رحلة الحجاج المتعجلين.. ما قصة الوداع المبكر لأطهر بقاع الأرض؟
تاريخ النشر: 28th, May 2026 GMT
من رحاب منى وبأصوات تملأ الآفاق بالتكبير، يواصل ضيوف الرحمن أداء مناسكهم في أول أيام التشريق، حيث ترسم خطى الحجيج لوحة إيمانية في مشهد رمي الجمرات الثلاث.
لكن خلف هذا الهدوء الميداني، تسابق غرف العمليات الزمن لإدارة واحدة من أعقد العمليات اللوجستية: "رحلة التعجل"، فلماذا يختار ملايين الحجاج مغادرة مكة مبكرا؟ وهل يختصرون مناسكهم أم ينهونها كاملة؟
رحلة الحصيات الثلاث في منىمنذ ساعات صباح اليوم الأولى، بدأت أفواج الحجاج بالتدفق نحو منشأة الجمرات في مشعر منى، حاملين حصيات صغيرة تحولت في الوجدان الإسلامي إلى رمز للانتصار على وساوس الشيطان، وبين تكبيرات متواصلة ووجوه أنهكها التعب وأحيتها الطمأنينة، يؤدي الحجاج أول أيام التشريق برمي الجمرات الثلاث، الصغرى ثم الوسطى ثم جمرة العقبة الكبرى.
في هذا المشهد الذي يتكرر مع كل موسم حج، تتحول "رحلة الحصيات" إلى واحدة من أكثر مراحل الحج كثافة وتعقيدا، إذ يقطع الحجاج مسارات طويلة ضمن جداول تفويج دقيقة وضعتها السلطات السعودية لتخفيف الازدحام وإدارة حركة الملايين داخل منى دون تزاحم.
ولضمان انسيابية تنقل حجاج بيت الله الحرام وضمن مسارات محددة، فعّلت الهيئة الملكية لمدينة مكة المكرمة والمشاعر المقدسة منظومة تقنية وهندسية متكاملة، تهدف إلى رفع كفاءة إدارة الحشود، وتيسير حركة ضيوف الرحمن أثناء أداء نسك رمي الجمرات بكل يُسر وأمان.
وتعمل هذه المنظومة على إدارة الحشود عبر بنية تحتية متكاملة تشمل 11 مبنى للسلالم الكهربائية و10 أنفاق حيوية، بما يُسهم في تعزيز انسيابية الحركة بين الطوابق والمسارات المختلفة داخل المنشأة.
وشملت الجاهزية التشغيلية أيضا تجهيز وصيانة 340 سلما كهربائيا، وتفعيل 682 كاميرا مراقبة مرتبطة بغرف العمليات، لمتابعة الحركة الميدانية وإدارة الكثافات البشرية بشكل لحظي، إلى جانب تخصيص 228 عربة غولف لدعم التنقلات اللوجيستية والحالات الطارئة داخل المنشأة.
إعلانوفي جانب السلامة والراحة البيئية، زُوّدت المنشأة بـ456 وحدة تكييف عالية القدرة، وأكثر من 74 ألف وحدة إنارة موزعة على مختلف الطوابق والمسارات، إضافة إلى توفير 295 صندوق حريق، و1,078 طفاية يدوية، وأكثر من 3,350 رشاش إطفاء آليا؛ بما يعزز منظومة السلامة ويرفع مستوى الجاهزية الوقائية داخل المنشأة.
ويمثل رمي الجمرات (الكبرى والوسطى والصغرى) أحد واجبات الحج، حيث يرمي الحاج سبع حصيات عند كل جمرة، مستحضرا قصة نبي الله إبراهيم عليه السلام حين تصدى لوساوس الشيطان. وبين كل رمية وأخرى، تتعالى أصوات الدعاء والتكبير في مشهد تختلط فيه الروحانية بالتنظيم الميداني واسع النطاق.
في أيام التشريق يبيت الحجاج في مشعر منى، ويرمون الجمرات الثلاث يوم الحادي عشر ويسمّى يوم القرّ، ويرمون الجمرات يوم الثاني عشر، وكذلك الثالث عشر -لمن تأخّر- كل ذلك بعد الزّوال ويمتد وقته إلى غروب الشمس.
كل جمرة بسبع حصيات، أي في كل يوم يرمون 21 حصاة، ويتبع الحجاج ترتيبا صارما في رمي الجمرات، فيبدأ الحاج بالجمرة الأولى -وهي الصغرى أقرب الجمرات لمسجد الخيف- فيرميها بسبع حصيات، ثم يقف فيدعو طويلا، ثم ينصرف إلى الجمرة التي تَلِيها -وهي الوسطى- فيرميها مثل التي قبلها، ثم يقف ويدعو طويلا، ثم ينصرف إلى جمرة العقبة -أبعد الجمرات من منى- فيرميها كذلك ولا يقف عندها بل ينصرف إذا رمى.
وللحاج خلال أيام التشريق الاستفادة من طرق النقل المتوفرة وصولا إلى الجمرات، منها قطار المشاعر، وطرق المشاة، والحافلات، والدراجات النارية.
وعند صعود الجمرات، تتوفر سيارات جولف لنقل كبار السن ومن يثقل عليه المشي. ومن تيسير الله تعالى على عباده في الحج، أنه شرع ويسّر التوكيل في الرمي، وذلك لمن أعجزه المرض والتعب عن الرمي.
فيجوز لكبار السن والضعفاء والمرضى والحوامل، ومن يخشى على نفسه الضرر، أن يوكل من يرمي عنه الجمرات من الحجاج، وعلى الوكيل الذي سيتولى الرمي أن يرمي الجمرة عن نفسه أولا، ثم يرمي عمّن أنابه، ثم ينتقل إلى الجمرة التالية ويفعل الشيء نفسه.
"بوصلة المتعجلين"
ورغم أن المشهد يبدو هادئا أمام الكاميرات، فإن غرف العمليات تتابع لحظة بلحظة حركة ملايين الحجاج، خاصة مع بدء ما يُعرَف بـ"رحلة التعجل"، حين يختار عدد كبير من الحجاج مغادرة منى بعد اليوم الثاني عشر من ذي الحجة، عقب إتمام رمي الجمرات، لتبدأ مرحلة جديدة من إدارة الحشود تتداخل فيها خطط النقل والإيواء والتفويج نحو مكة والمنافذ المختلفة.
ويجوز للحاج أن يتعجّل في حجه، فيخرج من منى يوم الثاني عشر، أو يتأخر فيخرج يوم الثالث عشر من ذي الحجة، كما قال تعالى: ﴿فَمَن تَعَجّله فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾.
ويعني ذلك أن من تعجّل في يومين من أيام التشريق، فنفر في اليوم الثاني من منى، فلا إثم عليه في تعجّله، ومن تأخر عن النفر إلى اليوم الثالث فلا إثم عليه في تأخره.
إعلانوإن كان الحاج من المتعجلين فإنه يرمي الجمرات يوم الحادي عشر ثم يوم الثاني عشر فقط، ويكتفي بذلك، ولا يُشرع له أن يرمي في يوم الثاني عشر رميا ثانيا عوضا عن يوم الثالث عشر الذي لن يقضيه في منى.
إلى جانب الرخصة الشرعية، يخضع خيار التعجل لعدة أسباب تنظيمية وعملية تفسر مغادرة الحجاج المبكرة، ترتبط ببعثات الحج بـ"نوافذ زمنية" محددة وصارمة في المطارات ومحطات القطار، مما يفرض تحريك الكتل البشرية سريعا لتجنب تكدس الصالات، إلى جانب تفضيل بعض الحجاج التعجّل لاعتبارات شخصية وعملية تتعلّق بالارتباطات المهنية بعد عطلة العيد وتجنبا لذروة الازدحام.
وينقسم الحجاج إلى مسارين، الأول يتجه فورا إلى الحرم المكي لأداء طواف الوداع ثم إلى المطارات للمغادرة، بينما يتحرك المسار الثاني عبر حافلات النقابة العامة للسيارات صوب المدينة المنورة لمن لم يزر المسجد النبوي قبل بدء الحج، لتمضية عدة أيام هناك قبل السفر النهائي.
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: وسم حريات دراسات یوم الثانی عشر أیام التشریق رمی الجمرات
إقرأ أيضاً:
دولة عربية في المركز الثاني!.. دراسة أمريكية تصنف الدول حسب النرجسية
الولايات المتحدة – طوال سنوات طويلة، كان الاعتقاد السائد أن الولايات المتحدة هي موطن النرجسية بامتياز، وأن ثقافتها الفردية التي تكرس للذات وللإنجاز الشخصي هي البيئة الخصبة لهذه السمة النفسية.
لكن دراسة عالمية شاملة قلبت هذه الفكرة رأسا على عقب، وكشفت أن أمريكا لم تكن حتى ضمن الدول الخمس الأولى في قائمة النرجسية، بل جاءت في المرتبة 16 بين 53 دولة شملها البحث.
وحللت الدراسة التي أجرتها جامعة ولاية ميشيغان، استجابات 45800 شخص من مختلف أنحاء العالم، لتفاجأ بأن ألمانيا هي الدولة التي سجل سكانها أعلى متوسط درجات النرجسية الإجمالية، تلتها العراق، ثم الصين، ونيبال، وكوريا الجنوبية.
في المقابل، جاءت صربيا في ذيل القائمة كأقل الدول نرجسية، تلتها أيرلندا، والمملكة المتحدة، وهولندا، والدنمارك.
ولم ينظر الباحثون إلى النرجسية كصفة واحدة، بل قسموها إلى نوعين. الأول براق وجذاب، وهو ما أطلقوا عليه “الإعجاب”، وفيه يكون الشخص مولعا بجذب الانتباه وإبهار الآخرين. أما الثاني فهو مظلم وعدائي، أطلقوا عليه اسم “التنافس”، حيث يتحول الشخص إلى محارب شرس يسعى لإسقاط منافسيه وتدميرهم.
وبينما قد يجني صاحب الوجه الأول مكاسب سريعة كالإعجاب والشعبية، فإن صاحب الوجه الثاني يدفع ثمنا باهظا على المدى الطويل، فيفقد احترامه لنفسه، ويخسر علاقاته، وينتهي به الأمر منبوذا من الجميع.
وفي هذا التصنيف، كانت نيجيريا الدولة الأكثر “إعجابا” في العالم، متفوقة على العراق والصين ونيبال وتركيا. بينما سجلت النرويج أدنى مستوى في هذه الفئة، تلتها الدنمارك وأيرلندا وروسيا والمملكة المتحدة. أما في فئة “التنافس”، فتصدرت ألمانيا القائمة، تلتها كوريا الجنوبية ونيبال والعراق ورومانيا، بينما كانت صربيا الأقل تنافسية، ثم المكسيك وكولومبيا والنمسا وجنوب أفريقيا.
ثلاثة عوامل تحكم النرجسية حول العالم
كشفت الدراسة عن ثلاثة أنماط ثابتة تجاوزت الحدود الثقافية والجغرافية:
. أولا العمر: كان الشباب أكثر نرجسية من كبار السن في كل الدول تقريبا. ويفسر الباحثون ذلك بأن السمات النرجسية تساعد الشباب على بناء هويتهم وتأكيد استقلالهم، لكن مع التقدم في العمر، تتحول الأولويات نحو العلاقات والمسؤوليات، ما يقلل من التمركز حول الذات.
ومع ذلك، يحذر الباحثون من أن الدراسة التقطت صورة واحدة في الزمن، فلا يمكن الجزم ما إذا كان الأفراد يتغيرون مع العمر أم أن الأجيال مختلفة بطبيعتها.
. ثانيا الجنس: تفوق الرجال على النساء في جميع مقاييس النرجسية. ويرى الباحثون أن المجتمعات تشجع الرجال على الحزم والهيمنة والتنافس، بينما تدفع النساء نحو التعاون والاهتمام بالعلاقات، مع معاقبتهن بقسوة إذا أظهرن سلوكا نرجسيا علنيا. وهذا الفرق ظل ثابتا بغض النظر عن ثراء الدولة أو نوع ثقافتها.
. ثالثا المكانة الاجتماعية: الأشخاص الذين وضعوا أنفسهم في مراتب اجتماعية أعلى، من حيث المال والتعليم والوظيفة، كانوا أكثر نرجسية باستمرار. فالنرجسيون يرون أنفسهم مستحقين لامتيازات خاصة، ويسعون بشراهة للحصول على المكانة والثروة والسلطة لتأكيد قيمتهم الذاتية.
المفاجأة الكبرى: الثقافات الجماعية تتفوق على الفردية في النرجسية
كان من المتوقع أن المجتمعات الفردية مثل أمريكا وبريطانيا، التي تكرس للذات والمنافسة الفردية، ستكون الأكثر نرجسية. لكن النتائج كشفت العكس، إذ سجلت الدول ذات الثقافات الجماعية، التي تضع المصالح الجماعية والانسجام الاجتماعي فوق المكاسب الفردية، مستويات نرجسية أعلى، وخاصة في فئة “الإعجاب”.
ويرى الباحثون أن الناس في هذه المجتمعات قد يستخدمون سلوكيات نرجسية دقيقة للتنقل في التسلسلات الهرمية المعقدة، أو قد يروجون لإنجازاتهم الشخصية كوسيلة لرفع مكانة مجموعتهم، ما يجعل السلوك النرجسي يبرر كونه خدمة للجماعة. لكن اللافت أن الجماعية لم ترتبط بتنافس شديد، ما يشير إلى أن النرجسية في هذه الثقافات تتخذ شكلا أكثر لطفا وتكيفا.
ويؤكد الباحثون في ختام دراستهم أن النتائج التي توصلوا إليها تكشف عن ارتباطات إحصائية قوية، لكنها لا تثبت أن الثراء، أو الشباب، أو المكانة الاجتماعية، أو نوع الثقافة هي أسباب مباشرة للنرجسية. فالعوامل المسببة أكثر تعقيدا وتشابكا، وتحتاج إلى مزيد من الأبحاث لفهمها بدقة.
المصدر: ديلي ميل