم دور الأزهر نتيجة الرغبة في تصفية الحسابات، أو تحقيق مكسب لن يكون له أثر في الواقع المصري إلا بالسَّلْب فقط.

من هنا يتجدد النداء لجميع الأطراف بأن ترفع أيديها عن الأزهر، وتتركه مؤسسة جامعة للأمة كلها، لا للمصريين فقط، بل للأمة كلها بجميع طوائفها المذهبية والدينية أيضا.

المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.

مقالات مشابهة

  • بعد فاجعة الـ7 ضحايا.. نواب "مستقبل وطن" يطالبون بحواجز حماية لترعة المريوطية
  • جيش الاحتلال يحقق في لغز المسيّرات الليلية.. هل امتلك حزب الله كاميرات حرارية؟
  • نادي الأسير الفلسطيني: ارتفاع عدد الأسيرات إلى 89 داخل سجون الاحتلال الإسرائيلي
  • مشيخة الأزهر بين السلطة والمعارضة
  • غارات إسرائيلية استهدفت البرج الشمالي.. وسقوط جرحى
  • الحكومة الفلسطينية تناقش مشروع قانون حق الحصول على المعلومات
  • قيادي بـ”حماس”: تصاعد اعتقالات العدو الصهيوني في الضفة لن يثني من عزم شعبنا وصموده على أرضه
  • نازحون من جنوب لبنان يهاجمون إيران وحزب الله: لسنا فداء لأحد
  • قوات الاحتلال تتوغل في ريف القنيطرة السوري وتعتقل شابًا من قرية عين زيوان
  • قتلى وجرحى في صفوف جنود العدو جراء عمليات حزب الله المستمرة